ثمة جرائم لا تحتاج إلى سكين.
تكفيها شمعة.
شمعة حمراء صغيرة توضع على مزلاج باب، لا لتضيء عتمة، بل لتعلنها. لا لتمنح الأمان، بل لتنزعه. ثم تنصرف السلطة وقد أدت طقسها البارد، تاركة البيت معلقا بين الحياة والموت، لا هو مسكون بأهله، ولا هو متروك لخرابه الكامل.
في الظاهر يبدو الأمر إجراء إداريا عابرا…
لكن البيوت تعرف أكثر.
تعرف أن الأبواب لا توصد وحدها، وأن الجدران حين تعزل عن أصحابها تبدأ في الذبول مثل كائن حي نزع عنه الهواء. تعرف أن المكان، مهما بدا صامتا، يحمل في داخله ذاكرة الذين عبروا ممراته، وضحكوا في زواياه، وبكوا في لياليه الثقيلة، ثم ظنوا – بسذاجة البشر الجميلة – أن البيت سيبقى وفيا لهم إلى الأبد.
في المغرب، ما تزال بيوت مشمعة منذ سنوات طويلة، أغلقتها السلطة بقرارات إدارية لا يسبقها قاض ولا تعقبها محاكمة. بيوت أخرج منها أصحابها كما تنتزع الصفحة من قلب الكتاب، ثم تُركت واقفة في مواجهة الزمن، تأكلها الرطوبة ببطء، ويأكلها ما هو أشد من الرطوبة: النسيان المقصود.
وفي وجدة، هناك بيت ما يزال ينتظر منذ سنة 2006.
ينتظر بصبر البيوت التي لا تملك قدمين لترحل، ولا لسانا لتحتج.
بيت الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، ما يزال واقفا خلف ختم الشمع، كشيخ طويل الصمت، يرى العالم يتحرك حوله فيما هو عالق عند لحظة الاقتحام الأولى.
والشمعة، في أصلها، ابنة النور.
تذوب لكي تمنح الآخرين بعض الضوء.
لكن السلطة بارعة في قلب المعاني؛ فهي قادرة حتى على تحويل النور إلى أداة عتمة.
شمعتها لا تضيء شيئًا.
إنها تطفئ.
تطفئ دفء العودة آخر النهار، وتطفئ الطمأنينة الصغيرة التي يشعر بها الإنسان حين يلمس مفتاح بيته في جيبه، ويعرف أن له مكانا يأوي إليه مهما قست الحياة عليه.
فالبيت ليس جدرانا وسقفا كما تقول اللغة الجافة للمحاضر الإدارية.
البيت كائن خفي يسكننا أكثر مما نسكنه.
فيه تختبئ النسخة الأولى من أرواحنا: طفولتنا، أصوات الأمهات، رائحة الخبز، ارتباك السنوات الأولى، وضحكات ظننا يومًا أنها ستبقى إلى الأبد.
ولهذا، حين يعتدى على البيت، لا يكون الاعتداء على الملكية وحدها، بل على شيء أعمق بكثير: على شعور الإنسان بأن له جذورا ثابتة في هذا العالم.
والفرق بين الحكم القضائي والقرار الإداري ليس فرقا تقنيا كما يبدو في الأوراق، بل فرق بين عدالة – ولو ناقصة – وبين سلطة تريد أن تفعل الشيء نفسه دون أن تترك بصماتها واضحة.
الحكم القضائي يفترض تهمة، ودفاعًا، ومحاكمة، وإمكانية للطعن.
أما الشمعة الإدارية فلا تحتاج إلى كل هذا العناء. يكفي أن يتخذ القرار في مكان ما، ثم يأتي موظفون يضعون ختما على الباب وينصرفون، تاركين البيت معلقا خارج الحياة الطبيعية، كأنما عوقب دون أن يعرف حتى التهمة الكاملة.
إنها عقوبة ذكية في قسوتها؛ لأنها لا تحدث ضجيج السجون، ولا صور الركام، لكنها تتقن فعل الاستنزاف البطيء.
فالبيوت المشمعة لا تموت دفعة واحدة.
إنها تتآكل على مهل.
الرطوبة تتسلل إلى الجدران كما يتسلل الحزن إلى قلب مهجور. الغبار يتمدد فوق الأثاث. الصور القديمة تبهت ملامح أصحابها. وحتى اللصوص يفهمون الرسالة سريعا: هذا بيت خرج من حماية الحياة.
وعلى الضفة الأخرى من الجرح، في فلسطين، لا وقت لكل هذا البطء.
هناك تصل الجرافات ومعها الديناميت.
الاحتلال لا يشمع البيت، بل يهدمه فوق ذاكرته.
يهدم بيت الأسير وهو ما يزال في زنزانته، كأن السجن لا يكفيه، يعاقب الإنسان عبر أكثر الأشياء التصاقا بروحه: مكانه.
وما يبدو اختلافا في الوسائل، يخفي تشابها عميقا في الفكرة، في الحالتين معا، ثمة سلطة تكتشف أن الوصول إلى الإنسان يصبح أسهل حين ينتزع من بيته، من ذاكرته، من ذلك الركن الصغير الذي كان يعتقد أنه محصن ضد العالم.
غير أن الفارق الجوهري يبقى قائما، فالبيت المشمع، مهما طال حصاره، ما يزال واقفا يحتفظ بإمكانية العودة. ما تزال الجدران موجودة، وما يزال الباب يعرف أصحابه، وما تزال الأشياء في الداخل تنتظر يدا تعيد إليها الحياة، وما يزال هناك أمل في الرجوع عن هذا الظلم.
أما الهدم الاستيطاني فلا يريد إغلاق المكان، بل محوه، يريد أن يجعل المطالبة بالعودة أشبه بالمطالبة بشيء لم يوجد قط، ذلك هو الفارق بين قمع يترك جرحا، ومشروع استيطاني يريد اقتلاع الجسد نفسه من الذاكرة.
وحين يمر الناس أمام هذه البيوت الأسيرة، في المغرب أو فلسطين، فإنهم لا يرون حجارة صامتة كما يظن العابرون، البيوت تحفظ أكثر مما نتخيل، تحفظ خطوات أصحابها، وتعرف أسماءهم، وتنتظرهم بطريقتها الخاصة.
ولعل أكثر ما يربك الطغاة أن الأمكنة، مثل البشر، تملك ذاكرة عنيدة.
لهذا لا يدوم الشمع طويلًا… ولن يدوم.
ولا ينجح الديناميت دائما في مهمته الكاملة، ولن ينجح في كسر جذوة المقاومة والجهاد، بل يذكيها.
فالبيوت التي تغلق بالقوة قد تصبح أكثر حضورا في الوجدان من البيوت المفتوحة، والأماكن التي يراد محوها تتحول، مع الزمن، إلى علامات لا تنسى.
البيت، حين يؤسر، يصبح شاهدا يحكي للأجيال المتتالية ما تعرض له من ظلم، فهل يتراجع المشمعون، ويرجعون البيوت لأصحابها.. أتمنى ذلك.