مقدمة
خلق الله الإنسان لغاية عظمى، وهي العبودية له سبحانه، مصداقا لقوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات: 56]، وجعل العبادات والطاعات في حياة المؤمن واجبة، لأنها مفتاح الحياة الطيبة، ومصدر الطمأنينة، فلا تنال إلا بالاتصال المستمر للمؤمن بخالقه سبحانه.
فحقيقة العبادة تقتضي تجاوز فهمها بوصفها أفعالا متفرقة، إلى اعتبارها نظاما مقصودا لتهذيب النفس وتحقيق العبودية الدائمة المستمرة الكاملة، ولما كانت النفس مجبولة على التقلب والفتور، كان لا بد من منهاج منضبط يحقق مقصد الديمومة، ويمنع طروء الانقطاع، فجاء “الوِرْد” باعتباره تنزيلا عمليا لمبدأ المداومة، ووسيلة لتحقيق مقصود الشرع في تزكية النفس على وجه الاستمرار.
وعليه، فإن معالجة قضية الورد ليست بحثا في جزئية تربوية فحسب، بل هي نظر في وسيلة تُحفظ بها مقاصد العبادة وتستقر بها أحوال السالك إلى الله تعالى.
1. تعريف الوِرْد ووظيفته
• الوِرْدُ في اللُّغة:
قَال أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ: الْوِرْدُ اسْمٌ لِوَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ يَرِدُ عَلَى الْعَبْدِ مُكَرَّرًا فَيَقْطَعُهُ فِي قُرْبَةٍ إِلَى الله، وَيُورِدُ فِيهِ مَحْبُوبًا يَرِدُ عَلَيْهِ فِي الآخِرَةِ 1.
• الوِرْدُ في الاصطلاح:
أذكار مخصوصة من القرآن وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آثارِ العُلماء العاملين، يقولها الذاكر في أوقاتٍ يعاودها في اليوم والليلة، فيكون بمثابة الذي يرد الماء لينهلَ منه كلَّما عَطش، وكذلك ذاكرُ الله كلّما شغلته صوارف الدنيا، تعطشت روحه إلى ذكر الله تعالى فوَردَ مناهل الذّكر الزكيّةِ ليطمئنَّ قلبُه إيمانا وتَقَرَّ عينُه انشراحًا، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28].
إذا فالأَوْراد هي جمع وِرد وهو ما اعتاده المؤمن من ذكر وصلاة وتلاوة كل يوم أو ليلة، والوِرْد القرآني هو الجزء من القرآن الكريم الذي يقرأه المسلم كل يوم ولو كان يسيرا.
والوِرْد مشتق من أصل يدل على الموافاة إلى الشيء، ومنه قولهم: وردت الإبلُ أو الماشيةُ الماءَ، ترده، وِرْدا، إذا أقبلت لتشرب، عكسه صدرت، وذلك يكون على نحو متكرر من وقت لوقت.
وللوِرْد، تحديدا ودواما، سند في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: «أحب الأعمال إلى الله أدومها ولو قل». الدوام معناه تكرار عدد الأعمال يوميا. وهذا معنى الوِرْد.
2. الأوراد مبدأ استمرارية تربوية
خصص الإمام رحمه الله فِقرة كاملة في كتابه “الإحسان” عنونها بـ”الأوراد وخصائص الأذكار” عرف بحقيقتها وحكمها وجسامتها، جاء فيها: “المداومة في أوقات معينة على أذكار معينة هي ما يسمى في اصطلاح القوم بالأوراد، والأوراد أوتادٌ راسية عليها يبني المؤمن خيمة الذكر في أرجاء وقته وعامة نشاطه وسُوَيْدَاءِ قلبه” 2.
تشبيه جميل وعجيب للذكر المستمر بالأوتاد أي الركائز الأساسية التي تُثبّت (خيمة الذكر)، فتملأُ أوقات المؤمن، وتُثبّت الإيمان في قلبه وتُقوّم سلوكه وتُثمر محبة وقربا من الله.
واعتبرها رحمه الله شرطا للسلوك الإحساني، وضرورية لكل مبتدئ صادق في سيره إلى مولاه عز وجل: “الأوراد هي الطريق إلى الله عز وجل لا يستغني عنها مبتدئٌ ولا يزهد فيها واصل، قيل للجنيد رحمه الله: “نراك تحافظ على أورادك وأنت شيخ! فقال: طريق وصلنا بها إلى الله لا نتركها” 3.
