الدخول المدرسي.. ضبابية في الرؤية وارتباك في التدبير

Cover Image for الدخول المدرسي.. ضبابية في الرؤية وارتباك في التدبير
نشر بتاريخ

تلقت المنظومة التربوية والتعليمية المغربية صفعة قوية تزامنا مع الدخول المدرسي الجديد 2026 – 2027، بعدما كشفت نتائج تقرير (PISA 2025) الصادر عن منظمة (OECD) يوم 8 شتنبر 2026، عن تراجع أداء التلاميذ المغاربة البالغين 15 سنة في المواد الأساسية مقارنة بدورة 2022. حيث سجل المغرب 321 نقطة في القراءة بتراجع 18 نقطة، و355 نقطة في الرياضيات بتراجع 10 نقاط، و358 نقطة في العلوم بتراجع 7 نقاط.

وتعد المؤشرات المرتبطة بمنظومة التربية والتكوين، إحدى أهم مؤشرات قياس نجاعة السياسات العمومية وقدرتها على الاستجابة لتطلعات الساكنة وللتحديات والرهانات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك لاعتبارات عدة أهمها كونها مجالا اجتماعيا تنعكس فيه مختلف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وبعدا تنمويا ترتكز عليه كافة السياسات الرامية لتحقيق الإقلاع الاجتماعي والاقتصادي فضلا عن شمولها لعموم المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية مما يجعل اختلالات السياسات المرتبطة بها تنعكس على جميع المواطنين أفرادا وأسرا.

وفي هذا السياق، يعتبر الدخول المدرسي محطة وطنية واستراتيجية مفصلية؛ فهي من جهة تقيس مدى جاهزية المنظومة التربوية ونجاعة الإجراءات المتخذة من أجل تنزيل الإصلاحات الموعودة. ومن جهة أخرى، تبرز مستوى الرضى العام لدى المواطنين بشأن السياسات الاجتماعية عموما، لا سيما وأن الحكومات المتعاقبة ما فتئت تربط -في خطاباتها على الأقل- عددا من تدخلاتها الاجتماعية بمنظومة التربية والتكوين كما هو حال منظومة الدعم الاجتماعي، فضلا عن أن الدخول المدرسي، بما يرتبط به من أعباء اقتصادية وتطلعات لدى الساكنة مرتبطة بمستقبل أبنائهم، يشكل مجالا تنعكس فيه مستوى القدرة الشرائية للأسر المغربية وآثار السياسات الاقتصادية والاجتماعية فيها.

وعلى الرغم من الخطاب الرسمي للحكومة، ممثلا بشكل أساسي فيما يصدر عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة الوصية على القطاع، يروج لاتخاذ  جملة من الإجراءات الرامية لضمان انطلاقة فعلية وناجحة للدراسة في مواعيدها المحددة، وتأكيدها على حرصها على توفير الظروف اللازمة من أجل ضمان تكافؤ الفرص وتحقيق “مدرسة ذات جودة للجميع”، إلا أن معطيات الميدان ترسم واقعا آخر عنوانه الأبرز جملة من الإكراهات والتعثرات البنيوية المتداخلة، آثار بعضها احتجاجات لدى فئات فاعلة يفترض أن تتم تعبئتها بشكل سليم في تنزيل الإجراءات المعلنة. وهو الوضع الذي يجعل التصريحات الرسمية في واد غير واد الواقع الحقيقي للمنظومة. ويهدف هذا التقرير إلى تقديم تشخيص مدمج ومتقاطع لهذه الاختلالات عبر أربعة أبعاد أساسية هي: البعد السياسي، والبعد التدبيري والبعد الاجتماعي والبعد التربوي البيداغوجي.

1.      البعد السياسي وسؤال الرؤية

في الوقت الذي تروج فيه البيانات الصادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة للانتقال للمرحلة الثالثة من توسيع مدارس الريادة، والتي تعتبرها الإطار الناظم لرؤية إصلاح المدرسة المغربية وتجاوز تدني مؤشرات المردودية الداخلية لمنظومة التربية والتكوين، تبرز حيثيات الدخول المدرسي الحالي وما شهده من احتقان؛ عددا من مظاهر الاختلال في السياسات العمومية المرتبطة بالقطاع.  فإذا كان الحوار القطاعي يشكل مدخلا أساسيا لضمان تعبئة الموارد البشرية للقطاع باعتباره الرافعة البشرية لتحقيق الإصلاح، فإن الدخول المدرسي الحالي أبرز أن هذا الحوار لم يستطع أن يؤدي وظيفته التعبوية.

