الإعجاز العلمي في الأجنة وتطور الإنسان

Cover Image for الإعجاز العلمي في الأجنة وتطور الإنسان
نشر بتاريخ

يُعَدّ الإعجاز العلمي في الأجنة من أبرز مجالات التوافق المذهل بين الوحي الإلهي والاكتشافات العلمية الحديثة. فقد تناول القرآن الكريم مراحل تكوّن الإنسان بدقة لافتة قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، في وقتٍ لم يكن فيه علم الأجنة قد وُلد بعد، ولا وُجدت أدوات التشريح أو المجاهر التي تكشف خبايا الرحم ودهاليز التكوين. ومع التطور الهائل لعلم الأحياء والطب، تكشّفت أمام العلماء حقائق تؤكد عمق الإشارة القرآنية وتدعو إلى التأمل في هذا التناسق العجيب بين النص الشرعي والوصف العلمي الدقيق. وفي هذا الموضوع، سنستعرض مظاهر هذا الإعجاز من خلال مقارنة بين مراحل الخلق كما وردت في القرآن الكريم وبين ما أثبته العلم الحديث، مع إبراز دلالات هذا التوافق وأبعاده الإيمانية.

قال الله عز وجل في كتابه العزيز في سورة المؤمنون: وَلَقَدْ خَلَقْنَا اَ۬لِانسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖۖ (12) ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةٗ فِے قَر۪ارٖ مَّكِينٖۖ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا اَ۬لنُّطْفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقْنَا اَ۬لْعَلَقَةَ مُضْغَةٗ فَخَلَقْنَا اَ۬لْمُضْغَةَ عِظَٰماٗ فَكَسَوْنَا اَ۬لْعِظَٰمَ لَحْماٗ ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقاً اٰخَرَۖ  فَتَبَٰرَكَ اَ۬للَّهُ أَحْسَنُ اُ۬لْخَٰلِقِينَۖ.

بدأ العلماء يحركون الدقة الفائقة للوصف القرآني لهذه المراحل: نطفة، نطفة أمشاج، علقة، مضغة (مخلقة وغير مخلقة)، خلق العظام، كسوتها باللحم، ثم ينشئها خلقا آخر.

فجاء علم الأجنة ليكشف أن تكوين الإنسان يمرّ بعدة مراحل رئيسية تبدأ بـ:

المرحلة الأولى: وهي خلق الإنسان من ماء وتراب

حيث أكد القرآن الكريم أن أصل الإنسان هو التراب والماء، بقوله تعالى: يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِے رَيْبٖ مِّنَ اَ۬لْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٖ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْۖ وَنُقِرُّ فِے اِ۬لَارْحَامِ مَا نَشَآءُ اِ۪لَيٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّيٗ [الحج: 5]. خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ [الطارق: 6].

وهذا يتوافق مع الاكتشاف العلمي بأن ثلثي جسم الإنسان ماء والثلث الآخر مُكوَّن أساسًا من عناصر موجودة في التراب مثل: الكربون، الكالسيوم، الحديد، الزنك، والمغنيسيوم.

المرحلة الثانية: مرحلة النطفة (البداية الأولى للتكوين)

في هذه المرحلة يحدث الإخصاب، حيث تتسابق ملايين الحيوانات المنوية نحو البويضة، ولا يصل منها إلا واحد فقط ليحمل الشيفرة الوراثية للإنسان، وهنا تتجلى عظمة الخالق، من علم هذه النطفة طريقها؟ من هداها إلى مسار قد يصل إلى أكثر من 15 سم داخل الجهاز التناسلي؟ من جعلها قادرة على اختراق غشاء البويضة برأس دقيق يحمل إنزيمًا مخصّصًا لذلك؟ إنها هداية ربانية لا يمكن أن تكون صدفة أو عملاً عشوائيًا. يقول المولى سبحانه: أَفَمَنْ يَّخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُۖ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَۖ [النحل: 17].

المرحلة الثالثة: النطفة الأمشاج (الخلية الملقحة)

بعد 30 ساعة من اختراق الحيوان المنوي للبويضة يحدث أول انقسام، وتبدأ الخلية بالتكاثر مشكلة النطفة الأمشاج، وهي نطفة مختلطة من الأب والأم، تحمل الصفات الوراثية الكاملة للإنسان وتبدأ بالانقسام السريع.

قال الله تعالى في محكم تنزيله: هَلَ اَت۪يٰ عَلَي اَ۬لِانسَٰنِ حِينٞ مِّنَ اَ۬لدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـٔاٗ مَّذْكُوراًۖ (1) اِنَّا خَلَقْنَا اَ۬لِانسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍ اَمْشَاجٖ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَٰهُ سَمِيعاَۢ بَصِيراًۖ (2) [الإنسان].

المرحلة الرابعة: العلقة (الالتصاق بجدار الرحم)

تتحول الخلية الملقحة إلى ما يشبه “العلقة”؛ وهي مجموعة من الخلايا التي تسعى للتعلق بجدار الرحم وتختار أفضل مكان فيه وتستمد منه الغداء. القرآن الكريم وصفها بدقة: ثُمَّ خَلَقْنَا اَ۬لنُّطْفَةَ عَلَقَةٗ [المؤمنون: 14].