ونقل الإمام عن أبي حامد الغزالي رحمه الله كلاما نفيسا يُبرز للسالك بأن المداومة على الأوراد تُفضي إلى محبة الله، والأنس بالله ومعرفة الله، قال الإمام الغزالي: “اعلم أن الناظرين بنور البصيرة علموا أن لا نجاة إلا في لقاء الله تعالى، وأنه لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد محبا لله وعارفا بالله سبحانه، وأن المحبة والأُنس لا تحصل إلا من دوام ذكر المحبوب والمواظبة عليه، وأن المعرفة به لا تحصل إلا بدوام الفكر فيه وفي صفاته وفي أفعاله… وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار” 4.
وأوضح رحمه الله بأن هذه الأوراد سُنة نبوية، وهي بمثابة نَذْر يقطعه السالك على نفسه، وذكر تحذير العلماء من الدخول فيها بخفة: “الأوراد والمداومة عليها سنة. وهي بمثابة نَذْر يقطعه العبد الصادق على نفسه يجب عليه الوفاء به. لذلك حذر العلماء من الدخول في الأوراد بخِفَّة مخافة أن لا يفي العبد بما عاهد الله عليه منها” 5.
الورد انضباط وتأسيس للدوام لا مجرد لحظة روحانية عابرة. ولا بُدَّ للأوراد من أن تكون عملا تعبديا يُتقرب به إلى الله في أوقات معينة من اليوم أو الليلة وعلى نحو منتظم، وإلا لم تسم أورادا.
3. الأوراد في المشروع التربوي الإمام المجدد
• أهمية الصحبة في المداومة على الأوراد
غاية الصحبة أن تدل العبد الجاد في طلب وجه الله تعالى على مولاه وعلى نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وتجمعه بأهل الله تعالى الصادقين المصدقين، وتوقظ قلبه وتعلمه كيف يذكر الله ويُذكِّر به، وتنقله من ذكر التربية والحديث عنها إلى تربية الذكر وتنميته، فأول ما يلقن المصحوب صاحبه من الذكر لا إله إلا الله وأول ما يعلمه مقتضياتها. الصحبة تُثبت الذكر، والذكر يُنْبت الصحبة. قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا [طه: 29].
صحبة ربانية في جماعة مباركة نورانية على مشروع منهاجي مُقتحم هي صمام أمان وحصن حصين في سير العبد إلى خالقه؛ تجنبه عثرات الطريق، وتحميه من الغفلة، وتعينه على مداومة الذكر، وتجعله دائم الصلة بربه مستحضرا معاني العبودية في كل شأن من شؤون حياته، وتحول “الوِرْد” من ممارسة فردية إلى التزام جماعي منضبط. أشار الإمام إلى أهمية الصحبة التي تربط السلوك بالتزكية في جماعة، مما يُعزِّز الذكر ويجعله جزءا من الحياة اليومية؛ تُفتح حينئذ الأبواب ليرتقي المؤمن في مدارج العبودية، وينال بشارة الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا [الشمس: 9]، كلمة الفلاح كلمة جامعة لخيري الدنيا والآخرة، فمن أفلح إنما بصحبته لمن أفلح.
لهذا نجد الإمام رحمة الله عليه يُولي عناية عظيمة بالأوراد والمحافظة عليها، ويعتبرها من أركان السير إلى الله ومن أعظم ما يُعين السالك على الثبات في طريق الإحسان، يقول رحمة الله عليه: “فما يقول جليس فينا ليس له ورد من الذكر، ولا جلسة للاستغفار بالأسحار؟ كيف يُنتظر ممن لا زمام يمسكه عن التسيب في الأوقات من ورد لازم، وجلوس للذكر عازم أن يرقى إلى مقام دوام الذكر ودوام التضرع ودوام الطلب؟ يفتر الطلب، وتتفتت العزيمة، وينقطع الحبل إن لم يكن الورد دواما ومداومة وصبرا ومصابرة” 6.
