الربيع العربي دروس وعبر

محتويات المقال
- 01سياقات الربيع العربي:
- 02الربيع العربي: دروس وعبر
- 03ونقف مع مجموعة من الدروس والعبر:
- 041. الأنظمة العربية والثورة المضادة:
- 052. الربيع العربي والدعم الخارجي رهان خاسر:
- 063. القوى العلمانية والديموقراطية:
- 074. توظيف الحقل الديني:
- 085. أصالة الحركة الإسلامية:
- 096. الحوار والتوافق المجتمعي لتدليل صعوبات المرحلة الانتقالية:
- 107. درس الإعلام:
- 11الإسلاميون والحكم في ظل الربيع العربي:
- 129. المرأة في الربيع العربي: كم عددي ومرجعية مشوشة
سياقات الربيع العربي:
أبانت سياقات الربيع العربي ومآلاته على أنه ليس حدثا تاريخيا منفردا بل هو عملية تغيير حضاري مستمر في الزمن، وإعادة بناء مجتمعي شامل وليس مجرد تغيير سياسي في هرم السلطة.
وتجتاز الأمة العربية اليوم مرحلة دقيقة من تاريخها المعاصر بدءا بتوالي ثورات الربيع العربي وانتقالها من تونس إلى مصر ثم ليبيا واليمن، وشكلت التجربة السورية بداية تغير المسار إلى ثورات مضادة، تجلت في أبشع صورها في الانقلاب العسكري في مصر.
الثورة المضادة تقودها بكل وضوح أنظمة عربية كانت تنتمي سابقا إلى ما يعرف بمحور الاعتدال، خوفا من أن تهز رياح الربيع العربي عروشها وتلقي بها في مزبلة التاريخ، وتآزرها قوى الاستكبار العالمي التي لا يخدم مصالحه الاقتصادية قيام دول وطنية قوية ومستقلة في اتخاذ قراراتها، ضاربة عرض الحائط بكل المبادئ الإنسانية والقيم الحضارية.
والمستفيد الأكبر من انحصار مد الربيع العربي إلى باقي الدول العربية والمخاض الأليم الذي تعيشه مصر وسوريا، هو الكيان الإسرائيلي الذي ليس من صالحه قيام دول مجاورة قوية تهدد وجوده.
ورغم تحالف كل هذه القوى لثني الشعوب العربية عن ركوب موجة الربيع العربي، فإن كل الأسباب التي قادت إلى الثورات منذ أواخر عام 2010 لم تزل بعد قائمة، بل هي آخذة في التعمق والتجذر أكثر. أضف إلى ذلك أن روح التغيير العربية هذه المرة أعيدت صياغتها وبلورتها من جديد ودخلت عناصر جديدة على المعادلة. فالناس لديهم القدرة والقابلية الآن لأن يموتوا ويضحوا من أجل حريتهم.
الربيع العربي: دروس وعبر
إن مسارات الربيع العربي بكل تفاصيلها ومنعرجاتها جديرة بوقفات للتأمل العميق واستخلاص الدروس والعبر، فكل مبررات الربيع العربي لا زالت قائمة والرغبة في الانعتاق لا تزيدها الأحداث إلا تجذرا ويستحيل على أية قوة مهما توفر لها من إمكانات وغطاءات أن تستأصلها أو تتجاهل قوتها. قد تطول مدة الحراك وتكبر التحديات وتكثر المعيقات، لكنها قطعا لا توقف حركة التغيير بل تزيد الشعوب قوة وخبرة وتماسكا وفهما للواقع وإدراكا عميقا لما يعتمل داخلها من قوى وما يتحكم فيها من مصالح.
