على الرغم من أن الباطل يسخر كل قواه وإمكاناته متحالفًا مع المستكبرين والمتسلطين في محاولة لإحكام الحصار على دعوة الله وبث صورة قاتمة عن الواقع والمستقبل، إلا أن أخطر أدواته اليوم تتمثل في الإعلام بجميع أشكاله. فالإعلام يسعى إلى نشر اليأس، وتضخيم التفاهة، وتشويه الوعي، وإعطاء قراءات مغلوطة للواقع والمستقبل، عبر أدوات كثيرة منها صناعة نجوم زائفين، أو من يدّعون معرفة الغيب، فيقومون بنشر أخبار وتصورات تُضعف روح المبادرة وتُقعد الإنسان عن العمل الفعّال، والتلاعب بالأخبار والحقائق…
ولمواجهة هذه التحديات، يصبح العمل الجاد لمواجهة هذه القوى باستخدام الوسائل نفسها أمرا ضروريا، لكن بعيدًا عن التقليد الأعمى، عبر نشر الوعي، وبث الأمل، واستعادة المعنى، وتفكيك خطاب اليأس، وبناء خطاب بديل يعزز الثقة بالله سبحانه وتعالى وبسنة التغيير المستمرة.
وفي هذا الإطار، يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الخير باقٍ في هذه الأمة إلى قيام الساعة، وأن الأمل لا ينقطع مهما اشتدت الفتن، كما ورد في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) 1.
يعكس هذا الحديث أهمية العمل مع اليقين والأمل حتى في أصعب الظروف، وحتى عندما تبدو كل المؤشرات معاكسة، بل وحتى عند اقتراب النهاية كما تبدو. كما يشكل وعد النبي صلى الله عليه وسلم بعودة الخلافة على منهاج النبوة حافزا إيمانيا وتاريخيا يرسخ الاعتقاد بأن المستقبل للحق، وأن الخير قادم لا محالة، وأن دور المؤمنين ليس مجرد انتظار النتائج، بل أن يكونوا أسبابا لتحقيق هذا الوعد وركائز صادقة في مسار التدافع التاريخي.
ورغم أننا نعيش في عالم يختلط فيه الحابل بالنابل، وتتراكم فيه أسباب الإحباط واليأس نتيجة الظلم المستشري والتخطيط الماكر الذي يسعى لترسيخ فكرة سيطرة الباطل، فإن هذا التصور يتناقض تماما مع ما يدعو إليه الدين الحنيف. فالإسلام لا يربّي أتباعه على الاستسلام للواقع أو القبول بالهزيمة، بل يجعل انتظار الفرج عبادة، ويقرنه بالأخذ بالأسباب، باعتباره سنة راسخة في التغيير والنصر. وهو دين يدعو إلى امتلاك القوة بمعناها الشامل:
– قوة داخلية إيمانية تحرّر الإنسان من الخوف واليأس.
– قوة فكرية وإدراكية وتدبيرية تمكّنه من قراءة الواقع، وترويض المعطيات، واستثمار الإمكانات لتغيير الموازين.
وبهذا الفهم المتكامل، يصبح الصراع مع الباطل مرحلة من مراحل التدافع المستمر؛ قد يتقدّم فيها الباطل أحيانا، لكنه يظل ضعيفا في جوهره، محكوما بالاضمحلال والتراجع مع مرور الزمن، متى وجدت إرادة الحق، واستقام العمل، وثبت اليقين بوعد الله وسننه التي لا تحابي.