• أهمية الأوراد في السلوك الجهادي الجماعي
في عصور الاستبداد وتعطل الشورى، انكفأ كثير من الصالحين رحمهم الله إلى التربية الفردية هروبا بدينهم في العزلة والزوايا. بنوا سلوكهم في ترتيب الأوراد المتنوعة الذي يستغرق الليل والنهار بالعبادة، مستقلين عما يجري في عالم الناس وفي دنيا المسلمين، سلوك لا مكان فيه لوِرْد إعداد القوة، ولا وِرْد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سلوك تغيب فيه نية الجهاد وتغيب الأوراد الجهادية.
إن أمر الأوراد في مشروع الإمام المجدد رحمه الله تعالى يقوم على الجمع بين الالتزام بالأوراد بما هي شرط للسلوك الإحساني والتهمم الصادق بأحوال الأمة في سياق سلوك جهادي جماعي بمفهومه الشامل الذي يركز على جهاد التربية لمحوريته في البناء والتغيير والتنظيم والزحف لجمع شتات الأمة وتصويب وجهتها نحو آفاق أوسع على خُطى سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم والصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ فقد كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، لم يكن السعي التربوي الإيماني الإحساني عندهم منفصلا عن نداء “يا خيل الله اركبي” ولا عن هموم السياسة والمعاش ومخالطة الناس، مؤمنهم وكافرهم، لا تتعارض عندهم دمعة المحراب مع غبرة ساحة الحِرَاب.
كانت غاية مشروعه رحمه الله العودة إلى المنهاج النبوي القائم على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا المنهاج متصل سندا علما وعملا، بعمل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين يعتبرهم النموذج الأعلى، والأصل الصافي، والمنبع الذي يجب أن نرجع إليه.
4. الذكر الجهادي مقابل الذكر المنعزل
يرى الإمام رحمه الله تعالى في رؤيته المنهاجية أن “رجالاً ذاكرين رجالاً مجاهدين” هم طليعة الأمة، يجمعون بين إحسان العبادة ومجاهدة النفس، وبين عدل الجهاد لتغيير الواقع، مقتحمين العقبة إلى الله بالتربية والعمل الجماعي المنظم. تلازم مطلق بين التربية الروحية (الذكر) والعمل التغييري (الجهاد)؛ فلا ذكر ينكفئ على الذات، ولا جهاد يغفل عن صلة القلب بالله.
الذاكرون الله كثيرا في التصور المنهاجي هم مناط التجديد، فعليهم يتوقف انبعاثُ الأُمّة من غُثائِيَتِها. وليس المقصود بالذاكرين أولئك المتبتلين المنزوين في الزوايا المنقطعين عن العالم في البيوت، بل المستهترين بذكر الله وهم في ساحة الجهاد بمعناه الواسع؛ جهاد يشمل جهاد التربية لبناء النفوس، والجهاد التنظيمي لجمع شتات الأمة، وجهاد المدافعة (الزحف) لتغيير المنكر وإقامة دولة القرآن: “ذكر الله باللسان والقلب والاستغراق والاستهتار والمحافظة على الأوراد آناء الليل وأطراف النهار بناء على غير أساس إن لم يَصن ذلك الذكرَ الكثيرَ ذكرُ الله عند الأمر والنهي، ذكرُهُ عند حق كل ذي حق، ذكره في الدرهم والدينار، ذكره في الأمة التي تنتظر مجاهدين لإقامة دين الله في الأرض” 7.
لقد كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام سيرة بذل دائم وعطاء متصل، قامت على معنى الجهاد الشامل الذي لا ينحصر في ميدان القتال فحسب، بل يمتد ليشمل جهاد النفس، وجهاد الدعوة، وجهاد الصبر على الأذى، وبذل المال والجهد في إعلاء كلمة الحق. فكان ذكرهم مقترنا بالعزم والثبات، وكانت حياتهم ترجمة عملية لمعاني التضحية والإخلاص، حتى استحقوا المنزلة الرفيعة التي أثنى الله بها عليهم في كتابه الكريم.
وقد بين القرآن هذا المقام بيانا جليا في قوله تعالى: فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلًّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً [النساء: 95–96]، فدلّ ذلك على أن أصل الوعد بالحسنى شامل للمؤمنين الصادقين، غير أن التفاضل إنما يكون بقدر البذل والتضحية، وبمقدار ما يقدّمه العبد من نفسه وماله في سبيل الله.
