الأم في رمضان .. حكاية تعب يفيض حبا

Cover Image for الأم في رمضان .. حكاية تعب يفيض حبا
نشر بتاريخ

حين يعلو صوت أذان المغرب معلنا موعد الإفطار، تتجه أنظار الأسرة إلى مائدة الطعام بحبور وانتشاء، تواقة إلى ما لذ وطاب من الأطايب والأطباق بعد نهار طويل من الصيام، لكن خلف هذا المشهد، يتجلى جهد وعطاء يُبذل في الخفاء، بين جدران مطبخ أضحى محراب عبادة لأم مؤمنة أخلصت فيه نيتها لله ذكراً وتلاوة ودعاء، طالبة الأجر من ربها، مستحضرة حديث نبيها صلى الله عليه وسلم: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) رواه الترمذي.

الأم في شهر رمضان هي القلب النابض بالحياة في البيت المسلم، تستيقظ قبل الجميع في ظلمة الفجر بعد يوم حافل بالتعب والمشقة، توقظ أبناءها برفق وحنان، لتغرس في قلوبهم ونفوسهم معاني الصيام وقيمه، تعلمهم أن رمضان مدرسة للأخلاق والسمو الروحي، وليس مجرد امتناع عن الأكل والشرب، تجمعهم على مائدة السحور في أجواء إيمانية تحفزهم على الذهاب إلى المسجد، حيث تتشرب أرواحهم نفحات الإيمان وتغمر قلوبهم سكينة الفجر.

ثم يبدأ نهارها الطويل، نهار من العمل المتواصل، تنشغل بمسؤولياتها الجمة تجاه أسرتها، تكابد الألم وتعاند التعب، تظل واقفة بثبات وصبر، فتمنح كل لحظة من وقتها لأسرتها حبا وبذلا وعطاء بلا حدود، دون أن تتأوه أو تتذمر، محتسبة الأجر عند ربها طالبة مرضاته. وحين يقترب وقت المغرب، تدخل إلى مملكتها لتتفنن في ألوان الأطعمة التي يشتهيها الزوج والأبناء، تقف ساعات طوال، تستغفر وتهلل وتكبر وتصلي على الحبيب المصطفى، في أجواء روحانية يملأها الدفء والسكينة. وحين يؤذن المؤذن لصلاة العشاء تهرع لغسل الأطباق والمواعين الفارغة، لتلحق بصويحباتها لصلاة العشاء والتراويح، مكابدة تعب اليوم كله، متحاملة على نفسها لتؤدي فرض ربها وسنة نبيها في فرح وحبور وقلب مفعم بالخشوع والرضى.

قد يمر بخاطرها أنها تضيع وقت العبادة في إعداد الطعام وترتيب بيتها، بينما يتفرغ غيرها إلى العبادة وتلاوة القرآن والذكر مستقبلا القبلة، لكنها تدرك أن نيتها الصادقة تحول مطبخها إلى محراب عبادة تتنسم فيه عطر الإيمان والتقوى، تنساب معها التسابيح واستظهار ما تحفظ من آيات القرآن، ووسط هذا السكون الرباني يغدو كل طبق طعام بركة تصل إلى قلوب أسرتها قبل أن تتذوقه ألسنتهم، فيذوب تعبها وجهادها لأنها تعلم أن عملها الخفي يطلع عليه رب الأكوان، فيزيده بركة وأجرا ونورا لا ينطفئ.

إن الأم شمعة تذوب لتنير حياة أسرتها، ويزداد وهج نورها في الشهر الفضيل، حيث تجمع بين عملها الدنيوي والأخروي، فتصبح كل لحظة من حياتها بركة وعطاء فياضا لا ينتهي.