توقفت الحلقة الثانية من هذه القراءة عند أول انتخابات تشريعية في تاريخ المغرب المستقل سنة 1963، وعند بروز “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” كنموذج مبكر لما سيعرف لاحقا بـ”الحزب الإداري”. لكن هذا البرلمان الوليد، الذي كان من المفترض أن يكون تتويجا لتجربة دستورية ناشئة، لم يُكتب له أن يعمر طويلا، بل انتهى مساره في أقل من سنتين، ليدخل المغرب مرحلة ستطبع الذاكرة السياسية للبلاد لعقود: مرحلة تعليق الحياة النيابية بالكامل.
في مارس 1965، اندلعت بالدار البيضاء احتجاجات شعبية واسعة، عقب قرار من وزارة التربية الوطنية يحد من فرص التلاميذ في متابعة السلك الثانوي، فتحولت هذه الاحتجاجات المطلبية بسرعة إلى انتفاضة شعبية عارمة قوبلت بقمع عنيف خلف مئات القتلى والمعتقلين وعشرات المختفين. وقد كشفت هذه الأحداث الدامية عن عمق الهوة بين المؤسسات المنتخبة حديثا وبين نبض الشارع، إذ تحول البرلمان الفتي نفسه إلى ساحة صدام حاد بين المعارضة التي رفعت ملتمس رقابة ضد حكومة معروفة بولائها للقصر، وبين الأغلبية الموالية للسلطة التنفيذية.
بعد ثلاثة أشهر فقط من هذه الأحداث، ألقى الملك الحسن الثاني خطابا أعلن فيه، استنادا إلى الفصل 35 من دستور 1962، حالة الاستثناء، وحل بموجبها البرلمان المنتخب حديثا. واللافت أن الوثيقة الدستورية لم تحدد سقفا زمنيا لهذه الحالة، وهو ما أتاح للملك أن يتولى تسيير شؤون البلاد منفردا، خارج أي مؤسسة منتخبة، لخمس سنوات كاملة، من 1965 إلى 1970. وفي خضم هذه المرحلة، وقعت واحدة من أكثر الحوادث إيلاما في تاريخ المعارضة المغربية، حين اختُطف المعارض السياسي المهدي بن بركة، الذي كان قد ترأس أول مجلس تمثيلي بعد الاستقلال كما رأينا في الحلقة السابقة، في باريس بتاريخ 29 أكتوبر 1965، ليختفي أثره إلى الأبد في قضية لا تزال ملابساتها موضع جدل حتى اليوم.
طوال هذه السنوات الخمس، لم يكن للمغاربة أي صوت مؤسساتي منتخب يعبر عن إرادتهم؛ فقد غاب البرلمان كليا، وأُديرت البلاد بمراسيم ملكية مباشرة، فيما استمر القمع السياسي في ملاحقة المعارضين، لا سيما داخل الجامعات والثانويات التي تحولت إلى الفضاء شبه الوحيد المتاح لتنظيم الصفوف السياسية والإيديولوجية المعارضة. ولم تضع الدولة حدا لهذه المرحلة إلا في 31 يوليوز 1970، حين أعلن الملك الحسن الثاني إنهاء حالة الاستثناء وإعادة الحياة السياسية، مقرونة بدستور جديد عرض على استفتاء شعبي واعتُبر تراجعا عن كثير من الضمانات التي كان قد تضمنها دستور 1962، قبل أن تجرى على أساسه انتخابات تشريعية جديدة.
لم تكن العودة إلى “الشرعية” الدستورية والانتخابية كافية لتجاوز حالة عدم الاستقرار العميقة التي كانت تعتمل داخل مؤسسة الحكم نفسها. ففي يوليوز 1971، وبعد سنة واحدة فقط من إنهاء حالة الاستثناء، تعرض العرش لمحاولة انقلابية عسكرية دامية، تلتها سنة واحدة بعد ذلك، في غشت 1972، محاولة انقلابية ثانية استهدفت طائرة الملك نفسها. وفي خضم هذا المناخ المضطرب، أُقر دستور جديد سنة 1972 حمل بدوره تعديلات على التوازن بين السلطات، لكن الحياة النيابية ظلت مع ذلك هشة وغير مستقرة؛ فحسب عدد من المصادر التوثيقية، لم يُكمل أي برلمان منتخب مدته النيابية الكاملة في المغرب حتى سنة 1977، أي طوال أكثر من عقد ونصف من عمر الدولة المستقلة.
تكشف هذه المرحلة، بكل قسوتها، عن الوجه الأكثر تجريدا لإشكالية “الحكومة التي لا تحكم” و”الاصطفاء الذي لا يُفرز مصيرا” التي طرحتها الحلقة الأولى من هذه القراءة. فحين يُعلَّق العمل بالمؤسسات المنتخبة بالكامل لخمس سنوات، ثم تظل هذه المؤسسات، بعد عودتها، عاجزة عن استكمال مددها لأكثر من عقد آخر، يصبح واضحا أن مركز القرار الحقيقي في تلك المرحلة لم يكن يوما داخل قبة البرلمان، بل ظل، منذ اللحظة التأسيسية الأولى، خارجها تماما. وهنا يتجلى بوضوح أن الفجوة بين المعنى اللغوي لكلمة “الانتخاب” -بما هو اصطفاء حر لنخبة تتولى تدبير الشأن العام- وبين واقعه المؤسساتي، لم تكن مجرد قصور إجرائي عارض، بل كانت أحيانا انقطاعا كليا، حين غاب صندوق الاقتراع نفسه لسنوات، وحين ظلت الحياة السياسية، حتى بعد عودته، رهينة توازنات القوة الصلبة لا إرادة الناخبين. هذه السنوات، التي أرّخ لها المؤرخون لاحقا بوصفها المدخل إلى ما سيعرف بـ”سنوات الرصاص”، ستشكل الخلفية المباشرة التي ستحاول الحلقة الرابعة من هذه القراءة أن تتبع تداعياتها على العقدين المواليين، وصولا إلى محطة 1977 التي شكلت أول عودة نسبية للاستقرار البرلماني.