الأُمة بين الانتقال من الهَوان إلى النّوال

Cover Image for الأُمة بين الانتقال من الهَوان إلى النّوال
نشر بتاريخ

تقديم

تعيش الأمة اليوم محنة دامية يتجسد ثقلها في فلسطين، حيث تختبر القلوب وتتكشف الحقائق، وتظهر للعيان أعراض عجز تاريخي تراكم عبر عقود الانكسار، حتى بدا وكأنه قدر محتوم. غير أن المحنة، عند من يتلمس سنن الله، ليست لعنة ولا نهاية، بل هي دعوة للتربية وجمع للقلوب، وتكوين لصف مؤمن راشد، يعيد بناء القوة على قواعد الإيمان. والمحن سحائب منح، والبلايا عطايا، والأمور المؤلمات هي في الحقيقة هبات ربانية كما جاء في حكم ابن عطاء الله رضي اللّه عنه: “ربّما أعطاك فمنعك، وربّما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء”. 1

إن الأمة لا تنهض من رمادها بالشعارات ولا بالعواطف المتدفقة، وإنما تنهض برجال ونساء صيغوا على منهاج النبوة: تربية وتنظيما وزحفا، فالمحن بوابة لبناء الصف، إذ لا يقدر على حمل أمانة النصرة إلا من أصلح الله قلبه، وربى نفسه، وتدرب على طاعة مولاه، وصبر على الشدائد والمكاره، واستيقظ لنداء الواجب.

أولا: المِحن تخليص بعد تمحيص

لا ينبغي أن تقرأ المحنة بوصفها انكسارا للمستقبل، بل باعتبارها كشفا عن العجز الراهن، وتمحيصا لمستوى تربية الأمة، فالله تعالى لا يبتلي عباده ليهلكهم، بل ليهيئهم لحمل أثقل الأمانات، وما جرى في طوفان الأقصى أكد أن الأمة تمتلك استعدادا فطريا للانبعاث، لكنه استعداد لا ينتقل إلى الفعل إلا عبر تربية واعية تصوغ الإرادة.

إن المحنة امتحان للصفوف، وللأفراد داخل الصف، ولسياسة القلوب، وصدق التوكل، فهي تكشف معادن الرجال، وتهتك الستر عن المنافقين، ويظهر إيمان المؤمنين، فالمحن اختبار لإخراج المعادن النفيسة من بين ركام الفتن. قال تعالى: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[آل عمران: 179]، وهي أيضا مناسبة لإحياء معنى “الأمة” الذي كاد يمحى من الوجدان بفعل التجزئة الجغرافية والسياسية والخصومات الضيقة.

فقد أخرج الله الأمة المسلمة التي أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون خير أمة أخرجت للناس لتؤدي دورا كونيا كبيرا، وهذا الدور الكبير يقتضي التجرد والصفاء والتميز والتماسك، ويقتضي ألا يكون في الصف خلل، ولا في بنائه دخل، وكل هذا يقتضي أن يصهر الصف ليخرج منه الخبث، وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة. إن الذهب حينما يستخرج خاماً لا بد أن يوضع في النار حتى ينقى من الشوائب ويصير ذا قيمة كذلك تفعل المحن بالأمة. وبيَّن لنا القرآن الكريم هذا الأمر، فقال عز وجل: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ[سورة آل عمران: 141]. وقال سبحانه: لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [سورة النور: 11].

ثانيا: العجز التاريخي عجز تربية قبل أن يكون عجز قوة

أزمة الأمة ليست عجزا في الموارد، ولا في القدرات، بل في ضياع البوصلة التربوية. نملك العقول، ونملك الطاقات، ونملك التاريخ الملهم… لكننا نفتقد التربية الجامعة التي تصوغ إنسانًا مؤثراً، فاعلاً، صاحب رسالة قادراً على إعمار الأرض وحمل الرسالة.

لقد أدرك الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله باكرا أن ضعف المسلمين ليس سببه قلة العدد والعتاد، وإنما يرى أن أساس التغيير في تغيير الإنسان ذاته، فلا تغيير دون تغيير يحدث في قلب الإنسان وعقله وإرادته. فبتغيير هذه المناحي الثلاثة وإصلاحها يتغير الإنسان ويصلح، فيصلح المجتمع وتصلح الأمة. 

