الجمال بوصفه طريقًا إلى الله.. قراءة في كتاب “الأدب الإسلامي بلاغ وبيان”

Cover Image for الجمال بوصفه طريقًا إلى الله.. قراءة في كتاب “الأدب الإسلامي بلاغ وبيان”
نشر بتاريخ

ليس كل كاتب يختار موضوعه، فثمة موضوعات هي التي تختار أصحابها. والدكتور مصطفى شكري يبدو من هؤلاء. فهو يكشف في مقدمة كتابه “الأدب الإسلامي بلاغ وبيان”، الصادر هذه السنة عن دار إقدام بإسطنبول، أن هذا الكتاب كُتب في الأصل سنة 2005، بعد التزام قطعه أمام الإمام عبد السلام ياسين داخل رابطة الكتبة بإنجاز دراسة حول الأدب الإسلامي من منظور المنهاج النبوي، غير أن ظروفا مختلفة حالت دون نشره في حياة الإمام، قبل أن يصدر سنة 2019.

ولا يورد هذه القصة باعتبارها مجرد تفصيل شخصي، وإنما ليبين أن الكتاب يحمل بعداً وفائياً، ويُعد ثمرة سنوات من المراجعة والتنقيح، وأنه يأتي ضمن مشروع أوسع للتعريف بالإرث الفكري والأدبي للإمام.

الجميل أن الدكتور مصطفى شكري وهو مفتش للغة العربية، حين يفتح أبواب مشروع الإمام عبد السلام ياسين، فإنه لا يطرق باب السياسة، ولا يقف عند عتبة التربية، ولا ينشغل بالسجالات التي أحاطت بالرجل سنوات طويلة، وإنما يسير نحو زاوية أخرى قلّ من التفت إليها؛ زاوية الجمال.

كأنما يسأل بهدوء: هل كان الإمام، وهو يبني مشروعه للتغيير، يلتفت إلى الفن بالقدر نفسه الذي يلتفت به إلى الفكر؟

من هنا يبدأ الكتاب رحلته.

فهو لا يبحث عن نظرية مكتملة في الأدب، لأن الإمام لم يترك كتابًا يحمل هذا العنوان، ولكنه يبحث عن الخيط الرفيع الذي ينتظم كلماته جميعًا، عن الروح التي تسري في شعره ورسائله وتأملاته، حتى إذا تجمعت الشذرات، ظهر وجه آخر للإمام عبد السلام ياسين؛ وجه المفكر الذي لم يكن يرى في الجمال زينة للحياة، بل ضرورة من ضروراتها.

أجمل ما في هذا الكتاب أنه لا يدخل معركة المصطلحات. لا يستهلك جهده في الدفاع عن عبارة “الأدب الإسلامي”، ولا يضيع وقته في الرد على معارضيها. إنه يتجاوز هذا كله، ويسأل سؤالًا آخر أكثر هدوءًا وأكثر عمقًا:

كيف يبقى الأدب أدبًا وهو يحمل رسالة؟

وكيف تحمل الرسالة جمالها دون أن تتحول إلى خطاب مباشر يفقد الفن دهشته الأولى؟

ومن هنا تبدو ثنائية البلاغ والبيان أكثر من مجرد عنوان للكتاب. إنها استعارة كبيرة للعلاقة بين الروح والجسد. فالبلاغ هو أن يصل المعنى، وأن يهتدي القلب إلى وجهته، أما البيان فهو أن يسافر ذلك المعنى في ثوب من الضوء، فلا يبدو ثقيلًا، ولا يفرض نفسه بالقوة، وإنما يتسلل كما يتسلل الجمال إلى الروح.

لهذا يرفض الإمام، كما يقرأه مصطفى شكري، أن يكون الأدب موعظة تمشي على قدمين، كما يرفض أن يكون الجمال قناعًا يخفي فراغًا داخليًا. فالكلمة الجميلة ليست جميلة لأنها مزخرفة، وإنما لأنها صادقة، والكلمة الصادقة لا تكتمل إلا إذا وجدت صورتها التي تليق بها.

ولعل هذا ما يجعل الكتاب، في عمقه، أقرب إلى رحلة في معنى الجمال منه إلى دراسة في الأدب.

إنه يريد أن يعيد الاعتبار لفكرة تكاد تضيع وسط ضجيج العصر؛ أن الإنسان لا يعيش بالحق وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى الجمال الذي يقوده إلى الحق. وأن الفطرة لا تستجيب للأوامر بقدر ما تستجيب للضوء، وأن الفن، حين يظل وفيًا لإنسانية الإنسان، يصبح طريقًا من طرق الهداية، لا لأنه يلقن، بل لأنه يوقظ.

