التهجد وقيام الليل: مدرسة الصالحين ومستودع الأسرار الربانية

Cover Image for التهجد وقيام الليل: مدرسة الصالحين ومستودع الأسرار الربانية
نشر بتاريخ

يعد قيام الليل والتهجد بالقرآن الكريم في جوف الليل من أعظم العبادات وأجلّ القربات التي تنيل العبد رضا الله تعالى، وتدخله – بصحبة الربانيين – إلى زمرة المقربين عنده عز وجل، وتدمجه في سلك أهل المحبة. وهو مدرسة ربانية تجتمع فيها عذوبة المناجاة مع هيبة الخلوة، وترتبط فيها القلوب بالقرآن الكريم، وتتزكى فيها النفوس لتثبت على المنهاج النبوي.

1- السر في أمر الله لنبيه بالتهجد بالقرآن

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقيام الليل في سورة المزمل وهي من أوائل ما نزل من القرآن الكريم. وبينت السورة أن المقصد من هذا الأمر هو إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا [المزمل: 4]. جاء في التفسير الوسيط: ((قم – أيها الرسول الكريم – الليل إلا قليلا منه متعبدا لربك، متقربا إليه بألوان الطاعات، فإنا سنلقى عليك قولا ثقيلا، وهذا القول هو القرآن الكريم، الثقيل في وزنه وفي ميزان الحق، وفي أثره في القلوب، وفيما اشتمل عليه من تكاليف، وصدق الله إذا يقول: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر : 21])) 1.

فقد كان قيام الليل إعدادا ربانيا للنبي صلى الله عليه سلم ولنفوس الصحابة لتحمل هذه الأمانة العظيمة؛ أمانة الوحي والرسالة وتبليغ الدعوة. ولأن  الليل هو وقت تجلي الحقائق وصفاء النفس من أكدار الدنيا. كما أن التهجد بالقرآن الكريم ومناجاة الحق عز وجل به هو الزاد الإيماني الذي كان يواجه به النبي صلى الله عليه وسلم أذى المشركين . وفي الليل يتواطأ القلب واللسان لفهم القرآن الكريم وتدبره إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: 6].

2- وراثة السر: من الصحابة إلى الأولياء والصالحين

كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع أصحابه في دار الأرقم؛ يعلمهم القرآن، ويربيهم على مكارم الأخلاق، ويرتقي بهم في مدارج الإيمان والإحسان، ويهيئهم لحمل أعباء الدعوة. وكان من أعظم الوسائل إلى ذلك قيام الليل والتهجد بالقرآن الكريم في جوف الليل. فعلم الصحابة أن النهار للسبح والكدح وأن الليل للتبتل والمناجاة، فكان القرآن زادا لقلوبهم وغذاء لأرواحهم، فثبت في قلوبهم وصاروا به رجالا ربانيين.

ثم أخذ التابعون هذا الإرث ومن بعدهم جيلا بعد جيل من الصالحين والربانيين والعارفين حتى صار قيام الليل علامةً على صدق العبد مع الله، وسرًّا من أسرار الفتح.

3- نماذج من سير السلف: همم عالية

لقد حفلت تراجم السلف بقصص مذهلة في شدة تعبدهم وختمهم للقرآن وتهجدهم به. فقد ورد أن عثمان بن عفّان رضي الله عنه كان يقرأ القرآن في ركعة واحدة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفلٍ قبلها، ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها 2. وجاء عن تميم الداري رضي الله عنه أنه قام ليلة حتى أصبح، أو قرب أن يصبح، يقرأ آية من كتاب الله عز وجل فيركع ويسجد ويبكي أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21] 3. وكان الإمام الشافعي يختم القرآن في رمضان في كل يوم ختمتين، قال الربيع بن سليمان من طريقين عنه: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة. ورواها ابن أبي حاتم عنه، فزاد: كل ذلك في صلاة 4. وروي أن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه كان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياما يعاد، يحسبونه مريضا 5. وكان ابنُ مسعود رضي الله عنه إذا هدأت العيونُ قام فيُسْمَعُ له دَويٌ كَدَويِّ النَّحل حتى يصبحَ 6. وكان الإمام أبو حنيفة يختم القرآن الذي هو كلام الله كل ليلة من أوله لآخره.  وَقَالَ مِسْعَرُ بْنُ كِدَام: (رَأَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ) 7.

