توقفت الحلقة السادسة من هذه القراءة عند نهاية تجربة التناوب التوافقي سنة 2002، وعند الخلاصة التي فرضتها: أن أقرب تجربة إلى الاصطفاء الحقيقي في تاريخ المغرب المستقل لم تفلح في تجاوز السقف البنيوي لموقع القرار. وتأتي هذه الحلقة لتتناول المحطة التي حملت أكبر وعد بتجاوز هذا السقف: دستور 2011 وما تلاه من استحقاقات.
بعد تولي الملك محمد السادس الحكم سنة 1999، شهد المغرب مبادرات إصلاحية متدرجة، من هيأة الإنصاف والمصالحة إلى مدونة الأسرة، لكن البنية العميقة لموقع السلطة التنفيذية الفعلية ظلت كما رصدتها الحلقات السابقة. ومع بداية سنة 2011، وفي خضم موجة الاحتجاجات التي عمت المنطقة العربية عقب سقوط نظامي تونس ومصر، خرجت بالمغرب، ابتداء من 20 فبراير 2011، حركة احتجاجية شبابية واسعة، طالبت بدستور ديمقراطي جديد، وبفصل حقيقي للسلطات، وبملكية برلمانية تنتخب فيها الحكومة من الشعب وتكتفي فيها المؤسسة الملكية بدور رمزي، ورفعت شعارات صريحة طالبت بإبعاد عدد من الشخصيات المقربة من القصر عن دوائر القرار السياسي والاقتصادي.
استجاب الملك محمد السادس لهذه المطالب في خطاب تاريخي ألقاه بتاريخ 9 مارس 2011، أعلن فيه عن إصلاح دستوري شامل يقوي من صلاحيات رئيس الحكومة والمؤسسات المنتخبة ويعزز استقلال القضاء. غير أن مسار صياغة هذا الإصلاح نفسه ظل، شأنه شأن كل الوثائق الدستورية التي تتبعتها هذه القراءة منذ دستور 1962، مسارا فوقيا لا تأسيسيا: فقد عُهد بصياغة مشروع الدستور إلى لجنة استشارية عينها الملك بنفسه ورأسها عبد اللطيف المنوني، لا إلى جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب كما كانت تطالب به حركة 20 فبراير في بعض أدبياتها. وعُرض مشروع الدستور الجديد على استفتاء شعبي بتاريخ فاتح يوليوز 2011، أُعلنت نتيجته بموافقة 98 بالمئة وسط نسبة مشاركة قياسية بلغت رسميا 70 بالمئة، رغم أن حركة 20 فبراير نفسها كانت قد دعت إلى مقاطعة هذا الاستفتاء. ودخل الدستور الجديد حيز التنفيذ في فاتح غشت 2011، حاملا مستجدات لافتة أبرزها ارتقاء التسمية القانونية من “الوزير الأول” إلى “رئيس الحكومة”، والنص الصريح على إلزام الملك بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وهو نص دستوري صريح لم يكن قائما من قبل، ويشكل من حيث المبدأ سدا لثغرة نموذج 2002 الذي مكّن من تعيين إدريس جطو من خارج الصناديق. ومع ذلك، فإن الدستور نفسه احتفظ للملك بصلاحيات واسعة تفوق صلاحيات رئيس الحكومة في مجالات حساسة كرئاسة المجلس الوزاري وقيادة الجيش والإشراف على الشأن الديني والتعيين في مناصب استراتيجية، بما يجعل الحديث عن “انتقال جوهري” للسلطة التنفيذية حديثا يحتاج إلى تدقيق: فالوعد الذي رفعته حركة 20 فبراير بملكية برلمانية كاملة الصلاحيات لصالح الحكومة المنتخبة لم يتحقق، بل جاء الدستور، كسابقيه، هبة من فوق حددت هي نفسها سقف ما يمكن أن يطاله التغيير.
