الإمام عبد السلام ياسين.. معالم نسقه التجديدي

Cover Image for الإمام عبد السلام ياسين.. معالم نسقه التجديدي
نشر بتاريخ

مقدمة

يُعدّ الإمام عبد السلام ياسين (1928-2012) أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في إعادة صياغة الفكر الإسلامي المعاصر، ليس من موقع قيادة الجماعة فحسب، بل من موقع المنظّر الذي سعى إلى إعادة تركيب العلاقة بين التربية والتنظيم، والدين والدولة، والفرد والأمة. وقد تميّز مشروعه بتجاوزه للاشتباك السياسي المباشر ليؤسس نسقا معرفيا متكاملا يستند إلى رؤية تربوية روحية وفكرية تسعى إلى تجديد الدين وتجديد المجتمع من خلال قراءة نقدية للتاريخ الإسلامي.

ومن ثمّ، فإن مقاربة مشروعه تقتضي قراءة منهجية لبُناه النظرية، ولمقاصده الكبرى، ولآليات اشتغاله في الواقع. غير أن هذا المقال، وإن عجز عن الإحاطة بذلك كله، يسعى إلى تقديم صورة موجزة عن أبرز معالم نسقه التجديدي.

فما هي أهم معالم التجديد في النسق المعرفي للإمام؟ وما هي مرتكزاته المعرفية والتاريخية والسياسية؟

نحو تأسيس مدرسة تجديدية معاصرة: من الفكرة إلى المشروع

تشكّل مشروع الإمام عبد السلام ياسين في سياق تاريخي خاص امتد منذ سبعينيات القرن العشرين، تميز بتعثر مشاريع التحديث السياسي في العالم الإسلامي، وبروز الحركات الإسلامية كفاعل اجتماعي وفكري يسعى إلى ملء فراغ المعنى والشرعية. وقد تزامن ذلك مع تنوع المدارس الإسلامية المعاصرة في مقارباتها للإصلاح والتغيير؛ فبينما ركّزت المدرسة السلفية على استعادة النموذج العقدي والسلوكي للأجيال الأولى مع تحفّظ واضح تجاه الفعل السياسي المنظّم، انخرطت مدرسة الإخوان المسلمين في العمل السياسي والتنظيمي باعتباره مدخلا مركزيا للإصلاح، في حين حافظت الطرق الصوفية التقليدية في الغالب على اشتغال روحي فردي اتّسم بالانسحاب من الشأن العام.

في هذا السياق المتعدّد، تبلورت الملامح الأولى لمدرسة العدل والإحسان كمحاولة تجديدية تروم إعادة ترتيب العلاقة بين التربية والسياسة، وتجاوز الفصل التاريخي بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي؛ فقد انطلق الإمام ياسين من أطروحة مركزية مفادها أن اختلال العمل الإسلامي المعاصر راجع، في جانب كبير منه، إلى اختزال التغيير في الآليات السياسية، دون تأسيس أخلاقي وتربوي عميق يعيد تشكيل الفاعل الإنساني نفسه. ومن ثمّ، جعل التربية الإيمانية شرطًا بنيويًا سابقًا على الفعل السياسي، لا بديلًا عنه ولا نقيضًا له.

وعليه، لا يمكن فهم مشروع العدل والإحسان باعتباره مجرد إضافة تنظيمية إلى خريطة الحركات الإسلامية، بل بوصفه نسقا تجديديا يطمح إلى إعادة بناء منطق التغيير ذاته، عبر وصل ما انقطع تاريخيًا بين القيم والمؤسسات، وبين إصلاح الفرد وتحقيق العدل في المجال العام.

نظرية المنهاج النبوي: الإطار الكلّي للمشروع

لا تُمثّل هذه النظرية برنامجًا عمليًا فحسب، بل تُقدم بوصفها رؤية معرفية تهدف إلى وصل الواقع المعاصر بالنموذج التأسيسي الذي شكّل لحظة البناء الأول للدولة والمجتمع.

وتقوم هذه الرؤية على:

1.   مركزية التربية الإيمانية

تحتل التربية الإيمانية موقعا مركزيا في هذه الرؤية، إذ يعتبرها الإمام الشرط المؤسس لشرعية الفعل الدعوي والسياسي معا. فـالإحسان لديه لا يُختزل في مرتبة فردية ذات بعد تربوي محض، على الرغم من تأكيده المتواصل على ضرورة تأهيل الفرد إيمانيًا للاضطلاع بالمهام المنوطة به، واستحضاره الدائم لـ «السؤال المليح الصريح: أيُّ إيمانٍ هو إيماني؟ وما قضيتي مع ربي؟” 1؛ بل يتجاوز الإحسان هذا البعد الفردي ليغدو غاية ناظمة للسلوك الجماعي، وإطارًا قيميا يمنح الفعل السياسي معنى أخلاقيا، ويحصّنه من الانزلاق إلى تصور براغماتي منفلت من المرجعية القيمية.

وقد أدرج في هذا الصدد منظومة قيمية وسلوكية (الخصال العشر) 2 تشكل إطارًا معياريا لصناعة الفاعل القادر على حمل مشروع التغيير.

