مقدمة
إن من أعظم شعائر الإسلام، شعيرة الأضحية، التي شرعها الله تعالى إحياء لملة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وتذكيرا بمعاني الطاعة والتضحية والتكافل والرحمة. قال الله تعالى في سورة الحج: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[الحج: 32]، وقال تعالى سورة الحج: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ[الحج: 37]، وقد ورد في السُّنة النّبويّة مجموعة من الأحاديث في الأضحية تبيّن أحكامها، وفضلها، والسِّنَّ المعتبر فيها، والعيوب التي لا تجزئ معها، والوقت الذي تجزئ فيه، وما يؤكل من لحومها وما يدخر، وكيفية ذبحها.
أولا: فضل الأضحية
وردت في فضل الأضحية، أحاديث كثيرة، منها:
1 – ما رواه الترمذي بسند – حسن غريب -، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا) 1
2 – والأضحية سنّة المسلمين، ولا يزالون يفعلونها ويعتنون بالقيام بها، فقد روى البخاري، عَنِ الْبَرَاءِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ) 2
3 – والأضحية مما داوم على فعلها النبي صلى الله عليه وسلم منذُ شرعت، فقد روى أحمد والترمذي، وسنده حسن. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: (أَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي كُلَّ سَنَةٍ) 3
4 – وروى الطبراني، والحاكم وتعقب عن أبي سعيد، والبيهقي، عن عمران بن حصين، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (يا فاطمة، قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة تقطر من دمها، كل ذنب عملتيه، وقولي: إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، قيل: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة؟ قال: بل للمسلمين عامة) 4
5 – وروى الإمام أحمد وابن ماجه، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْنَا: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الأَضَاحِي؟ قَالَ: سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. قَالَ: قُلْنَا: فَمَا لَنَا فِيهَا؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ. قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالصُّوفُ، قَالَ: بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ) 5
ثانيا: الأضحية قربة وعبادة
الأضحية قربة وعبادة، وثواب فاعلها عظيم محفوظ عند الله، لما فيها من معاني التوحيد، ونيل التقوى، والتأسي بالخليل إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، وبذل المال على وجه التعبد، والتوسعة على النفس والعيال، والتصدق على الفقراء.
ثالثا: المسلم وتعامله مع مؤامرة غلاء الأضحية
لقد أصبح الناس في زماننا، يشتكون من غلاء الأسعار، وارتفاع أثمان الأضاحي، حتى صار كثير من الآباء والأمهات، يعيشون همّاً عظيما مع اقتراب عيد الأضحى، خوفا من العجز عن إدخال الفرحة على الأبناء، وإحياء هذه السنة المباركة. وإن المسلم الواعي، لا ينظر إلى هذه الأزمات نظرة سطحية، بل يدرك أن الأمة الإسلامية، تعيش تحديات اقتصادية ومعيشية كبيرة، وأن هناك أنظمة عالمية، تقوم على الاستهلاك والجشع، والتحكم في أرزاق الشعوب الضعيفة، حين يضحك صناع القرار العالمي على عجزنا! حين نرى أسعار الأضاحي تقفز إلى أرقام تعجيزية، تفوق القدرة الشرائية لأغلب شعوب العالم الإسلامي، إننا أمام مشهد تفوح منه رائحة مؤامرة دولية ممنهجة، تستهدف الوجدان الإسلامي. وهندسةً خبيثةً وضعتها القوى التي تحكم العالم، لإذلال المسلمين. وتنفيرهم من دينهم. والضحك على عجزهم! مما يزيد معاناة الفقراء والمحتاجين. لكن، علينا أن نحذر من الوقوع في اليأس والقنوط، أو تحويل شعائر الدين إلى سبب للحزن والانكسار النفسي. فالأضحية سنة مؤكدة عند جمهور العلماء للقادر المستطيع، أما غير المستطيع، فلا حرج عليه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. قال الله تعالى في سورة البقرة: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة: 286]، روى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-: (… وإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) 6
رابعا: سعي أعداء الدين لإسقاط الرمزية
إن العدو الحقيقي، لا يريد فقط إفقار الأمة الإسلامية، بل يريد أيضا كسر معنوياتها، وإشعار المسلم بالعجز والمهانة، حتى يظن أن دينه صار حملا ثقيلا عليه. إنهم يريدون سياسة” الإذلال وتجفيف المنبع”. فالهدف هو كسر “القوة الروحية للأمة الإسلامية”، وإسقاط الرمزية. فعيد الأضحى، هو رمز الفداء. ورمز التكافل. ورمز الامتثال لأمر الله. فهم يسعون بمكرهم إلى تحويل هذا الرمز إلى “كابوس مالي”، إنها خطة مدروسة، لربط الشعائر الدينية بالبؤس والنكد الدائم. عندما يُحرم الأب المسلم، من إدخال الفرحة على أطفاله، ويعجز عن إقامة سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، بسبب سياسات إفقار وتجويع مفروضة. فإن الهدف، هو زرع عقيدة الهزيمة والانكسار، في نفوس الأجيال القادمة. لتنشأ وهي ترى دينها “عبئا” لا تستطيعه. بينما تُهدر المليارات في التفاهات. والمهرجانات. والمنظومة الاستهلاكية العولمية، التي تُفرض على مجتمعاتنا فرضا. ويتم التضييق على الثروة الحيوانية. ورفع أسعار الأعلاف عالميا. وفرض قيود على الاستيراد والإنتاج المحلي في بلاد المسلمين. إن من يحكمون هذا العالم. ومن يديرون خيوط الاقتصاد الدولي. يرون أمة المليارين من المسلمين حائرة مستنزفَة ومستسلِمة. يقفون طوابير عاجزة أمام شعيرة من أعظم شعائرهم. ليتحول يوم العزة والبهجة، إلى يوم انكسار ومهانة.