ونقف مع مجموعة من الدروس والعبر:
1. الأنظمة العربية والثورة المضادة:
لم تقف الأنظمة العربية مكتوفة الأيدي أمام عدوى الربيع العربي، بل عملت بكل ما أوتيت من إمكانات على إيقاف مده، بل سعت إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وكأن الربيع العربي لم يكن، وهكذا ما إن استفاقت من هول صدمة نجاح الثورة في تونس ومصر وليبيا، حتى عملت على وأد الثورة في البحرين وخروج اليمن بنصف ثورة، وبتدخلها في سوريا أطالت أمد الاستنزاف من أجل أن لا تنتهي نهاية مشرفة تمنح دفعة لربيع العرب، وتشكل درسا لمن يفكر في الثورة، وعرجت بالانقلاب العسكري في مصر في انتظار تطبيق نفس السيناريو في تونس وغزة.
2. الربيع العربي والدعم الخارجي رهان خاسر:
أثبتت الثورات العربية نفاق الغرب فيما يسمى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فالمنطقة العربية هي منطقة صراع ونفوذ عالمي بين القوى العالمية المختلفة، والمنطقة مستهدفة يراد لها أن لا تستقر، وشعوب المنطقة هي التي تدفع ثمن هذا الصراع .ولا يخدم مصالح العالم الغربي قيام دول قوية غير تابعة له سياسيا واقتصاديا، ولهذا فالشعوب الحية هي التي تعول على إرادتها من داخلها بالتغيير السلمي الإيجابي الذي يحفظ كرامتها، ويجنبها ويلات الفتن والحروب الأهلية .
3. القوى العلمانية والديموقراطية:
من مفارقات المرحلة، أن يصبح العلمانيون دعاة الدولة المدنية ودولة الإنسان والقانون والحريات العامة والشخصية والمواطنة والحقوق، بين عشية وضحاها، من أعتى مؤيدي النظام الدكتاتوري، مما يشي عن قصور وعجز عن تقبل الآخر وتقبل مشروعه، وهذا عين العقلية الاستبدادية المراد إسقاطها.
4. توظيف الحقل الديني:
أظهرت ثورات الربيع العربي توظيف الفتاوى الدينية من قبل نظم الحكم في الوطن العربي بطريقة تخدم مصالحها، وأن بعض المؤسسات الدينية لا تمثل وجهة نظر الإسلام في البعد السياسي بقدر ما تمثل وجهة نظر القائمين عليها، وأنها لا تعدو أكثر من كونها جهة تابعة للسلطة تبرر لها سلوكها، وأنها ليست لديها الاستقلالية في إصدار الفتوى ، وتعد إحدى مؤسسات السلطة القائمة حيث يتم تعيين القائمين عليها حسب معايير السلطة، وليس بطريقة الانتخاب من بين العلماء الذين يملكون أدوات الاجتهاد، لذلك يلاحظ وجود تعارض وتضارب في الفتاوى بين الفتاوى التي تمثل الاجتهاد الحر المستقل، وبين الفتوى التي تمثل وجهة نظر المؤسسة التي تتبع السلطة القائمة في الدولة.
5. أصالة الحركة الإسلامية:
أثبتت الثورات العربية أن الإسلام ما زال المحرك الرئيسي لشعوب العالم العربي، وأنه قوة كامنة في النفوس، وأنه سر نهضة الشعوب الإسلامية بما لديه من طاقات قادرة على تغيير واقع الشعوب رغم عمليات التغييب، والتشويه، والإقصاء، والتضييق، وتجفيف منابعه.
بروز الإسلاميين كقوة سياسية ومجتمعية متجذرة في واقعها وقادرة على الحشد الطبيعي وسط المجتمع وتحريك الملايين لنصرة مواقفها وقضاياها، ومدافعةً، على الديمقراطية والحرية عكس خصومها، ويستحيل على أية قوة مهما توفر لها من إمكانات وغطاءات أن تستأصلها أو تتجاهل قوتها.