العجز التاريخي هو عجز عن امتلاك عناصر القوة الثلاثة:

قلب سليم: سلامة القلوب وأسرارها وأعمالها، وكل ما يرتبط بهذه القلوب من خشية الله ومحبة الله والشوق إلى لقائه والجهاد في سبيله… ضرورية في تجديد الدين وبناء الشخصية الإحسانية الجهادية وإعادة الربانية والربانيين إلى قيادة الأمة والنهوض بها، بمعنى إقامة خلافة الله في الأرض والحكم بما أنزل الله. فالقلب هو المفتاح والمحرك. وعلى قدر صلاحه يكون صلاح الأمة. جاء في الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: “…ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” 2. فأمتنا تحتاج لمن لهم هذه القلوب النيرة ليعيدوا لها عزتها ومجدها، لتعود لها الإمامة والريادة في شتى الميادين، هم رجال الدعوة لبناء الدولة، وكذلك “الدعوة بحاجة لقلوب عالية الهمة، كما هي بحاجة لعقول راجحة النظر، وشخصيات قارة لا تنفعل انفعالا، بل تستفتي الشرع وتتدبر، حتى إذا عزمت مضت لا يثنيها شيء. فهذا معنى سلامة القلب” 3. هذه القلوب وحدها التي يمكن أن تحارب عوامل الفساد والإفساد والكفر والعصيان وتقوم بواجبات الجهاد ومقتضياته.

عقل واع يدرك سنن التغيير: إن العلاقة بين العقل وسنن التغيير تكمن في أن العقل الإنساني أداة الإدراك والفهم والنظر والتلقي والتمييز، وهو الأداة الأساسية لفهم هذه السنن واستثمارها نحو تحقيق مقاصد الوحي في إحداث التغيير المنشود واستجلاب النصر من خلال النظر في “الكتاب المسطور” الذي هو (الوحي) و”الكتاب المنظور” الذي هو (الكون). هذا العقل هو العقل القرآني الراشد الواقف على عتبة القلب، خادم مطيع، سامع لنداء المنادي من قِبل مولاه. وسنن التغيير هي قوانين إلهية محكمة ناظمة، تسير وفقها مجريات الأحداث والتغيرات الكونية عبر الأزمان إلى قيام الساعة، ومنها السنن المتعلقة بالصراع الدائم بين الحق والباطل.

 والتغيير يبدأ من داخل النفس البشرية (تغيير ما بالأنفس). فالإنسان باعتباره الفاعل الأساس في عملية التغيير، والمشارك في عملية التغيير. هذا العامل الذاتي هو عامل حاسم وأساسي وأولي في كل تغيير منشود – فرادى وجماعة وأمة – كما دلت ودعت إلى ذلك الآية: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[سورة الرعد: 12]. (ما بالقوم) هو هذا الواقع وما يلابسه من منكر، من تسلط، من ظلم، من استبداد، من محن… تغيير هذا الواقع مشروط بتغيير ما بالإنسان الذي يتوخى تحقيق العبودية الكاملة لله عز وجل، والذي يسعى لعمارة الأرض وِفق ما يتطلبه شرع الله عز وجل.

تنظيم راشد: تنظيم يُحَوِّلُ الطاقة الشعبية إلى فعل مؤطر ومؤثر لكي يستمر الركب في التحرك في الاتجاه الصحيح نحو الأهداف المقصودة، لا بد من التنظيم، وعلى رأس هذا التنظيم قيادة رحيمة ربانية مجاهدة منبثقة من إرادة شعبية، تنطق بالحق ولا تخاف في الله لوم لائم، قصدها رضا الله وغايتها إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

 التنظيم قوة أمام العقبات التي تعترض الأمة فتؤخرها عن التحرر من غياهب الاستبداد وظلمات الظلم. لذا نجد الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى وضع منهاجا يستمد مادته من الكتاب والسنة النبوية ضمّنه أصول البناء تربية وتنظيما وزحفا، وترك حيزا واسعا لباب الاجتهاد في النوازل والمستجدات حسب ما يمليه الواقع المتحرك. يقول رحمه الله تعالى: “طريق الجهاد طويل، يريد عملا ممنهجا، يريد تنظيم جهود، يريد تعبئة منظمة، يريد ضبطا وانضباطا، يريد استبشارا وتبشيرا لأنفسنا وللإنسان”. 4. ويقول أيضا: “موقف الأمة اليوم حرج والعالم حَلَبة صراع لا يُرحم فيها الضعيف فعلى جند الله أن يقتحموا العقبات الحائلة بينهم وبين الله حيازة ثقة الأمة ليثبتوا فيها وعياً إسلامياً وعياً إسلامياً فعَّالاً، وليرفعوا فيها العزائم والإرادات حتى يكون التغيير المنشود باسم الله، وعلى يد جند الله، وانطلاقاً من كتاب الله، وتأسياً برسول الله ألا وإن دين الله غير دين الانقياد، وغير ملة الخمول والاستقالة” 5.