وفي هذا السياق، يلاحظ أن إحدى أبرز سمات الدخول المدرسي الجاري هي التوتر حيث سجل استمرار احتجاجات عدد من الفئات الرئيسية من الشغيلة التعليمية لاسيما أطر هيئة الإدارة التربوية التي أعلنت مقاطعتها لعدد من المهام والعمليات الأساسية، وذلك على خلفية عدم الاستجابة لمطالبها التي نوقش أهمها في الاجتماع القطاعي شهر فبراير 2025، والتلكؤ في تسوية الوضعيات المالية والإدارية المتأخرة، وصيغ التنزيل الفردي للمراسيم والنصوص التنظيمية. ومعهم أطر التفتيش الذين أعلنوا عدم رضاهم عن الكيفية التي تُنزَّل بها مقتضيات النظام الأساسي، فضلا عن أطر هيئة التوجيه والتخطيط الذين يحتجون على عدم وفاء الوزارة بالتزاماتها المنبثقة عن جولات الحوار القطاعي مع النقابات الأكثر تمثيلية وخاصة اجتماع 21 نونبر 2025، وعلى التضييق الذي يطال فئات منهم لا سيما مفتشي التخطيط والتوجيه الذي حرموا من ممارسة مهاهم وفق النظام الأساسي، علاوة عن التذمر العام في صفوف الأساتذة بسبب عدم تفعيل الاتفاقات المبرمة بين النقابات التعليمية الأكثر تمثيلية والوازرة  لا سيما فيما يتعلق بالتعويض التكميلي، وتقليص ساعات العمل، والتعويض عن العمل في المناطق النائية، فضلا عن توفير شروط العمل التربوي داخل المؤسسات التعليمية وعلى رأسها الحد من ظاهرة الاكتظاظ والكف عن إفراغ العملية التعليمية من بعدها التربوي وتحويلها إلى مجرد عمليات تقنية  تستزف الأستاذ وتحوله إلى ربوت لا يكاد ينتهي من عملية تقنية حتى ينتقل إلى أخرى.

وإلى جانب هذه الاختلالات المرتبطة بالموارد البشرية، يسجل على الإجراءات والتدخلات المعلن عنها من طرف الوزارة الوصية على القطاع هوسها بالهاجس الزمني والرقمي. فالمتتبع للبيانات الرسمية يجد أنها تركز بشكل كبير على المقاربات الإحصائية من خلال ضبط نسب الغياب، وتتبع الجدولة الزمنية الصارمة للعمليات المتفرعة لا سيما فيما يرتبط بمدارس الريادة، واعتبارها المعيار الرئيس لنجاح الدخول المدرسي. وإذا كان هذا التركيز موضع انتقاد من طرف الفاعلين التربويين ومراقبي السياسات العمومية باعتباره تغييبا لمعالجة المشاكل الجوهرية للمنظومة ومحاولة للتغطية عن غياب العمق التربوي في السياسات التربوية للحكومة، فإن أخطر ما فيه هو ما يشكله من استنزاف للمجهود التربوي في عمليات إجرائية تستنزف جهود الفاعلين التربويين وتثقل كاهلهم وتهدر موارد عامة كان ينبغي أن توجه لعمليات تربوية أكثر جدوى.