خامسا: كيف يواجه المسلمون المؤامرة على الأضحية؟
المؤمن الصادق، يعلم أن عزته في إيمانه، وأن الفرح بالعيد، لا يقتصر على كثرة المال، بل يكون بالتكبير، وصلة الأرحام، وإظهار المودة، وإحياء روح التكافل بين المسلمين. إن من واجب الأغنياء والموسرين، أن يقفوا في هذا العيد مع إخوانهم المحتاجين، وأن يجعلوا من عيد الأضحى موسما للتراحم والتعاون والتكافل، لا موسما للتفاخر والتباهي. فينبغي تفعيل روح التضامن، ومساعدة الأسر الفقيرة، وتقاسم ثمن الأضاحي، فبدل أن يشتروا الأضاحي لأنفسهم بأثمنة خيالية، يعطوا نصف ثمنها أو ثلثه للأسر المحتاجة، حتى لا يحرم الفقراء من فرحة العيد. روى البخاري، ومسلم، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِي – صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) 7، وروى البخاري ومسلم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم -: (مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى ) 8
سادسا: الدعوة إلى تحويل العيد إلى ثورة تكافلية
أيها المؤمنون، اتقوا الله، وأحيوا معاني الرحمة والتكافل، واعلموا أن الأمة التي تتعاون وتتراحم، لا يستطيع أحد سواء من الأعداء الخارجيين، أو الداخليين، أن يكسر إرادتها أو يطفئ نورها، إذا كانت المؤامرة تستهدف وعينا وعزتنا. فإن الرد لا يكون بالاستسلام للحزن. بل بالوعي والمقاومة، يجب أن ندرك أن عجزنا المادي، بسبب إفقارهم لنا، لا ينقص من ديننا شيئا. الله فاتح باب العبادات. والأضحية تسقط شرعا عن غير المستطيع. فلا تبتئس ولا تجعلهم يشمتون بكسرتك. إن كسر هذه المؤامرة، يكون بتحويل العيد إلى ثورة تكافلية. أن يقتسم القادرون ثمن أضاحيهم مع العاجزين. وتفعيل التبرعات الشعبية لنسف المخطط الذي يريد رؤية الفقير المسلم جائعا ومكسورا في يوم عيده. معركتنا ليست مع الخروف، إنهم يريدون إطفاء نور الله في قلوبنا؛ بفقر مصطنع، وغلاء موجه. ويريدون للمسلم أن يطأطئ رأسه عجزا. في يوم عزه. لا نتركهم يسخرون من شعائرنا. ولن تزيدنا محاولات الإذلال إلا تمسكا بهويتنا، وفخرا بديننا. معركتنا مع الهُوَية. إن التمسك ببهجة العيد. والتكبير. وإظهار الفرح بأبسط المتاح، هو صفعة في وجه كل من أراد إذلال هذه الأمة. إن الحفاظ على شعائر الإسلام، مسؤولية جماعية، وإن من أعظم صور الثبات في هذا الزمان، أن يبقى المسلم معتزا بدينه، متمسكا بهُويته، مهما اشتدت الأزمات. فلا تجعلوا الغلاء يطفئ فرحة العيد في بيوتكم، ولا تجعلوا الشيطان يُدخل الحزن إلى قلوب أطفالكم. أظهروا الفرح بما تيسر، وأكثروا من التكبير والتهليل، وأحيوا سنة التزاور وصلة الرحم، واعلموا أن الله ينظر إلى القلوب والنيات، لا إلى كثرة الأموال والمظاهر.
الخاتمة
اعلموا، أن الأمة إذا أرادت الخروج من أزماتها، فعليها بالرجوع إلى الله، وتحقيق العدل، ومحاربة الفساد، وتقوية روح التعاون والإنتاج والعمل.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[2] أخرجه البخاري (5/2109، رقم 5225).
[3] أخرجه الترمذي (1507) من طريق يحيى بن أبي زائدة، بهذا الإسناد، وقال: حديث حسن.
[4] أخرجه الطبراني (18/239 رقم 600)، والحاكم (4/247، رقم 7524)، وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (5/238 رقم 10005). والطبراني في الأوسط (3/69، رقم 2509)، قال الهيثمي: (4/17): فيه أبو حمزة الثمالي وهو ضعيف.
[5] أحمد (4/368)، وعبد بن حميد (ص 112، رقم 259)، وابن ماجه (2/1045، رقم 3127).
[6] رواه البخاري ( 7288 )، ومسلم ( 1337 ).
[7] أخرجه البخاري (2/863، رقم 2314)، ومسلم (4/1999، رقم 2585)
[8] أخرجه البخاري 8/11 ( 6011)، ومسلم 8/20 ( 2586 ) ( 66 ).