بدون هذه الثلاثية، تبقى الأمة في دوامة الانفعال، تحييها الفاجعة وتخمدها العادة، بينما المطلوب هو بناء صف ثابت مجاهد لا يتزعزع ينجز المهام التاريخية ولا يتقلب بتقلب الأيام.

ثالثا: التربية مفتاح الخروج من دوامة الضعف

لا يمكن الحديث عن مشروع تاريخي دون الحديث عن التربية، لأن التربية هي المعمل الذي تتشكل فيه النفوس القادرة على حمل الأمانة وتبليغ الرسالة.

أصلح رسول الله صلى الله عليه وسلّم فساد المجتمع الجاهلي وغيره من مجتمع الجهل والظلم والاستبداد والتخلف والكراهية والذل إلى مجتمع العلم والعدل والعزة والقوة والأخوة. ربى جيل الصحابة الكرام على الإيمان والتقوى والنظام والانتظام والجهاد والبذل. غيّر صلى الله عليه وسلم داخلهم وحوافزهم وبواعثهم وعلّق عقولهم وقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم بالله تعالى وطلب وجهه ورضاه، فتحولوا إلى طاقات فريدة في الرحمة والأخوة والمحبة والتعبئة والبناء والتشييد، فنالوا بذلك عز الدنيا وشرف الآخرة، عدلا وإحسانا. وهذه هي بغية المنهاج النبوي وغايته.

لهذا تشكل قضية التربية – تربية سلوكية جهادية، لا تبركية قاعدة – عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها وعمق المنهاج النبوي الذي اقترحه على الأمة، معتبرا أن أي عمل بلا تربية هو هيكل بلا روح ومبنى بلا معنى، وأن كل صادق لا يعرف صدقه إلا إن برهن عليه عمليا. والبرهان العملي بابه التربية ومفتاحه تربية النفوس. وفي هذا السياق قال: “العمل الجهادي يبدأ بالتربية، التربية ليست تربية خارجية فقط، ليست تربية فكرية علمية فقط، ليست تربية عملية حركية فقط، بل أساسُ كل ذلك تربية النفوس. الجهاد لنصرة الإسلام يعني الجهاد لتغيير ما بالمسلمين من فساد وما بينهم منْ تظالم، وما بينهم من كفر، وما بينهم من إلحاد ونفاق. إن الله عز وجل أعطانا القانون: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ(سورة الرعد، الآية 12)” 6.

والتربية المنهاجية ليست دروسا نظرية، ولا مجاملات روحية، بل هي:

·       صحبة تُوقظ القلب وتحرره من أثقال الغفلة.

·       مجالس ذكر وعلم تعيد ترتيب قيمة المعاني في النفوس.

·       محاسبة صادقة تداوي أمراض النفس قبل أن تتفاقم في المجتمع.

·       جندية في الصف تُدرب على الطاعة، والصبر، والانضباط..

·       خدمة متواصلة تجعل المؤمن حاضرا في معاناة الأمة لا متفرجا عليها.

بهذا النوع من التربية يُصنع الرجال عند الشدائد، وتربى الإرادة، ويتولد الشعور العميق بالمسؤولية عن الأمة وقضاياها.

رابعا: بناء الصف… من التشتت إلى الائتلاف

لا نهوض بلا صف، ولا صف بلا تنظيم، ولا تنظيم بلا تربية.

جاء في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ[سورة الصف، 4]. ﴿بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ بنيان تتعاون لَبناتُه، وتتضامّ وتتماسك، وتؤدي كل لبنة دورها، وتسدُّ ثغرتها؛ أن يكون المؤمنون في اجتماع كلمتهم واستواء نياتهم وموالاة بعضهم بعضاً. إنه نور جماعة المسلمين الواحدة الموحدة. الآية على عمومها تفيد من يحدث نفسه بجهاد ومن يريد جهادا ويخطط لجهاد أن الجماعة المنظمة المنضبطة هي الشرط التنظيمي للجهاد بعد الشرط النفسي في قلوب المومنين الذين طرحوا النفاق وشمروا للصدق.