 وإذا كانت هذه المؤشرات تؤكد افتقاد صانع القرار لرؤية واضحة بشأن الأولويات الحقيقة والفعلية للقطاع، وارتهانه لهاجس الاستجابة لمطالب وتوصيات المؤسسات المانحة لا سيما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإنها تكشف أيضا حقيقة أخرى تجعل الخطاب الرسمي المرتبط بقطاع التربية والتكوين مجرد كلام موجه للاستهلاك الإعلامي. ويتعلق الأمر بضعف، بل تراجع، المقاربة التشاركية. فمما يسم الدخول المدرسي الحالي هو استمرار استبعاد الفاعلين التربويين الداخليين، والتراجع عن إشراك الشركاء الاجتماعيين والميدانيين في صياغة القرارات الكبرى لتنظيم الموسم الدراسي. وإذا كان من النتائج العملية لهذا الوضع هو ضعف التعبئة المجتمعية حول المدرسة العمومية، فإنه يفسر حالة الاحتقان الذي تعرفه المنظومة والتي أشرنا لبعض مؤشراته أعلاه.

2.      البعد التدبيري وسؤال الحكامة

لا تقتصر اختلالات الدخول المدرسي في الجوانب المتعلقة بتدبير الموارد البشرية وما نتج عنه من توتر في صفوف العاملين، ولا في أعطاب منظومة الدعم الاجتماعي وما نتج من نزيف مستمر وتفشي ظاهرة الهدر المدرسي بشتى أشكاله، وإنما تمتد إلى البعد التدبيري وحكامة المنظومة. وفي هذا الإطار، تبرز ثلاث قضايا تجعل الخطابات المعلنة مفارقة للواقع بشكل فاضح. ويتعلق الأمر بتأخر وتعثر أوراش التأهيل والبنية التحتية، وسوء توزيع الموارد البشرية، والارتباك في تنزيل ورش “مدارس الريادة”.

فعلى صعيد تأهيل المؤسسات التعليمية، تسجل العديد من المؤسسات تعثرا في الأشغال واستمرارا لعمليات البناء في عدد لا يستهان به، بشكل ينبئ بإمكانية استقبالها للتلاميذ في المدى المنظور فضلا عما يشكله ذلك من إعاقة لشرط الأمان والاستقرار في البيئة التعليمية. وإلى جانب ذلك تعرف العديد من المؤسسات نقصا في عدد الحجرات الدراسية بالمقارنة مع أعداد التلاميذ، وهو ما يشكل عاملا إضافيا مساهما في ظاهرة الاكتظاظ وغياب التوازن بين المؤسسات التعليمية من حيث عدد التلاميذ في الأقسام. وهذا عنوان آخر لانعدام تكافؤ الفرص بين التلاميذ ضمن التعليم العمومي، في مقارنتهم بنظرائهم في التعليم الخصوصي.

وعلى صعيد توزيع الموارد البشرية، لا يزال التفاوت والاختلال السمة الأبرز كما هو الحال في المواسم السابقة. فالمتتبع لا يخفى عليه التفاوت الكبير وانعدام التوازن في توسيع الموارد البشرية لا سيما من أطر التدريس والأطر الإدارية المساعدة لهيئة الإدارة التربوية سواء بين المؤسسات التعليمية أو بين الأسلاك التعليمية أو بين المجالات الحضرية والقروية.  ففي الوقت الذي تسجل فيه العديد من المؤسسات الحضرية فائضا كبيرا في المدرسين نجد أن غالبية المؤسسات التعليمية في الأوساط القروية تعاني خصاصا مهولا. وفي الوقت الذي تعرف فيه مسالك التعليم الثانوي تكتلا للأطر الإدارية المساعدة لا تجد مثل هذه الأطر في المؤسسات الابتدائية لا سيما منها تلك التي توجد في الوسط القروي. ولا يقتصر الأمر على توزيع الأساتذة بل امتد إلى أطر الإدارة التربوية حيث تعرف العديد من المؤسسات التعليمية لا سيما في البوادي غيابا لأي إطار إداري منتم لهيئة الإدارة التربوية بما في ذلك المدير، وهو ما سعت الوزارة لتجاوز تداعياته الخطيرة بشكل ارتجالي عن تكليف أساتذة من المؤسسات المعنية للاضطلاع بمهام الإدارة التربوية، بعد ضم أقسامهم، وذلك في ضرب فاضح للأنظمة الجاري بها العمل، وفي غياب أي تكوين أو مصاحبة. وإذا كان لهذا من توصيف فلن يكون غير القول: إن التدبير لدى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ومصالحها لا يزال غير مهتم بالتفاوتات المجالية، ويعطي اهتماما لأسلاك دون أخرى لاعتبارات لا علاقة لها بالتربية بما هي حق للمواطن.