على حملة مشروع الأمة من جماعات إسلامية الوعي بواجب التقارب والتعارف والتفاهم والتعاون في لحظة الرخاء لبناء قوة إسلامية قادرة على حماية الأمة من الانزلاقات والانهيارات الحادة وأن يرصوا الصفوف بنضج أكثر، بعيدا عن الأستاذية والهيمنة، ووعي أقوى بالمرحلة ويستمروا في اكتساب المصداقية عند الشعب المستضعف، خاصة إذا علمنا أن نهاية الأنظمة الاستبدادية والوراثية أمر حتمي وواقع مقضي دون أن تمنع هذه النهاية من صمود شرس لدى قيادة الثورة المضادة، وهي قيادة تتسم جملة بأخلاق فاسدة ونوايا حاقدة.
6. الحوار والتوافق المجتمعي لتدليل صعوبات المرحلة الانتقالية:
هي مرحلة التحول والانتقال من النظام السلطوي إلى النظام الديمقراطي، وهى عملية معقدة للغاية تشير إلى التحول في الأبنية، والأهداف، والعمليات التي تؤثر على توزيع وممارسة السلطة السياسية، حيث تعتبر المرحلة الانتقالية بمثابة مرحلة وسيطة بين مرحلتين الأولي هي مرحلة سقوط النظام وهي مرحلة سابقة لها والثانية مرحلة استكمال الإطار الدستوري للدولة و ترسيخ الديمقراطية لتصبح اللعبة الوحيدة التي يحتكم لها الجميع أو الانتكاس بالتحول لسلطوية أو شبه سلطوية أو للفوضى أو لانقسامات وحروب.
تدبير المرحلة الانتقالية يستدعي كثيرا من التروي والمداراة والحزم والتشاور والتنازل البنّاء. ومن أسس تدبير المرحلة بنجاح إشراك جميع الغيورين من أبناء الوطن وجميع النزهاء رغم الاختلافات الايديولوجية في تحمل المسؤولية. والتأسيس لحوار جامع بين مكونات المجتمع، والتأسيس لمقاربة تشاركية مشتركة بين جميع أطياف المجتمع، والبحث عن المشترك ونسج توافقات وتحالفات مجتمعية من أجل تدبير هذه المرحلة الانتقالية بعيدا عن منطق البحث عن المنافع والمكاسب السياسية الضيقة، والتي لا يمكن الحديث عنها إلا بعد التأسيس لدولة مدنية وديمقراطية تستوعب وتؤسس للقواعد والآليات الديمقراطية التي يجب أن يحترمها الجميع.
تكثيف النقاش حول قضايا النظام السياسى للحكم، كتابة دستور جديد، ودور المؤسسة العسكرية فى المرحلة الانتقالية وما بعدها، وكيفية الإدارة المؤسسية لحوار وطنى موسع حول المرحلة الانتقالية والديمقراطية، ودور المجتمع المدني، وتحديات إصلاح المؤسسات الحكومية والعامة، وغيرها.
إن الديمقراطية والانتخابات ما لم تستند إلى أسس واضحة لطبيعة الدولة وقيمها الضامنة لحقوق الإنسان فإنها من الممكن أن تتحول إلى مصدر جديد للاستبداد والفساد عنوانه دكتاتورية الأغلبية.
من المهم أن يتفق الجميع على وضع أسس عقد اجتماعي للدولة التي تمنع العودة إلى دولة التغلب من جديد.
7. درس الإعلام:
أثبتت الثورات بما لا يدع مجالاً للشك دور وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي في تحريك الناس، وفي صناعة الرأي العام، وفي توعية الشعوب بحقوقها من جهة، ومن جهة أخرى أثر وسائل الإعلام في إحداث حالة من التقاطب المجتمعي وتأجيج الصراعات، وفي إيقاظ النزعات الطائفية والفتن بين الشعوب فيما بينها عبر التركيز على موضوعات ذات حساسية لدى فئات متعددة من الشعوب العربية. كما كانت وسيلة ناجعة في بث سياسة التضليل والتمجيد والتوجيه والتحريض والتخدير، وغيرها من أساليب التأثير.