4- أهل القرآن هم أصحاب الليل

لقد وصف الله عز وجل أهل القرآن بأنهم كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات: 17]، فهم يسهرون ليلهم مع آيات الله، يتلونها ويتدبرونها ويعيشون معانيها. حالهم مع القرآن في الليل حال المحب مع محبوبه، يأنسون بذكره، ويستروحون بمناجاته، وتفيض أعينهم من خشية الله. قال الربيع بن سليمان : كان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء: الثلث الأول يكتب، والثلث الثاني يصلي، والثلث الثالث ينام 8. فكان العلم والعبادة صنوان لا يفترقان في ليله. وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل” 9. قال العلامة المناوي رحمه الله تعالى: حملة القرآن هم حفاظه الحاملون له في صدورهم، العالمون تلاوته،  العاملون بمقتضاه، وأصحاب الليل هم الذين يحيونه بأنواع العبادة.

5- حال الإمام مع القرآن

ونظرا لكل ما سبق فقد جعل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أول عمل من برنامج (يوم المؤمن وليلته) قيام الليل. قال رحمه الله: “يبدأ المؤمن يومه ساعة، أو سويعة إن تكاسل – ولا ينبغي له – قبل الفجر يصلي الوتر النبوي إحدى عشر ركعة” 10. وجعل عددا كبيرا من لقاءات المؤمنين ومجالسهم بالمبيت ليؤدوا صلاة الوتر النبوي إحدى عشر ركعة جماعة، يأتمون بقارئ يسمعهم القرآن غضا طريا في وقت السحر يناجون به مولاهم ويبتهلون إليه بآياته. وما رباطات الجماعة إلا مدرسة عظيمة لترسيخ معاني قيام الليل والتهجد به.

6- قيام الليل: الحارس الأمين لحفظ القرآن

أخرج الشيخان عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت”.  وزاد مسلم في رواية: “وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه”.

هذا وقد ثبت بالتجربة أن قراءة حزب أو جزء من القرآن الكريم في الليل قياما مما يثبت الحفظ لأن الذهن يكون في أصفى حالاته، والقلب يكون حاضراً.

7- فضائل قيام الليل: كنوز لا تنفد

– دعاء المتهجدين في الليل ربهم خوفا من عذابه وغضبه وطلبا لرضاه ورحمته، فأعد لهم ما تَقرُّ به أعينهم من نعيم الجنة مما لا تعلمه أي نفس، قال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 16-17].

– القيام بشكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة، قالت عائشة ـ رضي الله عنها:  “كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً” [متفق عليه].

– التقرب إلى الله عز وجل ومناجاته وذكره تعالى والتذلل له، فعن عمرو بن عنبسة ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن” [رواه أبو داود والترمذي واللفظ له].

– التعرض لنفحات الله عز وجل واستمطار رحمته وسؤاله الحاجات العظمى في الثلث الأخير من الليل، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له [رواه البخاري ومالك ومسلم والترمذي].

– الخروج من الغفلة والالتحاق بركب القانتين والفوز بالأجر العظيم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين [رواه أبو داود].

– الاتصاف بصفات عباد الرحمن الذين أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان: 64].

– قيام الليل وقت لإجابة الدعاء، روى مسلم عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن في الليل لساعة لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة”.

فمن أراد أن يحيا قلبه بالقرآن، ويثبت في صدره، وتتجمل به أخلاقه، وتزكو به نفسه، فليلتمس هذا الأمر في الليل!


[1] تفسير سورة المزمل من كتاب التفسير الوسيط: 156.
[2] فتح الباري، 2/482.
[3] صفة الصفوة، 1/ 290.
[4] سير أعلام النبلاء، 10/ 32
[5] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، 1/40.
[6] الإحياء، 1/ 419
[7] كتاب مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه: 24.
[8] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، 9/135.
[9] البيهقي، شعب الإيمان، 2447.
[10] يوم المؤمن وليلته، 8.