وهكذا نال الصحابة رضي الله عنهم مقام الأفضلية؛ لأنهم جسدوا هذا المعنى بأسمى صوره، فجمعوا بين الإيمان الراسخ والعمل المتعدّي، وبين العبادة القلبية والسعي العملي لنصرة الدين. فكان جهادهم سببًا في رفعة درجاتهم، ومغفرة ذنوبهم، وشمولهم برحمة الله الواسعة، فاستحقوا الثناء الخالد في الدنيا، والكرامة العظمى في الآخرة.
ميز الإمام بين ذكر الله تعالى في العافية والأمن وبين الذكر في ساحات الجهاد، إذ يصف الأول بأنه ذكر عظيم، ويسمي الثاني بالذكر الأكبر، وهذا التمييز يعكس انتقال الذكر من بعده التعبدي الفردي إلى بعده التداولي التاريخي في صناعة الأمة. يقول رحمه الله: “ذكرُ الله في سعة العافية وأمن المسجد والخلوة ذكر عظيم لكن ذكر الله في ساحة الوغى، والعدوُّ محيط، والخوف سار في الأفئدة، ذكرٌ أكبر لأن الذاكر لله الموقن به، بنصره أو لقائه كلاهما مطلب حسن بل أحسن، يصدر عن إيمان أقوى من المصلي التالي الذاكرِ في المسجد والخلوة. وهذا لا يقدر عليه إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن تأسى بهم، واستند إليهم بالصحبة والملازمة والطاعة والاتباع والوفاء بالبيعة الجهادية” 8.
نستشف من خلال هذا التمييز بين الذِّكْرين أن الإمام رحمه الله ينبّه إلى مزلق من المزالق التي يلزم ألا يقع فيها جند الله حاملو همّ أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرادا وجماعات، هذا المزلق هو ذكر الباري جل وعلا مع الانعزال التام عن قضايا الأمة المستضعفة المنكّل بها المقهورة المظلومة، ولذلك نلفيه يدعو الله تعالى قائلا :”نحن نسأل الله القوي العزيز الحنان المنان أن يكون مستقبلُ الذاكرين الله كثيرا في ساحات الجهاد بكل وجوه الجهاد، تأسيا بالأسوة العظمى صلى الله عليه وسلم وبمن معه، تجاوزا لعصور الذكر في قعر التكايا وأمن الخَلوات. ونسأله أن يكون سلوكُ من بعدَنا سلوكا جهاديا يكون للأعضاء فيه ذكرُها بأنواع العبادات، وللقلب ذكرُه وللسان، وللروح ذكرُها عندما تتقدم مقتحمة عقبات الخوف والتخاذل فداءً لدين الله، وخدمة لتراث رسول الله، وبناءً لأمة رسول الله، وتشييدا للخلافة الثانية على منهاج رسول الله” 9.
5. الأوراد روح سارية في الجماعة وفي الأمة
يعتبر التجالس في الله والاجتماع على ذكره حياة للقلوب ونماء للإيمان وزكاء للنفس، إنها دائرة نورانية من دوائر السُّنة المحمدية، كان الإمام رحمة الله عليه يُولي عناية عظيمة ويحث على حضورها واغتنام أوقاتها لما فيه من خير عميم ومدد مستديم: “فعندما تكون الصحبة صالحة، رجلا صالحا وجماعة صالحة، ويقبل الكل على ذكر الكلمة الطيبة النورانية حتى يخرجوا عن الغفلة، ينشأ جو إيماني مشع، ينشأ في الجماعة فيض إلهي، رحمة، نور تستمد منه القلوب بعضها ببعض. فتلك هي الطاقة الإيمانية، الجذوة الأولى التي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنية التنفيذ كما كان يقول سيد قطب رحمه الله” 10.
تلك هي الروح السارية في قلب العبد المؤمن، يفيضها الله عليه من نوره فيستنير فؤاده وتصفو بصيرته؛ فيمشي بين الناس بذلك النور، هاديا بهدي الله، ومُصلحا بما أُوتي من بصيرة، فينتقل أثره من قلبٍ إلى قلب، حتى تتآلف القلوب على الهداية، وتنهض أمة قائمة مستنيرة بإذن الله تعالى. وذلك هو معنى قوله عز وجل: وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام: 122]، أي نورا ربانيا يهديه في مسيره ومسيرته، ويجعله مصدر إشعاع وتغيير في مجتمعه وأمته.