إن الصف الذي ندعو إليه ليس تجمعا بشريا عدديا، بل جماعة على قلب رجل واحد، كما وصف القرآن المؤمنين الأوائل. وأكد ذلك الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله قائلا: “كان النسب القلبي الفطري حياة سارية بالإيمان في أوصال الأمة، وكان أهل النسبة الوثقى أولياء الله تعالى أهل كرامته محطات يشع منها الإيمان الأقرب فالأقرب.

هذا التماسك الموروث بالانتساب القلبي، بالتحاب في الله، والخلة في الله والتواصي بالحق والصبر، كان ولا يزال روح الأمة ومناط وجودها وبقائها ومنعتها على الفتن”. 7.

كما يؤكد رحمه الله على مفصل – بل يعتبره موصلا- من أهم مواصل إعادة بناء النموذج التربوي النبوي: “وهنا نضع الأصبع على مفصل، بل موصل، من أهم مواصل بناء الجماعة، بل هو أهمها إطلاقا: ألا وهو التواصل القلبي. الصحبة في الله المؤدية إلى جماعة في الله هي مبدأ الحركة ووسطها ومعادُها. وكل ذلك رزق يُلقيه الله عز وجل على المرحومين، له علائم ظاهرة، وأسباب مشروعة، وحكمة ورحمة يضعها الله في قلوب العباد.” 8.

فجمع القلب على الله والاجتماع عليه وجمع الكلمة عليه وإفراده بالولاء هو ما يربط جماعة المؤمنين، فالصبر والمصابرة مع المؤمنين، والتحاب في الله والاجتماع والتواصل فيه، كل هذا يجعل المؤمنين جسدا واحدا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، فنور التوادّ والتراحم هو الذي يُبدد سواد التفرقة والولاء لغير الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. 9.

فحين يرتب الصف أولوياته، ويضبط وجهته على قبلة الوعد الإلهي، يتحول من صَفٍّ متفاعل إلى صفٍّ قوي، متماسكٍ، متراصٍّ، فاعل.

خامسا: الجهاد المتدرج… من التَّحرُّر إلى التَّحرير

الخروج من العجز التاريخي يتطلب مسارا تربويا، يبدأ هذا المسار بـ “جهاد النفس” الذي يرتكز على تزكيتها، وتقويم اعوجاجها، ومقاومة الهوى والشيطان، لتتحرر فتسعى إلى الارتقاء نحو الكمال الإيماني والروحي طلبا للفلاح الذي وعد الله به عبادهُ المؤمنين، حيث قال سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[سورة الشمس:9، 10]. وأن الانتصار عليها هو الذي يمكننا من الانتصار في العالم الخارجي “فإذا انهزمنا أمام أنفسنا فلن نستطيع أن نصمد أمام العدو الخارجي”. بهذا يكون التحرر الكلي من سلطان الهوَى هو الشرط الأول الضروري لتأهيل الفرد المومن للانخراطِ عن كفاءة في صف جند الله. فمن لم يترب في محاضن الإيمان تحررا من الشبهات والشهوات، وثار على الظلم في الميدان تحريرا للأوطان من الطغيان، فلا يستطيع حمل رسالة رب الأكوان، وفي ذلك يقول الإمام المجدد رحمه الله: “على قدر ترسُّب العوامل المفرقة، وعلى قدر فتكها وإضرارها تكون الحاجة إلى تعميق التربية الإيمانية وتصعيد الهمة الإحسانية لتجاوُز العوامل الأرضية الثقيلة، والتحرر من فعلها، وقهرها، وإسكاتِها، وإبطالها. بتوفيق الله جلت عظمته”. 10.

ولدينا مثال حي في غزة، سواء المقاومة أو حاضنتها، وما بذلوه من ثبات وصمود الذي أكرمهم المولى عز وجل به، فانتصارهم في المعركة سبقه انتصار في المعركة الأولى التي خاضوها؛ معركة مع الذات، معركة النفس هي التي جعلتهم لا يستسلمون رغم مجابهة حرب عالمية ضدهم.

فطوفان الأقصى بيَّن أن الجيل الفلسطيني الذي يتصدر الميدان لم ينشأ من فراغ؛ إنه ثمرة تربية طويلة، وصحبة ربانية، وصبر، وانضباط، وفكرة واضحة. فجهاد النفس أساس لجهاد الكلمة، وهذا بدوره أساس لجهاد التنظيم، وهو مقدمة لجهاد الدفع والمقاومة، هذا الترقي في مدارج الجهاد يضمن أن يكون الفعل نابعا من قلب راسخ لا من انفعال مؤقت. وهكذا تكون التربية لب كل مشروع تحريري.