أما مشروع مدارس الريادة، والذي تسوقه الوزارة باعتباره موطن إنجازاتها المتراكمة زعما، فيلاحظ أن تنزيل هذا المشروع -وعلى غرار مشاريع أخرى مثل التعليم الأولي- لا يزال تحت ضغوط تدبيرية هائلة تفوق القدرة اللوجستية للمديريات الإقليمية على توفير وعرض العُدد البيداغوجية والوسائل الديداكتيكية اللازمة في وقتها المحدد. وعلى هذا الصعيد، يلاحظ بشكل جلي أن معظم الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين لم تستطع توفير العدد البيداغوجية وأجهزة العرض والحواسيب بالجودة المطلوبة وفي الوقت المطلوب، كما سجل عدم قدرة المديريات الإقليمية على مواكبة الإصلاحات المرتبطة بهذه الأجهزة لا سيما في المؤسسات التي انخرطت في المشروع في سنواته الأولى. ولا تقتصر المشاكل المرتبطة بهذا المشروع على الجوانب اللوجيستيكية بل تمتد لتشمل ضغط العمليات وكثافتها وهيمنة المقاربة التقنية عليها وهو ما أفقدها فاعليتها التربوية وحولها إلى أعباء إضافية عوض أن تكون إضافة تربوية من شأنها أن تساهم في الرفع من المردودية الداخلية للمدرسة.

ورغم ان الوزارة تُعزي الفوارق في التأهيل والجاهزية أساساً إلى تأخر إطلاق بعض طلبات العروض المتعلقة بالطباعة والتجهيز على مستوى بعض الأكاديميات، إلا أنه بناءً على التقارير الميدانية المرافقة لوتيرة التوسيع السريعة لمشروع مدارس الريادة تبرز ملامح التعثر الميداني بسبب ضغط التوسيع الكبير والانتقال السريع نحو التعميم ما وضع عددا من الأكاديميات أمام تحدي تجهيز آلاف الحجرات بالمساليط الضوئية والحواسيب قبل 7 شتنبر، مما جعل حوالي 20% إلى 30% من المؤسسات الجديدة تبدأ بـبنيات ناقصة.

 ولعل أبرز الجهات الأكثر تأثراً بالتعثر اللوجستي والميداني على سبيل المثال لا الحصر؛ جهة طنجة – تطوان – الحسيمة (تعثر لوجستي قروي/جبلي)، خاصة بعض المديريات التي واجهت تعثراً واضحاً في إنهاء أوراش الصيانة في موعدها بسبب صعوبة التضاريس وتأخر المقاولين. وفي بعض المجموعات المدرسية بالوسط القروي، بدأت الدراسة وسط استمرار عمليات الصباغة وإصلاح المرافق الصحية، وهو ما تخوفت منه جمعيات الآباء وأصدرت بلاغات استغاثة قبل الدخول المدرسي بأسابيع قليلة بسبب عدم جاهزية الحجرات المخصصة للنموذج الرقمي الجديد.

كما تعرف جهة مراكش – آسفي تأخر صفقات التهيئة والبناء ونقص الحاصل في العتاد البيداغوجي والتكنولوجي في المؤسسات التي أُدرجت حديثاً في خطة التوسيع.

وتنضاف جهة الدار البيضاء – سطات بمعدلات اكتظاظ تتجاوز 40 تلميذاً في الفصل الواحد ببعض الإعداديات. وتعثر في توفير الكراسات…

3.      البعد الاجتماعي وسؤال العدالة الاجتماعية

إلى جانب الاختلالات التي رافقت تدبير ملف الموارد البشرية والعلاقة مع الشركاء، اتسم الدخول المدرسي الجاري بمجموعة من الإشكالات التي تنسف الشعارات المعلنة بشأن الإعداد الجيد له كما تؤكد على ارتجالية السياسات الاجتماعية المرافقة، والتي ما فتئت الحكومة والوزارة الوصية تؤكد عليها باعتبارها رافعة للدولة الاجتماعية. ويتعلق الأمر بشكل أساسي باستمرار استنزاف القدرة الشرائية للأسر، ومحدودية خدمات الدعم الاجتماعي، وما نتج عن ذلك من نزيف الهدر المدرسي.