وأنت تطوي الصفحة الأخيرة، تشعر أن الكتاب لم يكن يبحث عن تعريف جديد للأدب الإسلامي، بقدر ما كان يبحث عن شيء أكثر رهافة؛ عن تلك اللحظة التي تتصالح فيها الكلمة مع معناها، والجمال مع الحقيقة، والقلب مع ما خُلق له. وربما لهذا السبب يبدو الكتاب، في جوهره، محاولة لإعادة اكتشاف الإمام عبد السلام ياسين من نافذة لم تكن مفتوحة على اتساعها من قبل؛ نافذة الفن، حيث لا يصبح الجمال ترفًا، بل وجهًا آخر للحقيقة.

هذه أسئلة حاول الكتاب الإجابة عنها:

كيف ينظر الإمام إلى الفن في زمن الهيمنة الثقافية الغربية؟
ما مفهوم الأدب الإسلامي ووظيفته في المشروع المنهاجي؟
كيف يمكن الجمع بين الالتزام الإسلامي والجمال الفني دون السقوط في المباشرة الوعظية؟
قسم المؤلف عمله إلى مدخل وثلاثة فصول مترابطة.

فالمدخل يتناول تكوين الإمام الأدبي ومصادر ثقافته الشعرية، والعوامل التي أسهمت في بناء شخصيته الإبداعية.

أما الفصل الأول فيبحث في مفهوم الفن، ويناقش موقف الإمام من الأزمة الحضارية للفن المعاصر، ومن فكرة “الفن للفن”، ليقدم تصور “الفن البديل” بوصفه فناً منطلقاً من الفطرة وموجهاً لخدمة الإنسان.

ويخصص الفصل الثاني لمفهوم الأدب الإسلامي ووظائفه، حيث يبين أن الأدب ليس مجرد وسيلة دعوية، وإنما خطاب يجمع بين التربية والجهاد والتغيير الحضاري.

ثم يأتي الفصل الثالث لمعالجة قضية الجمال الفني، وهي أهم فصول الكتاب، إذ يحاول المؤلف إثبات أن الإمام لا يضحي بالجمال لصالح الرسالة، وإنما يرى أن البلاغ القرآني والبيان النبوي يقدمان نموذجاً لوحدة الشكل والمضمون، وبذلك يتجاوز الثنائية التقليدية بين “الفن الهادف” و”الفن الجميل”.

وقد صرح المؤلف بأنه اعتمد أكثر من منهج بحسب طبيعة الموضوع، منها:

المنهج التاريخي في تتبع التكوين الثقافي للإمام.
المنهج الوصفي التحليلي في قراءة نصوصه النظرية.
المنهج المقارن عند مناقشة تصوره للفن مقارنة بالاتجاهات النقدية الأخرى.
كما يستثمر أدوات التحليل البلاغي والأسلوبي والإيقاعي في قراءته للنصوص الشعرية.
وهذا التنوع المنهجي يعكس رغبة المؤلف في تقديم دراسة تجمع بين التأصيل الفكري والتحليل الأدبي. في فقرة ماتعة أنهى بها كتابه يقول:

“إن السقوط في الفنية من أجل الفن محذر ومزلق، والسقوط في المباشرة السطحية التقريرية محذر ومزلق.

إنه لابد من صياغة فنية جمالية للمضمون الإيماني من أجل أدب رسالي إنساني إسلامي حر واع مسؤول بعيد عن دغدغة الغرائز البهيمية، ومن أجل أدب يعلي الطيب من الأخلاق بالجمال الأسمى والبهاء الأسنى.

أدب إيماني إحساني، أدب مسؤول ملتزم رسالي، أدب واضح جميل في جوهر لبه الدلالة على الله وكنهه نصرة دين الله، هو ما يشكل العناصر الرئيسية الأساسية في أي إبداع جدير بالإسلامية مستحق لها”.

من يعرف الدكتور مصطفى شكري عن كثب، يوقن أن عبارته الختامية المأثورة في مداخلاته الشفوية هي: “والله أعلى وأعلم”. وإذ نُنهي اليوم مقاربتنا لمتن هذا الكتاب، نردّد ذات الكلمة، عرفاناً بحدود المعرفة البشرية، واعترافاً بعلم الله الذي لا يحيط به شيء: والله أعلى وأعلم.