توقفت الحلقة الرابعة من هذه القراءة عند “المسلسل الديمقراطي” ونمط “الحزب الإداري” الذي تكرر سنة 1977 مع التجمع الوطني للأحرار. وقد كان من المفترض أن تشكل هذه العودة إلى الاستحقاقات الدورية منعطفا نحو الاستقرار المؤسساتي. لكن عقد الثمانينيات جاء ليؤكد أن النمط نفسه لم يكن استثناء عابرا، بل قاعدة راسخة، وليشهد في الوقت نفسه ميلاد تيارات جديدة على الساحة السياسية المغربية طرحت على نفسها سؤالا حاسما: هل تدخل هذه اللعبة أم تقف خارجها؟
افتتح المغرب عقد الثمانينيات على وقع أزمة اقتصادية خانقة، تُوجت باحتجاجات اجتماعية واسعة سنة 1981 قوبلت بدورها بقمع دام، في سياق إقليمي ودولي كانت تتصاعد فيه المديونية وبرامج التقويم الهيكلي. هذا الاحتقان الاجتماعي والسياسي شكل الأرضية التي نبتت فيها تنظيمات وتيارات جديدة، إسلامية ويسارية على حد سواء، بحثا عن أجوبة خارج الأطر الحزبية التقليدية التي بدت، بعد عقدين من “المسلسل الديمقراطي”، عاجزة عن تغيير المعادلة الحقيقية للسلطة.
في خضم هذا المناخ، وقبيل الاستحقاقات التشريعية لسنة 1984، تأسس حزب “الاتحاد الدستوري” سنة 1983 بقيادة الوزير الأول السابق المعطي بوعبيد، الذي قَبِل، بحسب ما تناقلته مصادر متعددة، اقتراحا مباشرا من الملك الحسن الثاني لرئاسة هذا التنظيم الجديد. والمفارقة أن هذا الحزب، الذي لم يكن قد أتم سنته الأولى بعد، نجح في تصدر الانتخابات التشريعية لسنة 1984 بثلاثة وثمانين مقعدا، ليتحول بين عشية وضحاها من تنظيم حديث الولادة إلى القوة السياسية الأولى داخل البرلمان. وهكذا تكرر، للمرة الثالثة بعد “الفديك” سنة 1963 والتجمع الوطني للأحرار سنة 1977، السيناريو نفسه بحذافيره: تنظيم يُصنع على مقاس الاستحقاق، فيحصد ثماره قبل أن يراكم أي تاريخ نضالي أو برنامجي حقيقي.
ولم يقتصر الأمر على تكرار نمط “الحزب الإداري”، بل تطورت أيضا أساليب التحكم في النتائج ذاتها. فبحسب رواية منشورة على الموقع الرسمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إذا كانت وزارة الداخلية تكتفي سنة 1977 برفض مراقبي المعارضة في بعض الدوائر أو حرمانهم من أوراق التصويت الخاصة بحزبهم، فإنها انتقلت سنة 1983 إلى أساليب أكثر تطورا: اختيار رؤساء مكاتب التصويت مسبقا، وتحرير محاضر النتائج قبل إجراء الاقتراع نفسه، ومطالبة أعضاء المكاتب بالتوقيع على محاضر بيضاء، بل والتلاعب بالنتائج مجددا على مستوى مقرات العمالات حتى حين تكون سليمة في مصدرها الأول. هذا التطور في أدوات التحكم يكشف أن الفجوة بين الاسم والمسمى، التي تتبعتها هذه القراءة منذ حلقتها الأولى، لم تكن تضيق مع الزمن، بل كانت تزداد إحكاما وتقنية.
في السياق الاجتماعي والسياسي نفسه، كانت تتشكل بالمغرب تنظيمات إسلامية جديدة. فسنة 1981 تأسست “أسرة الجماعة” حول مجلة “الجماعة” التي أشرف عليها الأستاذ عبد السلام ياسين، لتتحول سنة 1983 إلى “الجماعة الخيرية” كجمعية ذات بعد دعوي وسياسي، رفضت السلطات آنذاك الاعتراف بها بدعوى اقتحامها المجال السياسي، قبل أن تتخذ ابتداء من سنة 1987 اسم “العدل والإحسان” الذي عُرفت به لاحقا. وقد اتخذت هذه الجماعة منذ نشأتها موقفا مبدئيا متحفظا تجاه المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية القائمة، لا رفضا مطلقا لمبدأ الانتخاب في ذاته، بل اشتراطا لتحقق شروط موضوعية تجعل من هذه المشاركة ذات معنى: أن تقبل السلطة القائمة فعليا بقواعد اللعبة الديمقراطية وأن تعترف بنتائجها مهما كانت. وهو الشرط الذي رأت الجماعة، عبر عقود متعاقبة، أنه ظل غائبا، فيما اختارت تيارات إسلامية أخرى، ناشئة في المرحلة نفسها، مسارا مغايرا قوامه الانخراط المؤسساتي تحت شعار “التغيير من الداخل”.
وهنا نصل إلى الخلاصة التي تفرض نفسها بعد هذه المحطات الخمس من القراءة التاريخية: إذا كانت الوقائع التي استعرضتها هذه السلسلة، من “الفديك” إلى التجمع الوطني للأحرار إلى الاتحاد الدستوري، تُظهر بثبات لافت أن التنظيم الفائز في كل استحقاق كبير كان يُصنع قبل الاستحقاق، وأن أدوات التحكم في النتائج كانت تتطور وتتقن لا تتراجع، وأن الحكومات المنبثقة عن هذه الصناديق ظلت حكومات لا تحكم بالمعنى الكامل للكلمة، فأي معنى يبقى لدعوى “التغيير من الداخل” حين يظل “الداخل” نفسه محكوما بالقواعد ذاتها التي صنعته؟ إن المشاركة في لعبة تُعرف نتائجها سلفا، أو تُصاغ هوامشها بما لا يسمح بتغيير جوهر المعادلة، لا تحقق تغييرا، بل تمنح هذه المعادلة، في أحسن الأحوال، غطاء تمثيليا يعيد إنتاج شرعيتها دون أن يمسها في العمق. فالانتخاب، بمعناه اللغوي الأصيل الذي افتتحت به هذه القراءة، اصطفاء يفترض أن يفضي إلى سلطة فعلية لمن اصطُفي؛ فإذا انعدمت هذه الثمرة، فقد الفعل الانتخابي وظيفته، وتحول الحديث عن “التغيير من الداخل” إلى دعوى بلا مصداقية طالما بقي الواقع، في جوهره البنيوي، كما هو لم يتغير. وهذا هو بالضبط المنطق الذي حكم خيار الوقوف خارج هذه اللعبة عند من رفضوا دخولها بشروطها القائمة، ليس عزوفا عن الشأن العام، بل رفضا لأن يتحول حضورهم فيه إلى أداة لتجميل واقع ما زال يحتاج إلى تغيير حقيقي لا إلى شهادة زور بأنه تغيّر.