 

صورة أرشيفية

ففيما يتعلق بالقدرة الشرائية، لا زالت الأسر المغربية تشتكي من تكلفة اقتناء الكتب المدرسية التي تشكل عبئا ماديا ضاغطا يجهد العائلات لا سيما المنتمية إلى الطبقتين الفقيرة والمتوسطة. وهو ما يحول محطة الدخول المدرسي من مناسبة تربوية إلى أزمة مالية حقيقية يعسر التعافي من تداعياتها، لا سيما وأن نسبة لا يستهان بها من الأسر تضطر -في ظل غياب خيارات ذات جودة في التعليم العمومي- لتسليم أمرها لافتراس مؤسسات التعليم الخصوصي المتناسلة، والتي لا تنضبط لأية معايير غير تحقيق مزيد من الأرباح ولو على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.

وفيما يتعلق بخدمات الدعم الاجتماعي، سجل الدخول المدرسي الجاري خصاصا ونقصا نوعيا في البنيات الداعمة لا سيما الداخليات، والمطاعم المدرسية، سواء من حيث عدم توفر ما يكفي من الأسرة في الداخليات وفي دور الطلبة والطالبات، أم من حيث اهتراء بنيتها المادية وتجهيزات عدد منها. ولم تسلم  خدمة النقل المدرسي من اختلالات تتعلق أساسا بضعف تغطيتها للمجالات القروية، والاكتظاظ الذي تعرفه الحافلات بسبب قلة عددها في العديد من الخطوط رغم الزيادات المطردة في أعداد التلاميذ فضلا عن اهتراء عدد من الحافلات، وافتقاد السائقين لتكوين تربوي مواز ينسجم وطبيعة مجال اشتغالهم وغياب مرافقين يسهرون على النظام داخل هذه الحافلات، وهو ما جعل عددا من الأسر تضطر للاستغناء عن خدمات النقل المدرسي  واستبدالها بحلول ذاتية مكلفة ماديا ومن حيث الجهد والوقت، وذلك  لتفشي ظواهر غير أخلاقية مثل التدخين وتعاطي المخدرات والتحرش وغيرها من الممارسات الماسة بكرامة الطفولة البريئة.

 هذه الاختلالات تفضي إلى نتيجة خطيرة لا يمكن التغاضي عنها وتكشف عنها بشكل مقلق أرقام الوزارة الوصية ذاتها. ويتعلق الأمر بظاهرة الانقطاع عن الدراسة بشكل مبكر وتحديدا لدى الفتيات بالأرياف والأطفال في وضعية إعاقة أو هشاشة شديدة. وقد تحولت هذه الظاهرة إلى نزيف بنيوي مستمر يهدد مستقبل التنمية في البلد لا سيما في المجالات القروية حيث تتدنى مؤشرات التنمية الاجتماعية. وهو ما يعني مزيدا من توسيع الفوارق الاجتماعية بين القرية والمدينة وتفويتا لفرص الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي في مجال أحوج ما يكون إلى الاعتماد على أبنائه في تحقيق التنمية.

4.      البعد التربوي وسؤال الجودة

لا تقتصر تأثيرات الاختلالات التي رصدها هذا التقرير على الجوانب التي أشرنا إليها أعلاه، بل تتعداها إلى جوهر المنظومة، أي بعدها التربوي والبيداغوجي، وهي اختلالات تمتد آثارها إلى المستقبل. ونظرا لصعوبة الإحاطة بهذه التأثيرات المتعددة، فإننا نكتفي هاهنا بذكر ثلاثة من مظاهر الاختلال التي تسم الدخول المدرسي الجاري. ويتعلق الأمر بظاهرة الاكتظاظ، واتساع الفوارق التعليمية، وتأخر التكوين الأساس.

