لقد صار التقاعد اليوم ملفا ملحا للنظر، حيث حظي باهتمام شديد من طرف جل الفاعلين، خاصة بعد صدور مجموعة من الدراسات والتقارير المرتبطة بهذا الشأن، والتي أظهرت حجم وعمق أزمة هذه الصناديق والتطورات الخطيرة التي طالتها في السنوات الأخيرة، في ظل إغفال تام للواقع الاجتماعي المأساوي الحالي.
وعليه، فهذا الموضوع تتداخل فيه أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، لا سيما بعد المقترحات التي طرأت على الساحة لحل معضلة بعض الصناديق وشيكة النفاذ. ولعل من أنشط مقترحات الإصلاح تلك التي تتم على مستوى تقليص المعاشات والرفع من نسبة الاقتطاعات والرفع أيضا من سن التقاعد.
ومن المعلوم أن معظم العمال والموظفين، سواء في القطاع العام أو الخاص، تتشبث أغلبهم برغبة شديدة في الحياة الكريمة لما بعد انتهاء المسار المهني الدؤوب، أملا في غد أفضل، وطموحا إلى حياة جديدة بعد التوقف عن العمل.
حقيقة، توجد العديد من التعديلات الطفيفة لهذه الصناديق، إلا أنها لم ترق إلى مستوى الشمولية في الإصلاح، حيث لم تعدو سوى إجراءات مرحلية مؤقتة لم تسد رمق الأفواه التي أضحت تطالب بالإسراع في معالجة الاختلالات البنيوية التي طالت هذه الصناديق.
وفي الوقت نفسه، صارت تدق نواقيس الخطر حول الوضعية المتدهورة التي تعرفها من ناحية سوء التدبير المالي، مما خلق أزمة وعجزا مهولين يهددان استدامة هذه الصناديق واستثمار احتياطاتها.
وفي ظل هذه الأزمة، هل في مقدورنا أن نتصور دولة قوية وديمقراطية ذات مردودية وفعالية، واقتصادا يتمتع بمناعة وعافية، إذا كان المجال الاجتماعي ممزق الأوصال مفتت المصالح ويعيش حالة من الفوضى والتضارب في القناعات والقيم والسلوكات، وكانت تنهشه الفوارق الاجتماعية؟ وهل بالإمكان أن نجزم بأن رهانات التحديث والتنافسية والمصداقية المؤسساتية قابلة للتحقيق والتجسيد، إذا ظلت المشاكل الاجتماعية دون تدبير ومعالجة؟
وفي هذا السياق نشير إلى أن ضرب المكتسبات لم يعد وصفة لاعتماد إصلاح جديد، بل المطلب الملح هو التركيز على تصور شامل يرتكز على مقاربة توفق بين الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية، وبين حقوق المتقاعدين المكتسبة.
وهكذا، في هذه المرحلة، علينا أن نهتم بالحفاظ على التوازنات المالية بإرادة حقيقية، والاستناد إلى دعامة الحكامة الجيدة، وحسم الأمر مع عهد الخروقات، والبحث عن وسائل ناجعة لمواجهة التحديات الآنية بشتى الآليات، في محاولة لتخفيف العبء على المتقاعدين، والعمل على تقديم تنازلات لصالح التوافقات التي تصب في إطار المصلحة العامة.
ورغم وجود مجموعة من العوائق التي تحول دون التحسين الجذري لأحوال الصناديق، إلا أننا لا يمكن أن ننكر أن المغرب يتميز بوجود كفاءات متخصصة في المجال وذوي خبرات متنوعة، بيد أنه لا يمكن أن ننكر أيضا مساهمة سوء التدبير والتسيير المستشري داخل المؤسسات، في الافتقار لطرق معالجة الأزمات، وضعف أساليب المراقبة والتتبع، وأدوات المحاسبة لتجنب غالبية التجاوزات.
التوازن بين مصلحة المتقاعد والمصلحة العامة
إنها معادلة غير منصفة في ظل وجود سوء تدبير مالي واضح، وضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة، وغياب الحكامة الجيدة، فضلا عن عدم التزام الدولة بالمسؤوليات، لا سيما الدين الحكومي، ثم قصور في الرؤية المستقبلية الاستشرافية، إلى جانب تقليص عدد التوظيفات، وهشاشة الوضع المالي، وضعف مردودية الاستثمارات الخاصة باحتياطات صناديق التقاعد. كل هذا يقابله إصلاحات يتحمل المتقاعد وحده كلفتها وتبعاتها.
كما أن أعباء هذه الأزمة، يلزم السياسات العمومية تحملها، والتوصل لحلول توافقية بين الحكومة والمركزيات النقابية بمقاربة تشاركية فعالة. فاستمرارية صناديق التقاعد رهين بتدبير يترافق مع شفافية حقيقية، والقطع مع سنوات التجاوزات، والحسم في اختيار الهيئات المكلفة بالمراقبة والمحاسبة دون التشويش على الحقوق المكتسبة والخوض في مناقشتها.