سادسا: من الخلاص الفردي إلى الخلاص الجماعي

إن التحول من الخلاص الفردي إلى الخلاص الجماعي هو مسار يربط بين الارتقاء الروحي للشخص والمساهمة الفعالة في بناء مجتمع عادل ومستقر. فبينما يركز الخلاص الفردي على تطوير الذات وتقربها من الله، فإن الخلاص الجماعي يهتم بتحمل المسؤولية تجاه الأمة وقضاياها، ويتم ذلك من خلال العمل المشترك والتعاون لتحقيق العدل ونصرة المستضعفين، ومقاومة الظلم والاستكبار أينما كان، لإخراج الأمة من الذلة والهوان إلى التمكين والنوال.

يحرص الإمام المجدد عبد السلام رحمه الله في مشروعه المنهاجي على أن تتلقى الأمة “تربية متوازنة” وهي تلكم التربية التي تعمل على المزاوجة بين المطلب الفردي الأخروي، وبين المطلب الجماعي ومصير الأمة. ولن يستطيع حمل همّ الأمة إلا من أحكم تربية نفسه وتزكيتها. يعلق الإمام رحمه الله على حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: “من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” ـ 11، بقوله: “إنه لا يستطيع حمل همّ الأمة، وهو ثقيل، إلا من أصبح همه الله، وغايته طلب وجهه، فهانت عليه الشدائد، واسترخص الموت في سبيل محبوبه” ـ 12.

يجب أن نعلم يقينا أن الإسلام الفردي قاصر لن يجمع للأمة كلمة ولن يؤهلها لجهاد. هذا الإسلام الفردي رهينٌ بالجهد الذي يبذله كل فرد في الأمة لكي تعلو راية الإسلام وتزدهر أمة الإسلام.

خاتمة

ما بين الأمة وبين النصر إلا أن نؤمن بالغيب، ولا هدي في القرآن لمن لا يؤمن بالغيب. وما آمن من آمن إلا بالغيب.

ما بين الأمة وبين النصر إلا أن نؤمن بالله ونصلح العمل وأن ننصره على أنفسنا وننصره على الناس، ليفيَ الله بوعده فيمنّ على المستضعفين ويستخلفهم في أرضه.

من خصوصيات تاريخ هذه الأمة المباركة أنها وُعدت بالنصر والاستخلاف في الأرض متى تحققت لها شروط سنة الله. قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا[سورة النور، الآية 55]. سنته سبحانه التي لا تتبدل ولا تتغير.

ومن خصوصيات أيضا أنها بُشرت ببشارة نبوية عُظمى تنير لحاضر الأمة ومستقبلها طريق الظهور والنصر، وتخطط لها المستقبل وتلقي لها ضوءاً على الماضي، وتعلمها كيف تتعامل وتتفاعل مع الحاضر.

روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده بسنده عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: كنا قعودا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بشير رجلا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني، فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة، ثم سكت”. 13.

إن المفتاح لفهم تاريخ الأمة وماضيها يكمن في تدبر هذه النقلة المفزعة، والوعي بهذا التحول الخطير في تاريخ المسلمين ثم التخطيط بدقة وحكمة لمستقبل الإسلام لكي نطلب ما بشر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.


[1] كتاب إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ابن عجيبة الحسني رضي الله عنه؛ ج1، ص:213.
[2] رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله
[3] الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب المنهاج النبوي؛ فقرة: الشعبة الحادية والثلاثون: “سلامة القلب”، ص:187
[4] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب تنوير المومنات، الطبعة الأولى 1996، ج2، فقرة: “مجاهدات”، ص:295
[5] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب رجال القومة والإصلاح، ص: 24
[6] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، سلسلة دروس المنهاج النبوي 3 فقرة: (سلامة القلوب)
[7] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب الإحسان، الطبعة الأولى 998، ج:1، ص:23-24
[8] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب الإحسان، الطبعة الأولى 998، ج: 1 ص: 189
[9] رواه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه
[10] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب الإحسان، الطبعة الأولى 998، ج2، ص: 512
[11] أخرجه الحاكم رحمه الله في المستدرك على الصحيحين
[12] الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا
[13] مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند الكوفيين، حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، (18406)