الإسراء والمعراج.. رسالة أمل لكل مكسور

Cover Image for الإسراء والمعراج.. رسالة أمل لكل مكسور
نشر بتاريخ

ليلة الإسراء والمعراج، هي ليلة جُبر فيها خاطر النبي ﷺ، ليلة غسلت أحزانه وعوضته خيرًا عما لقي من الأذى. بعد أن عانى رسولنا الكريم من حزن الفقد ورحيل السند، زوجه أمنا خديجة رضي الله عنها وموت عمه أبي طالب، بات وحيدًا مكسور الخاطر، وآذاه قومه، فقرر أن يهاجر للطائف يدعو الناس للإسلام، وظن بأهلها خيرًا، لكنهم سخروا منه وكذبوه، بل ورموه بالحجارة حتى أدمت قدماه الشريفتان. واآسفاه على ما عانى رسولنا الحبيب ليوصل رسالة الإسلام، وتكالبت عليه هموم الدنيا وما فيها، فحزن رسولنا الكريم لكنه لم يقنط من رحمة الله، وإنما فوض أمره لله تعالى وأسلم أمره إليه وتضرع بالدعاء للمولى، فقال ﷺ: ” اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني، أم إلى عدوٍ ملكته أمري. إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.

وهكذا كن أنت، كلما تكالبت عليك الأحزان والابتلاءات عد إلى الله، تعود إليك نفسك. عد إليه مكسورًا محطم الكيان، وسيعيدك مجبور الخاطر.

وعندما رفض أهل الأرض رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، احتضنته السماء في رحلة الإسراء والمعراج بقدرة إلهية، لأن الله شاء أن يجبر قلب حبيبه صلى الله عليه وسلم.

أُسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك، قال تعالى في بداية سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. فصلى إمامًا بالأنبياء جميعًا للدلالة على ختم النبوة، ثم عرج به إلى السماء والتقى بالأنبياء والرسل، وتدرج حتى وصل إلى سدرة المنتهى، قال تعالى في سورة النجم: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ۝ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ ۝ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ۝ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ۝ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ۝ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ، وفرضت خمسون صلاة آنذاك، ثم خُففت إلى أن وصلت خمس صلوات في اليوم تعادل خمسين صلاة في الأجر. ولما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة وأخبر قومه اتهموه بالكذب مجددًا إلا أبا بكر، فلُقب بذلك الصدّيق، وهكذا انتهت معجزة الإسراء والمعراج التي فرجت هم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واليوم، سماء تلك الأرض التي عرج منها الرسول ﷺ تنزف دما، كما نزفت قدماه الشريفتان، وحين يُحاصر الأقصى وتكمم آذانُه، نتذكر أن السماء لم تُفتح إلا لقلبه، وأن طريق العلو ما يزال ممتدا إلى أرواح شهدائنا، وأن ما ربط بالله لا تهدمه يد، ولا تطفئه نيران الحروب. وسيبقى الأقصى شاهدا على أن الأرض التي شهدت المعراج قادرة على أن تبعث من رمادها.

فتذكر، مهما ضاقت عليك الدنيا وخذلك الناس وفارقك الأحبة، أن الله معك، وأنه لن يخذلك أبدًا. وتضرع له بالدعاء كما فعل رسولنا الكريم، واشكر الله على نعمة الإسلام، ولا تيأس، فالذي جبر محمدا ﷺ سيجبر خاطرك، فالله لا يخذل قلبا التجأ إليه. لقد كان الإسراء وعدا بأن بعد كل انكسار يعيدك إلى الله جبرا يليق بسماء واسعة من رحمته.