لهذا يعتبر الإمام رحمه الله ذكر الله والمداومة عليه “قوة محركة” لإعادة بناء الأمة وإخراجها من حالة الغفلة إلى حالة اليقظة والفاعلية: “آثار ذكر الله فيك إحياء قلبك. وآثاره في مجتمع الغفلة والفتنة أن يسري شفاء ذكر الله في الجسم المريض. تذكر الله في ملأ عندما تؤذن للصلاة، وعندما ترفع شعار التوحيد بين المتنكرين لدينهم، وعندما تدعو هذا وذاك وهذه الجماعة وتلك إلى الله. تحاضر، وتحاج، وتخاصم في الله. كله ذكر” 11. فخير الذكر ما كانت آثاره وأنواره متعدية لا لازمة.
الأوراد حياة للأمة بأفرادها الذاكرين المستهترين بذكر الله، يشغل كل وقتهم على اختلاف أحوالهم، وهذا دأب المصطفى صلى الله عليه وسلم. يقول الإمام رحمه الله: “الذكر ليس فقط مناجاة في الضمائر، وكلمات على اللسان، وشعائر ظاهرة يعظمها المؤمن. بل الذكر الوقوف بين يدي الله صفا في الصلاة، يتقدم إليه جند الله لأداء مراسيم العبودية، ثم إشاعة حاكمية الله في علاقات جند الله مع الله، وفي علاقاتهم استعدادا لتطبيق شريعته يوم يؤول الحكم إلى المؤمنين، في كل مجالات الحكم، والسياسة، والاقتصاد، وشكل المجتمع، والعدل فيه، والثقافة، والجهاد كله” 12.
الأوراد تصنع إنسانا ذاكرا مجاهدا قادرا على المشاركة في هموم الخبز والكرامة وعدل الكفاية، قادرا على حمل أمانة العدل وتحرير الأمة دون أن يستبدل جورا بجور، لا يمل ولا يكل ولا ييأس، يغالب عقبات الواقع والمهنة وحاجات الأسرة… باللجوء إلى الله تعالى، في كل عمل يصحح له ذكره نيته، ويحقق له معاني العبودية لله تعالى، ويحقق له انخراطه في أعمال البناء والدعوة في حضن الصحبة والجماعة والصحبة في الجماعة.
6. استقامة لا كرامة
قد يأتي مع المداومة على الأوراد بعض الكشوفات والكرامات فإنما هو ابتلاء بالنعمة، يَغْتَرُّ بها السالك فيتراخى في الأمر والنهي فيخرج عن سياج الشريعة إلى الحظوظ النفسية والمتاهات الكونية فيَهْلِكَ مع الهالكين. فعلى السالك في طلب الحق أن يلتزم بالاستقامة ولا يلتفت إلى غيرها، لقوله تعالى لإمام المنعم عليهم محمد صلى الله عليه وسلم: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت [هود: 112]. وما جاء من كشف وخوارق مع الاعوجاج فهو بلاء محض واستدراج.
حذر الإمام رحمة الله عليه بشدة ـ وهو الذي سبر أغوار الطريق ـ المؤمنين من اتخاد أوراد خاصة وأذكار مختلفة ودعوات وأحزاب بأعداد محددة لأغراض غير شرعية، أو شيطانية، أو نفسية، أو لحظوظ دنيوية فيختلط صاحبها، فتفسد النية، فيصاب بالحُمق لخلط الأذكار فيهلك مع الهالكين. كما حذر من الاغترار بما يجد المؤمن الذاكر من أنوار وأذواق وكشف فيتعلق بها فتحجبه عن قبلة الطلب، وهي وجه الله عز وجل. فإن ذلك كلَّه لا يؤْمَنُ أن يكون استدراجا، وإن التمسك بسياج الشريعة هو العاصم من الوقوع في الزيغ والسقوط في الهاوية. وما هَلك من هلَك في هذه الطريق، وهام من هام في أودية الأوهام إلا بحل عقدة الاعتصام بالعلم الموحى به.
