الانتخابات المغربية: داء العطب قديم

Cover Image for الانتخابات المغربية: داء العطب قديم
نشر بتاريخ

الانتخابات مظهر من مظاهر الديمقراطية، وشكل من أشكال التدبير السياسي، التي اهتدت إليها البشرية بعد الكثير من التجارب المريرة التي شهدت أحيانا اقتتالا وصراعا طاحنا دفعت ثمنه أجيالا وأجيالا… لكن هل الانتخابات تعبر دائما وفي جميع الأحوال عن ديمقراطية حقيقية؟ الواقع يقول غير ذلك، فالكثير من الدول في العالم تشهد انتخابات بشكل منتظم، دون أن ينعكس ذلك على واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحقوقي: تداولا على السلطة واستقلالية لمؤسساتها، خاصة مؤسسة القضاء ومحاربة للفساد وتحسينا للوضع المعيشي ومحاسبة للحاكمين، وإعلاء لقيم الحرية والكرامة والعدالة.

بمعنى أن الانتخابات كما يمكن أن تكون تعبيرا عن ديمقراطية حقيقية، يمكن أن تكون تعبيرا عن ديمقراطية خادعة ومزيفة…

لذلك يحرص من يهمهم الأمر في كل الدول التي تحترم نفسها، والتي تنطلق من إرادة سياسية حقيقية للتغيير، على أن تكون تتويجا لمسار سياسي طويل يرتكز على دستور حقيقي ومؤسسات قوية….

فماذا عن الانتخابات المغربية؟ وما الجدوى من الانتخابات الحالية؟ وهل يمكن أن تبعث بعض الآمال في النفوس اليائسة من الساسة والسياسة أم لا جديد تحت سماء المغرب، مادامت دار لقمان ما تزال على حالها؟

المغرب ليس حديث عهد بالانتخابات، فقد دأب على تنظيمها منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا، سواء البرلمانية منها أو الجماعية، وفي  ظل سياقات سياسية مختلفة محليا وإقليميا، ودساتير متعددة وبمشاركة ألوان سياسية من مشارب إيديولوجية ذات امتدادات يمينية ويسارية وإسلامية، وأحزاب لا لون لها أصلا، أحزاب تظهر من العدم، بينما تنزل الأخرى بالمظلات وتفرش له الطريق بالورود نحو دواليب الحكومة، بهذا الوصف يمكن القول أن المغرب له تقاليد لا بأس بها في تنظيم الانتخابات، لكن ماذا كانت مخرجات هذه الانتخابات؟

طيلة هذه المدة تعاقب على تدبير شؤون المغاربة كل ألوان الطيف السياسي والايديولوجي، دون أن يكون لذلك أثر حقيقي على وضع المغرب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بل ظل يدور في نفس الحلقة المفرغة، ويزداد سوءا ويغرق أكثر فأكثر في مستنقع التخلف والتبعية للخارج والمؤسسات المانحة، كما يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا، رغم المحاولات العبثية المكشوفة للتستر على هذا الواقع البئيس من خلال إبراز بعض النجاحات الوهمية في مجالات ثانوية، لكن سرعان ما تتكشف الحقيقة المرة وتظهر عارية وقد سقطت المساحيق عن التجاعيد التي خلفتها السياسات غير الرشيدة، كما حدث مؤخرا في الهروب الكبير، حينما يمم عشرات الآلاف من المغاربة وجهتهم نحو سبتة، لا يلوون على شيء، وغير مبالين بما خلفوا ما وراءهم من أحزان وأوجاع، ولا بما ينتظرهم من مخاطر ومصائب…

هذا دون الحديث عن ما يطال تلك الانتخابات من عبث وتلاعب مما صارت بحديثه الركبان، حيث تتحول إلى موسم تنتعش فيه السمسرة السياسية، ويعلى فيه شأن أصحاب المال والنفوذ، وتتحرك فيه نعرة القبلية والعصبية للعشيرة، ناهيك عن القوانين المنظمة، والتي تفصل في الغالب على المقاس. جملة القول أن هذه الانتخابات كانت طقس عبور للساعين لتببيض وجوههم وجيوبهم أيضا وأصحاب المصالح والباحثين عن الثروة المغمسة في السلطة… هي انتخابات لا تربطها بالديمقراطية والتداول على السلطة أية صلة، اللهم بيع الوهم للناس، وإعادة ضبط المشهد السياسي والسهر على إنتاجه وانتشاره حيث “يتغير كل شيئ من أجل ألا يتغير أي شيئ” إنها القاعدة الذهبية التي تؤطر العمل السياسي في المغرب، كما أشار الى ذلك الباحث الأمريكي “جون واتر بوري” في كتابه “أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية”.

إذا كانت الأحزاب هي المتغير في هذه التجربة الطويلة، فهناك ثابت واحد دائم الحضور والتأثير، بغض النظر عن “الفائز” ولونه السياسي والايديولوجي، إنه المخزن الذي ظل يلقي بظلاله القاتمة على هذه الانتخابات: يدبر مراحلها ويرسم خرائطها باقتدار…

وحينما تجبره بعض السياقات السياسية، على فسح المجال أمام بعض القوى التي يتوجس منها، فإنه يعمل على سحقها بالنقط، حيث يدفعها إلى اتخاذ إجراءات تتناقض مع خطها الأيديولوجي والسياسي ووعودها الانتخابية، فينزع عنها المصداقية أمام قواعدها والمتعاطفين معها، حتى تبدو عارية كباقي الأحزاب التي صنعت على عينه، لا فرق بينهما إلا في الشعارات، وهنا يمكن استدعاء نموذجين: الأول، الاتحاد الاشتراكي الذي حصلت في عهده أكبر عملية خوصصة في تاريخ المغرب والمتمثلة في خوصصة شركة اتصالات المغرب، وهو الحزب القادم من الأيديولوجية الاشتراكية المناهضة للخوصصة…. أما النموذج الثاني فهو حزب العدالة والتنمية الذي وقع اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومرر في عهده قانون فرنسة التعليم وقانون تقنين الكيف، في تناقض تام مع خطه الأيديولوجي والسياسي، كما تم في عهده تهشيم الطبقة المتوسطة التي أوصلته