تتعلق أهم النتائج البنيوية والخطيرة لتظافر هذا الرصد على مستوى تدبير الموارد البشرية وتأهيل البنية التحتية التعليمية ومحدودية منظومة الدعم الاجتماعي، وضغط تكاليف التمدرس على ميزانيات الأسر في تفاقم ظاهرة الاكتظاظ البنيوي؛ ففي ظل تدهور القدرة الشرائية للمواطنين بسبب السياسات الاقتصادية والاجتماعية المجحفة، تفاقم نزوح التلاميذ من القطاع الخاص نحو التعليم العمومي. وقد أدى هذا الأمر في ظل محدودية العرض المدرسي العمومي مع توالي السنوات إلى تحول ظاهرة الاكتظاظ الشديد داخل الأقسام إلى ظاهرة بنيوية تسم المنظومة التربوية. وقد زاد من حدة هذه الوضعية في هذا الموسم ما وقفنا عليه من تأخر في تأهيل البنيات وعدم إتمام انجاز عدد من المؤسسات. وهو ما أدى إلى إدماج مؤسسات ثانوية في مؤسسات ابتدائية وإدماج مؤسسات ابتدائية في أخرى حيث يعمل طاقم مؤسستين في عدة حالات في مؤسسة واحدة أو يتم اللجوء إلى اعتماد التوقيت الثلاثي في مؤسسات الابتدائي ما يعني استفادة تلاميذ هذه المؤسسات من أقل من نصف الزمن الدراسي المفترض أنه يشكل الغلاف التربوي الطبيعي.  ولا يخفى ما سيترتب حتما على هذه الوضعية من إعاقة لجودة التعلم ومن صعوبات ترتبط بمهام التأطير الميداني.

صورة أرشيفية

هذه الظاهرة وغيرها من الاختلالات تنتج واقعا يضعف المردودية الداخلية والخارجية للمنظومة التربوية ويقضي على مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص ويوسع من الفوارق التعليمية سواء على المستوى المجالي أو فيما بين الطبقات والأحياء داخل المجال الحضري. وفي هذا السياق، وكما هو الحال في المواسم الأخيرة، يواجه المدرسون تحدي وجود مستويات متباينة جدا وهشاشة حادة في الكفايات والمهارات الأساسية (كالقراءة والكتابة) داخل الفصل نفسه، مما يستنزف أسابيع التقويم التشخيصي دون أن يتمكن الأساتذة من تقليص الفوارق التعليمية بين المكتسبات الفعلية والمكتسبات القبلية المفترضة لبناء التعلمات الجديدة. وهذا ما يؤدي إلى تحويل حالة عدم التمكن من المكتسبات الفعلية إلى حالة بنيوية لا سيما في الأوساط القروية التي تعرف ضعفا بينا في ساعات الدعم التربوي على الرغم من أنها الأحوج إليها بحكم ضخامة الفوارق بين التعلمات القبلية المفترضة والمكتسبات الفعلية أثناء الدخول المدرسي.

وإلى جانب هذه الاختلالات التي يمتزج فيها كونها نتيجة للارتجالية في التدبير وفي بناء السياسات التعليمية وتنفيذها وكونها أسبابا تعمق أزمة المنظومة، يسجل الدخول المدرسي الجاري في بعده التربوي والبيداغوجي تأخرا في انطلاق التكوين الأساس سواء بالنسبة للأساتذة في المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين حيث لم يتم بعد إطلاق مباراة الولوج بله الشروع في التكوين وهو ما يعني حرمان أساتذة المستقبل من اكتساب ما يكفي من الخبرات والمهارات للولوج للمهنة. وإذا علمنا أن هؤلاء سيتم تعيين أغلبهم في العالم القروي يتأكد أن نتائج هذا الوضع هو مزيد من توسيع الفوارق التعليمية مجاليا، حيث تتحول السنوات الأولى إلى تدريب يفتقر لما يكفي من المصاحبة في ظل محدودية أعداد أطر التفتيش التربوي التي تعاني أساسا من الإثقال بعمليات إجرائية تشغلها عن التأطير التربوي والمهني للأساتذة الجدد. وينطبق ما قيل عن تكوين وتأهيل أساتذة المستقبل على تكوين وتأهيل باقي الأطر من باقي الهيئات التي تعد التشكيل البشري للمنظومة التربوية.