الانتخابات في المغرب: قراءة تاريخية (2)

Cover Image for الانتخابات في المغرب: قراءة تاريخية (2)
نشر بتاريخ

إذا كانت الحلقة الأولى من هذه القراءة قد توقفت عند الفجوة بين المعنى اللغوي للانتخاب بوصفه اصطفاء للنخبة الصالحة، وبين واقعه الإجرائي الذي كثيرا ما يخون هذا المعنى، فإن العودة إلى اللحظة التأسيسية الأولى للتجربة الانتخابية المغربية تكشف أن هذه الفجوة لم تكن طارئة أو عرضية، بل كانت حاضرة منذ الخطوات الأولى، مرتبطة بطبيعة موازين القوى التي أدارت مرحلة ما بعد الاستقلال.

فور استقلال المغرب سنة 1956، لم تُطرح مسألة تنظيم انتخابات فورية، بل اختار الملك الراحل محمد الخامس صيغة انتقالية تمثلت في إحداث “المجلس الوطني الاستشاري” بظهير 3 غشت 1956، وهو هيئة معينة لا منتخبة، ضمت ستة وسبعين عضوا من رموز الحركة الوطنية وعلمائها ونقابييها، وترأسها المهدي بن بركة، وشكل حزب الاستقلال أغلبيتها. وقد ظل هذا المجلس، رغم صفته الاستشارية المحضة وغياب أي سند انتخابي شعبي له، بمثابة أول تجربة تمثيلية بعد الاستقلال، يبدي رأيه في الميزانية العامة ويُستشار في القضايا الكبرى، إلى أن انتهت مهمته في 23 ماي 1959. وهذه المفارقة الأولى دالة في حد ذاتها: أول “تمثيل” وطني بعد الاستقلال لم يكن ثمرة اصطفاء شعبي حر، بل كان تعيينا فوقيا، وإن حرص على استيعاب رموز وازنة من النخبة الوطنية الحقيقية.

مع بداية العقد الموالي، بدأت ملامح الاقتراع الفعلي تتشكل تدريجيا. ففي مارس 1960 نظمت انتخابات الغرف المهنية، التي حقق فيها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بعد أشهر قليلة من تأسيسه إثر انشقاقه عن حزب الاستقلال، نتائج لافتة عكست حجم الاستقطاب الذي عرفته الحركة الوطنية آنذاك بين جناحيها المحافظ والراديكالي. وفي 29 ماي من السنة نفسها، جرت أول انتخابات جماعية وقروية في تاريخ المغرب المستقل، تنافست فيها الأحزاب الوطنية الثلاثة الكبرى: الاستقلال، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية حديث النشأة، والحركة الشعبية التي تأسست سنة 1959 لتمثل بالأساس العالم القروي والأمازيغي. وقد تصدر حزب الاستقلال هذا الاستحقاق بفارق واضح عن منافسيه. وبعد أشهر قليلة، في 26 غشت 1960، عُين أول مجلس تأسيسي لإعداد أول دستور للمملكة، في خطوة أعادت التأكيد على أن مسار بناء المؤسسات ظل، في هذه المرحلة التأسيسية، محكوما بالتعيين أكثر مما هو محكوم بالانتخاب.

شكلت سنة 1962 محطة مفصلية، إذ نظم أول استفتاء دستوري في تاريخ المغرب المستقل، أفضى إلى إقرار أول دستور مكتوب للمملكة، أرسى صيغة الملكية الدستورية وحدد لأول مرة الإطار القانوني للانتخاب البرلماني. وعلى أساس هذا الدستور، نظمت في 17 ماي 1963 أول انتخابات تشريعية في تاريخ المغرب المستقل. غير أن ما ميز هذا الاستحقاق التأسيسي هو ظهور فاعل سياسي جديد كليا: “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية”، وهي جبهة موالية للعرش تأسست قبل الانتخابات ببضعة أشهر فقط، بإشراف مقرب من الملك الحسن الثاني. وقد حصدت هذه الجبهة الوليدة تسعة وستين مقعدا، متفوقة بذلك على حزبي المعارضة التاريخيين، الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، اللذين لم يحصلا مجتمعين إلا على عدد مماثل من المقاعد. وتأكد هذا الاتجاه بجلاء أكبر في أكتوبر من العام نفسه، حين جرت انتخابات غير مباشرة لمجلس المستشارين أفضت إلى اكتساح شبه كامل لجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، التي حصلت على أكثر من مئة مقعد من أصل مئة وعشرين.

هذه اللحظة التأسيسية تستحق التوقف عندها مطولا، لأنها تختزل بدقة الإشكالية التي طرحتها الحلقة الأولى من هذه القراءة. فتأسيس جبهة سياسية بأكملها قبل أشهر معدودة من موعد الاقتراع، بدعم مؤسسي واضح، ونجاحها في تصدر النتائج أمام أحزاب وطنية عريقة ناضلت من أجل الاستقلال وراكمت شرعية نضالية ممتدة، يطرح سؤالا جوهريا حول معنى “الاصطفاء” في هذه اللحظة التأسيسية: هل كان الناخب المغربي، في تلك الانتخابات الأولى، يمارس فعلا حرا للاختيار بين برامج ورؤى متنافسة، أم كان يُدار في اتجاه محدد سلفا عبر توظيف الإدارة والنفوذ الرسمي؟ وقد ترسخ هذا النمط، الذي أطلق عليه لاحقا في الأدبيات السياسية المغربية اسم “الحزب الإداري”، كسمة متكررة عبر عدة محطات انتخابية لاحقة، حيث تتشكل تحالفات وأحزاب مساندة للسلطة التنفيذية قبيل كل استحقاق كبير، بقدرة لافتة على حصد نتائج تفوق أحزابا ذات تاريخ نضالي وقاعدة شعبية أعمق.

إن هذه البداية التأسيسية تكشف أن التوتر بين الشرعية الانتخابية والشرعية الفعلية للسلطة لم يكن طارئا على التجربة المغربية، بل كان حاضرا في جيناتها الأولى، منذ أن تحول صندوق الاقتراع، في أول اختبار حقيقي له، إلى ساحة يتنافس فيها وزن التنظيم الإداري مع وزن التاريخ النضالي، لا إلى ساحة تحتكم فقط لإرادة الناخب الحرة. وهذا ما سيتكرر، بصيغ متجددة، عبر المحطات الانتخابية اللاحقة التي ستتناولها الحلقات المقبلة من هذه القراءة، بدءا من سنوات التوتر السياسي الحاد التي أعقبت هذه المرحلة التأسيسية مباشرة.