إلى الحكومة…        

رسالة المخزن من كل هذا واضحة: الحكم في الأول والأخير له دون سواه، وأن لا إرادة فوق إرادته وأن من الوهم الاعتقاد أنه قد انتهى ومات، كما صرح بذلك الزعيم اليازغي ذات نشوة سياسية، ولكن الذي مات في الحقيقة هو العمل السياسي الحقيقي القائم على دستور حقيقي ومؤسسات قوية، وهو ما عبر عنه بمرارة الاستاذ، عبد الرحمان اليوسفي في ندوة بروكسيل الشهيرة، والحقيقة أن ما من زعيم إلا ويعرف أن المشاريع الكبرى والتوجهات الأساسية تصاغ بعيدا عن الحكومات والأحزاب، وأن الهامش المتروك لا يعدو دور السخرة والتبرير… ألم يقل أحدهم إنه ينفذ “برنامج صاحب الجلالة ” فرد عليه زعيم آخر أنه يمثل “معارضة صاحب الجلالة”.

أما الانتخابات الجارية حاليا، فلا تختلف عن سابقاتها سوى على مستوى الانحدار المخيف الذي بلغته خطابا وسلوكا، ربما يكون لوسائل التواصل الحديثة دور في تسليط الضوء على هذ البؤس السياسي الذي يخيم على البلاد والعباد، حيث يقع كل شئ تحت سمع وبصر الهواتف المحمولة.

 على مستوى الخطاب لم يسبق أن عشنا صراعا لفظيا حادا في الحملات الانتخابية بين أحزاب إدارية خرجت من رحم السلطة ومن مكونات الحكومة الرئيسية، كما نراه هذه الأيام، صراعات تبادلت فيه الأطراف المعنية، اتهامات ثقيلة تستوجت فتح تحقيقات جادة، بل لو كان للسياسة في هذا البلد حرمة ومعنى لأحدثت زلزالا.. ناهيك عن المبالغة في إطلاق الوعود ذات اليمين وذات الشمال والتنافس في ذلك تنافسا بلغ حد الاستخفاف بالناس، ومن المظاهر المثيرة في هذه الانتخابات، أن هناك من جعل أكبر همه هو إلقاء اللوم على الداعين إلى مقاطعة الانتخابات، والتهمة العجيبة، هي أن المقاطعة تمكين للفساد والمفسدين، مع أن هؤلاء المتهمين بالفساد أعضاء دائمون في الحكومة المغربية، ويملكون حتى حق “البلوكاج”، وقد كانوا من أعمدة الحكومات المتعاقبة منذ 2011، مرتين باعتبارهم حلفاء ومرة لتصدرهم المشهد الانتخابي، فمخرجات الانتخابات، بالضرورة تصب في صالحهم مهما كانت النتائج، ولابد أن تأتي بهم، إما بطريق مباشرة أو بطرق ملتوية، مما يدل على أن العطب في اللعبة ابتداء.

وهناك من ذهب أبعد من ذلك، فضيق واسعا وألبس المسألة لباسا دينيا عقديا، ففي نظره المقاطع من القاعدين المخلفين، وإن كان يتعرض لأشد أنواع التضييق من قطع للأرزاق وتشميع للبيوت واعتقال وقمع… لأن جهاد الوقت في نظر هؤلاء هو المشاركة في الانتخابات ودخول البرلمان والوزارات…

أما على مستوى السلوك، فحدث ولا حرج، والجميع يرى كيف أن منطق الولائم والموائد وما يدور في فلكهما مازال حاضرا بقوة، مع ما يتخلل ذلك من مشاهد، فيها استخفاف بالناس وامتهان لكرامتهم..

العنوان المناسب لهذه الانتخابات هو “صراع الفراقشية” مع أن الفراقشية التقليديين، أقل قسوة، أما الفراقشية الجدد، أصحاب البدلات وربطات العنق الأنيقة، فلا يجدون حرجا في إلقاء اللائمة على بعضهم البعض جهارا نهارا، حول المليارات التي اختفت، والصناديق التي أفرغت، في كل مرة، خصوصا خلال هذه الحملة، كأنهم يقولون لنا موتوا بغيظكم. 

والحال هذه، فإن مقاطعة الانتخابات والنفور منها، أصبح تحصيل حاصل، وحتى الدعوة إلى المقاطعة التي صدرت عن بعض الهيئات السياسية، هي من باب البيان السياسي وإبراء الذمة وتحميل المسؤولية للمشاركين في هذه العملية، أما الواقع المخيف هو  أننا لم نعد أمام المقاطعة فحسب، بل نحن بصدد حالة يأس تام، سائدة لدى قطاع واسع من الناس، من الأحزاب والانتخابات والعملية السياسية برمتها، وذلك لأنهم يشعرون بالإقصاء والتهميش والإبعاد القسري عن المشاركة الحقيقية في تحديد مصير الوطن، وأنهم مجرد رقم لتأثيث المشهد، فالانتخابات بالنسبة إليهم هي اللحظة المشؤومة التي يعاد فيها إنتاج الفساد والاستبداد، ورسم خرائط النهب والتفرقيش، ناهيك عن تراكم الإخفاقات وإخلاف الوعود وتصدر التافهين للمشهد واقتران العمل السياسي بالاغتناء السريع والتسلط والتجبر…