ونبه رحمه الله إلى أهمية الاستقامة وحذر من آفة الانعزال عن صحبة الصالحين، إذ البعد عنهم مجلبة للشرور والوقوع في حبال الشيطان وحثّ لزوم حلق أهل العلم والذكر، قال رحمه الله: “دوام الاستقامة يوجب دوام الكرامة، والروَغَان عن الطريق غرامةٌ وندامة. فمن استقام على صحبة الكاملين دامت له كرامة التوفيق. ومن انعزل عن جماعة الصالحين ابتلعته الفتنة المحيطة. ومن زهد في حِلَقِ الذكر، وزاغ عن الأوراد، وتهاون في الأوقات، قسا قلبه، وكسِلت جوارحه، وأظلمت روحانيته. ومن عامل الله عز وجل بإرادة مائلة، وأنانية متطاولة، وجبن في مواطن الثبَات، وبخل في حلول الحاجات هَوَى عن العقبة، وسقط فاندقَّت منه الرقبة” 13.
فبالمحافظة على الأوراد تستقيم أحوال العبد السالك؛ يستقيم سرّه فيستقيم قلبه فيكون ذكر الله سبحانه وتعالى هو الساكن فيه، فيستقيم لسانه، فيستقيم فكره، فتستقيم جوارحه فيفلح كما جاء في الحديث النبوي الشريف: “استَقيموا تُفلِحوا” 14.
خاتمة
ليست الأوراد عند الإمام رحمه الله طقوسا عابرة أو عادات روتينية تُؤدى في أوقات محدودة، بل هي رؤيةٌ متكاملة يستحضرُ فيها المؤمنُ ربه طيلة يومه، حتى يبقى مع الله ولله وبالله، يختارُ صفوةَ الأعمال لصفوة الأوقات، حتى يُمْسِكَ زِمامَ نفسه عن التسيب في الأوقات، فيَخْرُجَ من ظلام الغفلة إلى نور اليقظة، ومن زمن العادة إلى زمن العبادة، ومن القعود إلى الجهاد.
الأوراد منظومةٌ تربوية، تنبثق من روح الإيمان لتبني خارطةَ طريق لحياة المؤمن، تربط بين قلبه وفعله، وتنسجم مع عمق علاقته بخالقه وسائر خلقه.
إن ذكر الله الكثير المستمر في معية صحبة الذاكرين المجاهدين الموقنين في موعود الله وموعود الرسول الكريم على ربه مع الانتظام في صفِّهم كما تنتظم الطّيرُ صافَّاتٍ وينتظمُ الجيشُ صُفوفا في القتال لمن أكبر أسباب الفلاح والنصر والتمكين، فهو السلاح الذي لا يخيب، والعُدّة التي لا تنفد. وكذا كان حال الصحابة المجاهدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ففي ميادين الجهاد، حيث اللقاء والمُصابرة، أمر الله عباده المجاهدين أن يثبتوا وأن يذكروه كثيرا، ووجه الاستدلال أن الله جمع بين الثبات والذكر، مما يدل على أن الذكر شرط في صناعة النصر في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال: 45].
فالأوراد في المنهاج ليست انقطاعا عن العالم، بل شحنة روحية لاقتحامه؛ وليست عزلة عن التاريخ، بل صناعة له.
[2] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب الإحسان، ج1، فقرة: الأوراد وخصائص الأذكار.
[3] نفس المصدر السابق.
[4] نفس المصدر السابق.
[5] نفس المصدر السابق.
[6] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، رسالة النصيحة.
[7] عبد السلام ياسين، كتاب الإحسان، ج1، فقرة: الأوراد وخصائص الأذكار.
[8] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب الإحسان ج1، فقرة: (ولذكر الله أكبر).
[9] نفس المصدر السابق.
[10] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الشعبة السادسة عشرة، فقرة: الذكر وأثره.
[11] عبد السلام ياسين، كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، شروط التربية، فقرة: االشرط الثاني: الذكر.
[12] عبد السلام ياسين، كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، فقرة: الذكر تنظيما.
[13] عبد السلام ياسين، كتاب الإحسان، ج2، فقرة: استقامة السِّر.
[14] رواه ابن ماجه رحمه الله عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.