الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب: فجوة عميقة بين “شعارات” الدستور و”قسوة” الواقع

Cover Image for الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب: فجوة عميقة بين “شعارات” الدستور و”قسوة” الواقع
نشر بتاريخ

نظم “الفضاء المغربي لحقوق الإنسان” ندوة رقمية سلطت الضوء على واقع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، مساء الأربعاء 15 أبريل 2026، مع التركيز على “الحق في السكن” نموذجا تطبيقيا لهذا المسار.

هذه الندوة الحقوقية التي أدارها الحقوقي محمد الصروخ، عضو المكتب المركزي للفضاء، ناقش المتدخلون فيها؛ التناقض الصارخ بين المبادئ الكونية والدستورية التي تضمن كرامة المواطن، وبين الممارسات الميدانية التي تتجلى في الهدم، والإخلاء القسري، وتشميع البيوت لاعتبارات سياسية. مؤكدين أن المعضلة لا تكمن فقط في النصوص القانونية، وإنما في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتحويل هذه النصوص إلى واقع ملموس يحمي المواطن من “تغول” السلطة ولوبيات العقار.

منجيب: تطور في الأدبيات وتراجع مهول في الممارسة منذ الثمانينات

ويرى الحقوقي والمؤرخ الدكتور المعطي منجيب أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تستمد روحها من الإرث الحضاري القائم على قيم المساواة والعدل، وهي حقوق لا يمكن فصلها عن الحقوق المدنية والسياسية. وأشار إلى أن المغرب، رغم مصادقته على العهود الدولية، شهد تراجعا بنيويا ابتداء من سنة 1983 مع برنامج “التقويم الهيكلي”، حيث سيطرت الليبرالية المتوحشة على حساب الطبقات الهشة، ويأتي دستور 2011 ليؤكد هذا التراجع بشكل قانوني ودستوري للدولة عن التزاماتها الاقتصادية والاجتماعية.

واعتبر منجيب أن المغرب يعاني من ظاهرة “أدبيات الرفوف”، حيث تُنتج تقارير ونماذج تنموية جيدة لكنها تظل حبرا على ورق وتقرير الخمسينية أكبر نمودج على ذلك. وانتقد بشدة “حكومة الأوليغارشية” الحالية التي يرى أنها تفتقر للإرادة السياسية لتفعيل الحقوق، مستشهدا بعمليات هدم المنازل في الرباط لصالح مشاريع نخبوية ضيقة، وتشميع بيوت المناضلين كنوع من الانتهاك المشترك للحقوق المدنية والاجتماعية.

أمينة سايسي: تشميع البيوت جريمة استحدثتها السلطة التنفيذية خارج رقابة القضاء

ومن جهتها أكدت الدكتورة أمينة سايسي الباحثة في المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، أن الحق في السكن تقره اتفاقيات وقوانين وعليه إجماع دوليا ووطنيا، ويشمل حماية الفرد من الطرد التعسفي وضمان خصوصيته. ورصدت السيسي صورتين بارزتين لانتهاك هذا الحق في المغرب: الأولى تتعلق ببرامج القضاء على السكن غير اللائق التي تتم دون مقاربة تشاركية أو احترام للمساطر القانونية، ما يؤدي لتشريد الأسر في ظروف قاسية.

أما الصورة الثانية، فتتمثل في “تشميع بيوت” المعارضين السياسيين، حيث اعتبرت سايسي أن السلطة التنفيذية استحدثت “جريمة الانتماء” وعقوبة “التشميع” خارج نطاق القانون. وشددت على أن هذا الإجراء يضرب مبدأ “فصل السلط” و”الشرعية”، كونه تدبيرا وقائيا قضائيا في الأصل، لكن السلطة الإدارية تستخدمه كأداة للبطش السياسي وتشريد الأطفال والنساء.

لفناتسة: الدستور تملص من ضمان النتائج وحول الحق في السكن إلى سلعة خاضعة للسوق

وضمن مداخلة الأستاذ عبد الله لفناتسة، عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قدم قراءة نقدية مقارنة لدستور 2011، موضحا أن الدولة استبدلت عبارة “التعهد بالضمان” الواردة في العهود الدولية بعبارة “تيسير أسباب الاستفادة”. هذا التغيير اللغوي يعني، حسب لفناتسة، أن الدولة تملصت من مسؤوليتها عن “النتائج” وألقت بالمواطن في مواجهة مباشرة مع “لوبيات العقار” وغلاء السوق دون حماية حقيقية.

ويرى لفناتسة أن المشكلة في المغرب سياسية بامتياز وليست قانونية، بدليل أن الدولة هي أول من ينتهك قوانين الحريات العامة والشغل والضرائب، التي نرى فيها استثناءات واضحة، بما يؤكد أن المغرب ليس بلد قانون. وأشار إلى أن عمليات الهدم الحالية والاعتداء على القدرة الشرائية تأتي بالتوازي مع “إغلاق الفضاء العام” وقمع الاحتجاجات، مما يكرر منطق “الاستبداد” حيث يصبح القانون وسيلة للتعسف وليس لحماية الحقوق.

وعلي: تشميع بيوت العدل والإحسان عمل خارج القانون يفتقد لأدنى معايير التناسب

وفصل الناشط الحقوقي والمحامي بهيئة الرباط إدريس وعلي ضمن مداخلته، في قضيي هدم بيوت المواطنين في الرباط والدار البيضاء وغيرهما، ثم تشميع بيوت أعضاء “جماعة العدل والإحسان”، مؤكدا أنها بدأت منذ سنة 2006 بقرار سياسي خارج إطار القانون، وهو إجراء ظالم ضمن عدة إجراءات تعرضت لها الجماعة وأعضاؤها وقياداتها ومرشدها. وأوضح وعلي أن التشميع كإجراء إداري له حالات حصرية في قانون التعمير في الحالات التي تكون في طور البناء، أما تشميع بيوت مأهولة ومكتملة فهو انتهاك صارخ لحرمة المسكن وحق الملكية.

وانتقد وعلي استناد السلطة إلى ظهير التجمعات العمومية لتبرير التشميع، مؤكدا أن القانون لا يجرم “التجمعات الخاصة” داخل البيوت، وحتى في حال المخالفة فإن العقوبة لا تتعدى الغرامة المالية. وخلص إلى أن استمرار تشميع أزيد من 14 بيتا لعقود هو قرار “تمييزي” يفتقر لمبدأ التناسب، ويشكل جريمة “إفراغ قسري” مكتملة الأركان تضع شعارات “دولة الحق والقانون” على المحك.