الإسلاميون والحكم في ظل الربيع العربي:
تعيش التيارات الإسلامية الناشطة في الدول التي شملتها رياح الربيع العربي، انتقالا على حين غرة من المعارضة القوية إلى المشاركة في تدبير الشأن العام في بعض الدول، وتولي هذه المهمة بشكل منفرد في أخرى. مما يحتم عليها ضرورة التأقلم مع الوضع الجديد واعتماد أساليب مبتكرة تقطع مع مناهج المعارضة التي اعتمدها الإسلاميون في الوطن العربي على مدى عقود خلت، وإثبات جدارتهم بالوصول إلى السلطة، ومصداقية خطاباتهم، كما تواجه التنظيمات الإسلامية ذات الطابع السياسي تحديا كبيرا يتعين عليها كسبه في زمن قياسي، ويتجسد في إحداث ثورة داخلها على نحو يجعلها قادرة على مسايرة المستجدات وملاءمة خطابها مع مرحلة ما بعد الربيع العربي.
وأبدت المرحلة نجاعة خيار المشاركة في الحكم وليس الانفراد بتحمل المسؤولية لاسيما والأوضاع كارثية، والفقر محيط، والشعب مخدر، والإعلام موجّه مسعّر يتحيّن أدنى هفوة.
يعمل النظام الاستبدادي على إقصاء الرأي الآخر وعدم السماح له بالمشاركة لا في الحكم ولا في إدارة شؤون البلاد، مما يصعب الأمر على القائمين على المرحلة الانتقالية لعدم وجود التمرس الكافي بمقاليد الحكم، لذا يجدر الاستعانة بذوي الخبرة من أصحاب المروءات وعدم التركيز على الولاءات، وإغلاق الباب بصفة نهائية أمام رجالات الدولة العميقة.
9. المرأة في الربيع العربي: كم عددي ومرجعية مشوشة
يبقى ملف المرأة مقياسا مهما لمعرفة إن كان ما يسمى بالربيع العربي هو لحظة تغيير حضاري باتجاه إعادة بناء مجتمعي شامل أم هو مجرد تغيير سياسي في هرم السلطة لا أكثر.
فالمرأة في دول الربيع العربي شاركت ومن أول يوم في الحراك الشعبي، ولم تقتصر المشاركة النسوية على التظاهر الجماعي، بل تجاوزته إلى مستوى المشاركة الفردية الفاعلة وهناك عديد من الأسماء التي سجلت حضورها. ورغم هذا الحضور الفاعل والسبّاق أحيانا، ورغم أن الشعارات التي رفعتها الثورات العربية كانت تدور حول الحرية والمساواة فإن تجليات حضور المرأة في مسارات الربيع العربي كان قاصرا:
· فالمشكلة الرئيسية، في قضايا المرأة، لا علاقة لها بمجرد الاعتراف بحقوق المرأة، ولكن بتفعيل دورها في الشأن العام: الحزب والحياة السياسية، والاجتماعية...· فتح نقاشات فقهية جانبية لا تخدم المشروع الإسلامي: (زواج القاصرات، التعدد...)· نقص في الحضور النوعي للقيادات النسائية الإسلامية مما يسم المشروع الإسلامي بمعاداة المرأة، وحصرها في الأدوار التقليدية.الافتقار إلى مشروع مجتمعي يبوأ المرأة المكانة الحقيقية التي ارتضاها لها الإسلام.تراجع في المكتسبات السياسية عما كان قبل الثورة: (التمثيلية في البرلمان، حقوق المرأة المضمونة في الدساتير القديمة).النساء هن أكثر من يدفع ثمن تحول الصراعات إلى عنف وحروب.
وخلاصة القول: الإسلام لا يمثل عائقا أمام تطور المرأة باتجاه المشاركة الفاعلة والمساواة، لكن كل المشكلة تكمن في نظرة كل طرف للإسلام وطريقة تأويل النصوص المؤسسة.