وفي هذا السياق، رفض الإمام الفصل بين العمل السياسي والعمق التربوي، محذرا من أن تفقد الحركات الإسلامية هويتها إذا استغنت عن “جهاد النفس” لصالح الحسابات السياسية المتغيرة باستمرار

2.   قراءة نقدية للتاريخ الإسلامي

أسّس الإمام ياسين مشروعه التجديدي على تفكيك نقدي للتاريخ الإسلامي من خلال التمييز بين:

  • مرحلة الخلافة الراشدة: باعتبارها النموذج المعياري الذي يضبط دلالات العدل والشرعية في الحكم.
  • مرحلة الحكم العضوض والملك الجبري: مع الانكسار التاريخي الذي عرفته الأمة، بدأ التبلور التدريجي للاستبداد السياسي، وتكرس الانفصال بين الدعوة والدولة، وبين العدل والإحسان. ومن ثمّ يصبح ” فهم الانكسار التاريخي الذي حدث بعد الفتنة الكبرى ومقتل ثالث الخلفاء الراشدين ذي النورين عثمان رضي الله عنه ضروريا لمن يحمل مشروع العمل لإعادة البناء على الأساس الأول” 3.

يتعامل الإمام رحمه الله مع التاريخ لا بوصفه نموذجا يُستنسخ في جميع تفاصيله، بل باعتباره مجالا للاعتبار والنقد، قصد تحصين التجربة المستقبلية من إعادة إنتاج الانحرافات الماضية.

3.   رفض التجزئة القُطرية واستحضار أفق الخلافة الثانية

ينتقد الإمام الواقع السياسي للأمة انطلاقًا من رفضه لسياق تأسيس الدولة القطرية الذي فرضه الاستعمار، ويرى فيه عائقا بنيويا أمام تحقيق الوحدة المنشودة.

ومع تأكيد الإمام استحالة القفز على واقع الدولة القطرية، فقد رفض من ثمّ فكرة بناء تنظيم إسلامي عالمي، معتبرًا أن الوحدة المنشودة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر تحرّر الأقطار من الظلم والاستبداد، وبناء نماذج وطنية ناجحة وقابلة للاقتداء، تشكّل في مجموعها الأساس الواقعي لوحدة مستقبلية تتجاوز ما فرض تاريخيا وسياسيا.

من هذا المنطلق، يتطلع إلى إحياء نموذج الخلافة الثانية على منهاج النبوة باعتباره أفقا تاريخيا استراتيجيا يستعيد فيه المسلمون شروط العدل والإحسان والشورى والوحدة، مستندا إلى بشارات نبوية تُقرأ ضمن سياق تحليلي لا تبشيري محض؛ يقول رحمه الله: “تنطلق خُطانا المنهاجية من قواعد الشِّرْعة، يستنير القلبُ بنورها، والعقل بعلمها، والنّظر بمفاهيمها، والإرادة بحافزها وداعيها وندائها، لنقتحم العقبة إلى الله عز وجل. هكذا نفكر وهكذا نعمل، والخلافة على منهاج النبوة هي الأفق” 4.

4.   نقد الشرعيات السياسية القائمة 

اتسم خطاب الإمام السياسي بجرأة نقدية واضحة من خلال رفضه الواضح للشرعيات التقليدية السائدة. فقد أكد أن الاعتماد على مبدأ الوراثة كآلية وحيدة لتحديد الحاكم، أو الاحتكام إلى دستور الأمر الواقع الذي يُفرض دون مشاركة حقيقية من الشعب، لا يكفي لإضفاء صفة الشرعية الحقيقية على النظام السياسي. هذه الرؤية تشير إلى أن الشرعية ليست مسألة شكلية.

في مقابل هذه الشرعيات القائمة، وضع الإمام أساسا مزدوجا وضروريا لشرعية الحكم، فالشرعية، في نظره يجب أن تنبع من إرادة الأمة الحرة. وهذا يعني أن النظام السياسي يكتسب شرعيته من خلال الاختيار الواعي والمستقل؛ وهذا التأكيد يجعل الأمة المصدر الرئيسي للسلطة.

وفي مقابل مفاهيم الانقلاب أو العنف الثوري، قدّم مفهوم القومة، بوصفها حركة “جماهيرية” سلمية تشكل عصيانا مدنيا هدفه إنهاء الاستبداد وبناء دولة العدل ومجتمع العمران الأخوي؛ لكن هذه القومة لا تحمل طابعا سياسيا فقط بل تشيد على أصول سبعة تبدأ بقومة الداعي إلى الله وتُستكمل بالوحدة ” نُجمل مضمون القومة ومنهاجها في سبع نقط أصلها ثابت في لفظ القرآن ومعناه، وتستقي المادة العملية من النموذج النبوي” 5.

خاتمة

إجمالًا، يمثل الإمام عبد السلام ياسين محطة مفصلية في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر؛ ولا يمكن اختزال مشروعه في تجربة تنظيمية أو خطاب سياسي مظروف بسياقاته، فمشروعه لا يندرج ضمن التنظير السياسي الجزئي بقدر ما يشكل نسقا تجديديا شاملا يجمع بين الأبعاد التربوية، والفقهية، والأخلاقية، والسياسية، والتاريخية. وقد مكنه هذا التصور النسقي من تجاوز مآزق الثنائيات التي وسمت تجارب إصلاحية معاصرة، من قبيل الفصل بين التربوي والسياسي، أو بين الدعوة والدولة، أو بين صلاح الفرد وتغيير البنى المجتمعية… كما أتاح له تقديم تصورات تجديدية في قراءة تاريخ المسلمين وانكساراته، وبناء أفق معياري يحتكم لقيم الشورى والعدل والإحسان، مع ما يستدعي ذلك من اشتباك مع الواقع السياسي والاجتماعي بغية إصلاحه أو تغييره.


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج1، ص6.
[2] انظر كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا للإمام عبد السلام ياسين.
[3] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص27.
[4] عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، ص24
[5] عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، ص260