الذكر حياة القلوب

Cover Image for الذكر حياة القلوب
نشر بتاريخ

يعد الذكر في حياة المؤمنة بمثابة الهواء في جسم الإنسان، فهو المحرك النشط للعبادات والطاعات، بغيابه لا يمكن للقلوب أن تحيا وتنشرح.

إن في الجسد مضغة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب 1. القلب ذاك العضو الصغير الذي يضخ الدم المحمل بالأكسجين إلى أعضاء الجسم وكافة الأنسجة، هو نفسه يضخ غذاء الروح إلى كافة الجوارح.

وكما أن لكل كائن حياة ونفس، فإن للقلوب كذلك حياة، وجبت العناية بها والحفاظ على طمأنينتها وتثبيت سكينتها، فمن سكن قلبها بذكر الله تعالى سكنت جوارحها، وتحركت للعمل الصالح منشغلة به، وتلك معادلة متوازنة لا غبن فيها.

 فإذا شحنت القلوب بالأذكار، شحذت الإرادات وقويت العزائم، وصبرت المؤمنة نفسها مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، هذه المعية التي إليها يرجع فضل السعي إلى مرضاة الله تعالى ونيل رضاه، لا سيما عندما تتضح الوجهة وتستقيم البوصلة عند يقظة القلب.

إن أقسى أنواع السقوط وأشده هو وقوع الإنسان في الغفلة والإعراض عن ربه، في دنيا هي ليست بدار قرار، مع أن الله تعالى قد حذرنا في سورة الأعراف حيث قال سبحانه وتعالى: وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الآية 205]. غير أنه كلما قوي تعلقنا بمطالب الدنيا وزخرفها، كلما غفلت قلوبنا، وأعرضت عن الحق عز وجل رغم التذكير والوعظ، وهنا تبرز أهمية ديمومة ذكر الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار، فهو الحصن الحصين والواقي من الغفلة المدمّرة، كونه يجلي صدأ القلوب ويسهم في تنقيتها من النكتات السوداء، وإعادة هيكلتها على المحبة والخير والطمأنينة.

وعليه، فإن المؤمنة الذاكرة لله تعالى على الدوام، منشغلة بالتقرب والزلفى، حاضرة معه سبحانه وتعالى قلبا وقالبا ظاهرا وباطنا، تغدو غير ساهية عن ذكره وشكره، حيث تكون واعية بأن كل عمل تقوم به يقربها من الله تعالى، تجدد النية فيه بقلب مستقيم لا يجد الشيطان إليه منفذا. لأن الدافع هو قوة تأثير الذكر على النفوس والقلوب، فالذاكرة لله تعالى لها قلب مشحون بنور الله تعالى، فأنى للشيطان أن يتسلط على قلبها وهي ملازمة للأذكار والأوراد السنية المأثورة، ذلك أن قلب الإنسان يحيا بذكر الله تعالى، فيستيقظ من الغفلة المهلكة والمدمرة لكل حبل متين مع الله تعالى.

لقد ميزنا الله عز وجل عن الحيوان بالعقل، وحبانا نعما كثيرة، تستوجب الشكر والتفكر فيها، وتوظيفها في الغرض المخصص لها دنيويا، فنعمة العقل تتطلب منا السؤال والبحث والتمكن من المعرفة بالله تعالى، إلا أن العجز المعرفي والتسويف يضعفان الصلة بالله تعالى، مما ينتج عنه الفتور في العلاقة بين العبد وربه، والتقصير في الاستعداد للآخرة. فاللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم.

وكما أن لكل إشكال مخرجا، فإن أهم ما يبعد المؤمنة عن آفة الغفلة، هو استحضار الموت في حساباتها الدنيوية، فكم من مرة ذكرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر هادم اللذات، بمَ تنفعني غفلتي عند دفني في التراب؟ في تلك اللحظة لا دنيا تجدي نفعا لي ولا أوهاما تشفع لي ولا هوى يعينني على حسرتي يوم لا ينفع الندم.

فهيهات هيهات وقت الاستنجاد في المثوى الأخير وقد بلغ الوقت نهايته! فلا مؤنس يؤنس سوى عملك الصالح يؤازرك في وحدتك، وكتاب الله تعالى يشفع لك، ويزيل وحشتك ويثبت فؤادك.

إن النفس التي تسكن بين جنبينا لنفس مراوغة محبة للشهوات والكسل، فإن لم تجاهدها وتقاوم نزعاتها وتصبر على حدتها، إنك إذن لضائع في غيابات الجب، مقيد الأيدي لا تستطيع حراكا نحو المسير إلى الله تعالى، فاللهم ترويضها على الذكر لتهذيب الروح وتزكية القلب حتى تعتاد حضور الله تعالى دوما، لتضعف شوكة الغفلة، حتى لا يجد الإنسان سكينة إلا في ذكر الله تعالى.

وعليه، لا مناص من القول إن القلوب لا يمكنها تذوق طعم الطمأنينة بغير ذكر الله تعالى، مصداقا لقوله تعالى أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]، قلوب غذاؤها وروحها وعلاجها الذكر بأنواعه، وبغياب هذا الأخير تقسو وتضطرب وتسكنها الهموم والأحزان والآلام النفسية والكروب.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.


[1] عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))؛ متفق عليه.