المرحلة الخامسة: المضغة (شكل القطعة الممضوغة)

وصف قرآني دقيق قبل 14 قرنا: في الأسبوعين الرابع والخامس يظهر شكل الجنين كقطعة لحم عليها انبعاجات تشبه آثار الأسنان وهو نفس معنى “مضغة”، وتبدأ أجهزة الجسم بالتخلق كالجهاز العصبي وتبدأ نبضات القلب.

المرحلة السادسة: تكون العظام ثم العضلات (كسوة العظام باللحم)

قال تعالى: فَخَلَقْنَا اَ۬لْمُضْغَةَ عِظَٰماٗ فَكَسَوْنَا اَ۬لْعِظَٰمَ لَحْماٗ [المؤمنون: 14]، والعلم أثبت أن الهيكل العظمي يتشكل أولا ثم تليه العضلات.

المرحلة السابعة والأخيرة: النشأة خلقا آخر (الروح والتمايز)

في هذه المرحلة يأخذ الجنين ملامحه النهائية فتظهر الأطراف والعيون وتتشكل بقية أعضاء الجسم حتى نهاية الحمل.

دون أن ننسى المشيمة وتطورها خلال فترة الحمل منذ بدايته إلى نهايته حيث تجمع دم الجنين ودم الأم ولا يختلطان، بينهما غشاء سماه الأطباء الغشاء العاقل لأنه يقوم بأعمال تفوق حد الخيال، نلخص وظائفه في:

1. تغذية الجنين ونقله للمواد الضرورية

تعمل المشيمة كجسر بين دم الأم ودم الجنين، حيث تنقل الغذاء، السكريات، البروتينات، والدهون اللازمة لنمو الجنين.

تعمل أيضًا على توصيل الأكسجين من دم الأم إلى الجنين، ما يضمن استمرار حياته.

2. التخلص من الفضلات

تقوم المشيمة بإزالة الفضلات والمواد الضارة من دم الجنين، لتصل إلى دم الأم ويتم التخلص منها عن طريق البول أو الكبد.

3. الحماية المناعية

تعمل المشيمة كحاجز مناعي جزئي، يمنع جسم الأم من مهاجمة الجنين باعتباره “جسمًا غريبًا”، وتحميه من بعض الأمراض والعدوى.

4. إفراز الهرمونات الضرورية

تنتج المشيمة هرمونات مثل هرمون الحمل، هرمون الاستروجين، والبروجيستيرون، التي تحافظ على الحمل وتدعم نمو الرحم وتحفز نمو الثدي استعدادًا للرضاعة.

5. توفير بيئة آمنة

تعمل المشيمة كحاجز فيزيائي وكيميائي، حيث تمتص بعض المواد الضارة وتخفف من أثرها، ما يتيح للجنين النمو في بيئة آمنة ومستقرة. فتبارك الله أحسن الخالقين.

عند التأمل العميق في مسيرة خلق الإنسان داخل ظلمات الرحم، يسكن الضجيج في العقل وتخشع القلوب أمام هذا التدبير الإلهي المحكم الذي لا يعرف خللًا ولا اضطرابًا. فمن نطفةٍ واهنة لا تُرى، تبدأ حكاية الوجود، وتسير مراحل الخلق في نظامٍ دقيق، تحكمه إرادة عليا وعلمٌ شامل، فلا تتقدّم مرحلة على أخرى، ولا تغيب وظيفة عن موضعها، وكأن كل خلية قد خُلقت وهي تعلم طريقها وغايتها.

وعندما يكشف علم الأجنة شيئًا فشيئًا عن أسرار هذا الخلق العجيب، لا يزيدنا ذلك إلا يقينًا بأن هذا البناء المتكامل لم يكن وليد الصدفة، ولا نتيجة تفاعلات عمياء، بل هو أثر علمٍ إلهي شامل وقدرةٍ لا تحدّها حدود، فالعلم كلما ازداد تعمقًا في فهم دقائق الخلق، ازداد معه الإنسان تواضعًا أمام عظمة الخالق، واتسع إدراكه لمعاني الإيمان والخضوع.

فنشأة الإنسان يوقظ في النفس معنى الشكر لله، ويذكّرها بأصلها الضعيف وبحاجتها الدائمة إلى ربها، ويغرس في القلب شعور القرب والطمأنينة. فمن أبدع الخلق في بدايته، هو وحده القادر على رعايته في مسيرته، وهدايته في طريقه، وإحسان خاتمته في دنياه وآخرته. وهكذا يتحوّل علم الأجنة من علمٍ يصف المراحل والأشكال، إلى رسالةٍ روحية تدعو إلى التفكر، وتُعيد للإنسان وعيه بحقيقة وجوده، ليبقى قوله حاضرا في القلب، فسبحان من خلق فسوى، وقدّر فهدى، وجعل في خلق الإنسان آياتٍ لأولي الأبصار.