إن السياسات العمومية هي حصيلة عمل الدولة وليس الحكومة فقط، فالتوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة يتم الإشراف عليها من أعلى سلطة في البلاد، وعلى أساسها يتم صياغة البرنامج الحكومي والسياسات العمومية والسياسات القطاعية، إلا أن تفعيل خاصية المراقبة والمحاسبة لم ترق للمستوى المأمول، وبالتالي راكمنا سنوات أخرى من الاختلالات التي تجاهلت نوعا ما تحقيق بعض الأهداف المتوخاة من هذه السياسات؛ ومنها تحقيق الأهداف العامة المتمثلة في: العدالة الاجتماعية، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطن، وتعزيز النمو الاقتصادي، ثم التنمية المستدامة..
والجدير بالملاحظة؛ أن الجوانب المرتبطة بالوضع الاجتماعي للمتقاعدين بشكل عام كانت دائما من بين القضايا التي تطرح باستمرار في الحوارات الاجتماعية والنقاشات العمومية، لكن دون اعتبار لهذا المعطى. فكيف إذن ستتم الزيادة في نسبة الاقتطاعات من رواتب الموظفين والعمال وتخفيض المعاشات والرفع من سن التقاعد من 60 إلى 65 سنة في ظل أوضاع اجتماعية يشوبها القلق والنقص؟
ومن ناحية هذا المعطى، ألا يمكن أن تلحق ضررا بليغا بالتوازنات الاجتماعية مستقبلا، لا سيما مع ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة؟ فمن الصعب أن تصمد معاشات المتقاعدين أمام عاصفة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية خاصة وأن سن التقاعد من الضعف بعد القوة. مما يعني أن الأمر يتطلب صياغة إصلاحات ملموسة وواقعية، وأن يتم إدماج العدالة الاجتماعية في صلب إصلاح أنظمة التقاعد، ثم البحث عن حلول جذرية لضمان استدامة صناديق التقاعد.
مداخل الإصلاح والتغيير المنشود
لذلك، كان لا بد من ذكر مجموعة من التدابير التي نعتقد بأهميتها فيما يتعلق بالتخفيف من أزمة هذه الصناديق والحفاظ على حقوق المتقاعدين من قبيل:
– شرعية الإصلاحات تقتضي وجود التوافق والتراضي بين المركزيات النقابية والحكومة.
– استحضار التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسة عند أي اصلاح جذري.
– العمل على تقوية منظومة الحماية الاجتماعية مما يساهم في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
– الإسراع بالإصلاحات البنيوية والهيكلية قبل استنفاد أرصدة الصناديق.
– استثمار احتياطات صناديق التقاعد بمشاريع منتجة مدرة للأرباح الجيدة.
– ترشيد النفقات وإيلاء عناية دقيقة للتوازنات المالية والاجتماعية.
– اعتماد آليات رقابية صارمة وجادة تضمن الشفافية.
– خلق التوازن بين عدد المتقاعدين وعدد المساهمين.
– إيجاد حلول لظاهرة البطالة للرفع من نسبة الانخراطات وتوسيع قاعدة المساهمين.
– توحيد أنظمة التقاعد وإدماجها في صندوق واحد، وذلك بسن إصلاح منظومي يتجاوز الإصلاحات المقياسية الجزئية، وتوظيف المدخرات المؤسسية عبر استثمارها لصالح مستحقيها وفق استراتيجية مضبوطة وتحت إشراف هيئة استثمارية تابعة للصندوق المذكور..
وأخيرا؛ إذا لم تحم الدولة حقوق العمال اضطرب المجتمع، وتضرر الاقتصاد، واستفحلت فرص الاستغلال.
إذن، لابد من التشخيص الدقيق للتحديات التي تواجه هذه الصناديق، ومحاولة التخفيف من حدتها لضمان المحافظة عليها، والتوفيق بين ضرورة مراجعة الأوضاع القانونية والمراقبة لهذه الصناديق، والبحث عن حلول استراتيجية تعيد البوصلة وتقوم المسار.
وتأسيسا على ما سبق، يجب أن توفر الدولة للمتقاعدين حقوقهم الملموسة إضافة إلى حقهم في الكرامة التي يستحقونها لشرف عملهم، فتكون الحقوق العادلة عنوانا على ذلك التكريم وبرهانا.
وعلى الدولة أيضا أن تقدر مصالح هؤلاء وتحميها، وتتجنب الاعتداء على المكتسبات حتى لا تنطمس المصلحة العامة في جشع المصلحة الفردية..
ونختم بكلام ابن خلدون في آثار الظلم والتسلط على الاقتصاد حيث قال في “المقدمة” الفصل 43: “الظلم مؤذن بخراب العمران، واعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب، فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش، كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها… فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتقضت الأحوال وذعر الناس – أي تفرقوا – في الآفاق”.
ومن هنا تأتي الحاجة الملحة للتغيير واعتماد مقاربة توافقية وتوازنية لحقوق وواجبات المتقاعدين، خاصة وأن الدينامية الداخلية للمجتمع المغربي تعرف تحولات عميقة وتغيرات مهمة على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والديموغرافية، ومن ناحية أخرى هو مجتمع أنماط عيشه تتغير بسرعة وتتطلب مقدرة ومعاشا محترما يليق بمستوى عيش المتقاعد وفق متطلبات العصر.