سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الإسراء: 1].
جاءت هذه الرحلة الإعجازية بعد فترة عُرفت بـ”عام الحزن”، لتمثل تكريماً لنبينا ﷺ وتسليته وتثبيتاً له على الحق بعد ما لاقاه من أذى المشركين في مكة والطائف.
“ثم كان الإسراء والمعراج هجرة ثالثة، فارق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم جسما وروحا هذا العالم، ليتلقى من ربه عز وجل في الأفُق الأعلى، وليرى من آياته الكبرى. وعاد العبد المصطفى يحدث أصحابه وقومه بمعراجه ومسراه الشريفين. فكانت خطوة أخرى في طريق الانفصال عن المألوف والعادي والأرضي. ازداد الانفصال بين أمثال أبي بكر ممن اطمأنوا وصدقوا، وبين كفرة قريش الذين استهزؤوا وكذبوا” 1.
1- مقدمات لمعجزة الإسراء والمعراج
ثلاثة أحداث أليمة وقاسية عاشها نبينا ﷺ فيما عُرف بعام الحزن، حيث توفيت زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها، وهي ناصرة ورفيقة دعوته الأولى، وتوفي عمه أبو طالب، الذي كان يحميه من أذى قريش رغم عدم إيمانه، بعد ذلك ذهب ﷺ إلى الطائف طلبًا للنصرة، فقوبل بأشد أنواع الأذى الجسدي والمعنوي، حتى أُدميت قدماه الشريفتان. فجاءت المعجزة بعد هذا كله.
2- مظاهر تسرية النبي ﷺ وجبر خاطره
– العروج إلى سدرة المنتهى ومقام “قاب قوسين أو أدنى” واللقاء المباشر مع الله تعالى، يعتبر أعلى تكريم يمكن أن يناله بشر، حيث خاطب الله نبيه مباشرة دون واسطة.
– إمامة نبينا محمد ﷺ للأنبياء في المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج، تدل على كونه خاتم الأنبياء والمرسلين، ووراثته لرسالاتهم، مما يبرز فضله. كما تعد الإمامة دليلاً على أن نبينا ﷺ هو سيّد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والمرسلين، فلا يتقدمهم غيره. كما أن اختيار الأقصى لاجتماع الأنبياء يشير إلى علو مكانته وتأكيداً على ارتباطه بماضي وحاضر ومستقبل الأمة الإسلامية.
– تثبيت الله عز وجل لنبيه وإطلاعه على المشاهد العظيمة:
* البيت المعمور: من أولى المشاهد العظيمة التي رآها نبينا ﷺ في السماء السابعة هو البيت المعمور، وهو بيت عبادةٍ لأهل السماء، كما الكعبة لأهل الأرض. وهو بيتٌ في السماء يُقابل الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يطوفون حوله، ثم لا يعودون إليه مرة أخرى.
* وصيفة فرعون ورائحة الجنة: شمّ نبينا ﷺ رائحة طيبة كرائحة المسك، فسأل عنها جبريل عليه السلام، فأجابه أنها رائحة الوصيفة التي كانت تعمل في بيت فرعون وأبنائها، الذين آمنوا بالله وصبروا على بطش فرعون، فكانت لهم تلك المكانة العطرة في الجنة. مشهد يُعلّمنا أن صبر الصابرين والمجاهدين مهما خفي أثره في الدنيا فإن ريحه يملأ الجنة.
* الشجرة العظيمة، سدرة المنتهى: عند نهاية المعراج وصل نبينا ﷺ إلى سدرة المنتهى، في السماء السابعة، أو بعدها، حيث ينتهي علم الخلق ويبدأ الغيب الإلهي. وصفها النبي ﷺ بأنها منتهى الجمال، يغشاها من نور الله ما لا يُوصف، حتى إن ألوانها تغيّرت من شدّة البهاء، حيث فُرضت الصلاة، تلك الفريضة التي ربطت بين الأرض والسماء، وجعلت الصلة بين العبد وربه مباشرة بلا واسطة.
* مشاهد من النعيم والعذاب، ومشاهد رمزية من دنيا الناس تعبر عن أخلاقهم وأفعالهم.
3- رسالة الإسراء والمعراج
لقد كانت هذه التسرية الإلهية درساً عملياً في كيفية تعامل الله مع أنبيائه وأحبابه وأوليائه، وأن بعد العسر يأتي اليسر، وأن التكريم يأتي بعد الابتلاء باعتباره تمحيصا وتمهيدا لتكريم أعظم.