على أساس هذا الدستور الجديد، نظمت انتخابات تشريعية مبكرة بتاريخ 25 نونبر 2011، تصدرها حزب العدالة والتنمية بمئة وسبعة مقاعد، ليعين الملك محمد السادس، تطبيقا مباشرا للقاعدة الدستورية الجديدة، الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة بتاريخ 29 نونبر 2011. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الصعود اللافت للحزب لم يكن ليتحقق بالزخم نفسه لولا مناخ الاحتقان والمطالبة بالتغيير الذي أفرزته حركة 20 فبراير نفسها؛ فرغم أن الحزب لم يكن طرفا منظما في هذه الحركة، ورغم أن قيادة الحركة ظلت في غالبها ذات توجهات بعيدة عن اختياراته، فإن حزب العدالة والتنمية استفاد انتخابيا، أكثر من أي فاعل حزبي آخر، من رغبة الناخب في معاقبة الأحزاب التقليدية التي احتكرت المشهد لعقود، وهو ما يجعل من الصعب فصل صعوده سنة 2011 عن السياق الاحتجاجي الذي مهد له الطريق ولم يكن هو صاحبه المباشر. وقد شكلت هذه اللحظة، من حيث الشكل الدستوري الصرف، أول تجسيد فعلي لمبدأ أن يُترجم صدارة صندوق الاقتراع تلقائيا، وبنص ملزم لا بمجرد عرف سياسي، إلى تعيين في رئاسة الحكومة.
غير أن الاختبار الفعلي لهذا النص الدستوري الجديد لم يتأخر كثيرا. ففي انتخابات أكتوبر 2016، تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج مجددا بقيادة بنكيران نفسه، الذي كُلف دستوريا بتشكيل الحكومة. غير أن مسار التشكيل دخل في مأزق غير مسبوق دام قرابة خمسة أشهر، وُصف إعلاميا بأزمة “المئة يوم بدون حكومة”، تعثرت خلالها المفاوضات مع الأحزاب المحتملة للتحالف الحكومي، إلى أن أُعفي بنكيران من مهمة التشكيل في مارس 2017 ليخلفه في قيادة الحزب ورئاسة الحكومة سعد الدين العثماني. وقد اتهم عدد من قياديي حزب العدالة والتنمية أنفسهم، بحسب ما نقلته صحافة دولية، دوائر نافذة قريبة من القصر بوضع عراقيل متعمدة أمام تشكيل بنكيران للحكومة، فيما حمّلت أطراف أخرى بنكيران نفسه مسؤولية تعثر المفاوضات. وأيا كانت قراءة تفاصيل هذا الملف المختلف عليها، فإن جوهر الواقعة يبقى دالا بذاته: حتى حين يُترجم النص الدستوري الصريح صدارة الصندوق إلى تكليف رسمي بتشكيل الحكومة، فإن هذا التكليف لا يضمن بالضرورة أن يستمر صاحبه في موقعه إلى حين إنجاز المهمة، إذا تعارض ذلك مع توازنات أخرى خارج الصندوق نفسه.
تختزل هذه المحطة إشكالية دقيقة تستحق التمييز: فدستور 2011 مثّل تقدما نصيا لا يمكن إنكاره مقارنة بالوثائق الدستورية السابقة التي تتبعتها هذه القراءة، إذ سد صراحة ثغرة كانت قائمة منذ عقود. لكن أزمة 2016-2017 كشفت أن وجود النص الأفضل، وحده، لا يكفي لضمان أن يُترجم الاصطفاء الشعبي إلى سلطة فعلية غير قابلة للمساس، ما دامت الأدوات غير المكتوبة للتأثير على مسار تشكيل الحكومة، والتي رصدتها هذه القراءة بأشكال متجددة منذ حلقتها الثانية، لا تزال قادرة على العمل حتى في ظل أفضل النصوص. وهذا ما يفتح الباب أمام الحلقة الثامنة من هذه القراءة، التي ستتناول المسار اللاحق لحزب العدالة والتنمية نفسه، من حكومة العثماني إلى الانهيار الانتخابي المدوي الذي عرفه الحزب سنة 2021، بوصفه اختبارا آخر لحدود المشاركة المؤسساتية ذاتها.