المدينة المغربية بين التأهيل الحضري والاقتلاع الاجتماعي

Cover Image for المدينة المغربية بين التأهيل الحضري والاقتلاع الاجتماعي
نشر بتاريخ

تعيش عدد من المدن المغربية على وقع الجرافات وهي تباشر الهدم وعائلات تغادر مساكنها وتشهد انهيار منازلها أمام أعينها، مشاهد أصبحت تؤثث فضاء العديد من الأحياء وتدخل ضمن التفاصيل اليومية، ومما يدعو للتساؤل أن دائرة الهدم وإفراغ أحياء من سكانها جد متسعة ومنتشرة بشكل يدعو للقلق.

المسؤولون يبررون هذا الواقع من منطق التحديث والتأهيل الحضري بإنجاز مشاريع كبرى؛ طرق، مرافق عمومية، تجهيزات حضرية، أو مشاريع استثمارية واقتصادية. وما يستتبعها من تشغيل لسياسات إعادة التهيئة، ونزع الملكية، والهدم وإعادة البناء، ضمن إطار قانوني يفترض أنه قائم على مبدأ المنفعة العامة.

لكن من جهة أخرى يطرح سؤال الاستقرار الاجتماعي والحق في المدينة، فالتأهيل الحضري لا يتم في فراغ، بل يلامس في العمق حياة فئة عريضة من المواطنين، ويهدد استقرارهم وامتدادهم الاجتماعي ومصادر رزقهم وسهولة الولوج للخدمات الاجتماعية، إنه ليس فقط تغيير سكن بل اقتلاع من نمط حياة كامل وانتزاع من محيط اجتماعي اقتصادي في قلب المدينة إلى آخر على الهامش.

فهل ثمن التأهيل الحضري هو زيادة حدة تهميش الفقراء؟ ولماذا على الفئات الهشة تحمل هذه التكلفة؟ وأين شعارات التنمية البشرية مما يحدث؟ وهل التنمية تقاس بالمؤشرات الكبرى فقط؟ أم في صلبها قدرة المواطن البسيط على العيش الكريم داخل المدينة؟

كان الخطاب الرسمي، منذ إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، يقوم على: محاربة الهشاشة، تقليص الفوارق، صون الكرامة، الإدماج الاجتماعي، جعل الإنسان محور التنمية، أي أن التنمية لم تقدم فقط باعتبارها نموا اقتصاديا بل تحسينا لشروط عيش الإنسان، فكيف ترجمت هذه السياسة التنموية في المغرب؟

على مستوى الخطاب الرسمي نجد دائما الحديث عن محاربة الهشاشة، الإدماج وفك العزلة، السكن اللائق، تسهيل الولوج للمرافق العمومية، العدالة الاجتماعية. لكن على مستوى الواقع نجد سياسات تعميرية تزيد من التهميش والإقصاء والعزلة، بل مشاريع التنمية تأتي على حساب الفئات الهشة وهم من يدفعون ثمنها.

فعملية إعادة الإسكان لا تترجم عدالة اجتماعية وإنصافا للمتضررين، فحتى عندما يوجد  تعويض مالي فهو غالبا يحسب بقيمة العقار لا قيمة الحياة الاجتماعية المرتبطة بالمكان، بينما السكان يفقدون القرب من العمل، شبكات التضامن، المدارس، الاقتصاد المحلي، الذاكرة الجماعية.. وهذه لا تقاس بسهولة بالقيمة المادية، إضافة إلى الترحيل إلى مناطق معزولة، قليلة الخدمات، ضعيفة من حيث شبكة النقل، بعيدة عن مصادر الرزق.. ففي بعض الحالات قد تتحسن جودة السكن، لكن قد تتدهور شروط العيش اليومية أو فرص العمل. في حين أن من يستفيد فعلا من التنمية هم المستثمرون والطبقات الميسورة والسياحة والمضاربة العقارية، وهذا ما يسمى بالتنمية الإقصائية.

وحتى على مستوى الإشراك في عملية تنزيل السياسات العمومية، نرى في نموذج إخلاء الأحياء من ساكنتها أن المواطن مغيب في أمر جد حيوي يخص حياته اليومية واستقراره، بحيث لا يخبر إلا في آخر لحظة ويطلب منه مغادرة مسكنه دون مراعاة لأي مقدمات أو إخبار إعدادي قبلي أو سياسة تواصلية تشرح وتطمئن وتوضح، فتصبح العملية وكأنها إجلاء قسري وتهجير …

وهذا ما يسائل في العمق فحوى السياسة التعميرية في المغرب، التي تتسم بالغموض والفجائية والسرعة  والفوقية، وغير مطمئنة اجتماعيا، ولا تبني ثقة اجتماعية حول معنى المشروع ومصير الناس داخله، فتتحول إلى مصدر خوف واحتقان.

ويزيد من منسوب الاحتقان، التحولات التي يعرفها المجال القانوني المرتبط بالعقار والتوثيق، والتي لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات الحضرية، فالتوثيق ليس مجرد إجراء تقني، بل هو بوابة مركزية لشرعنة الملكية وتدوير رأس المال العقاري.

في هذا السياق، يمكن ملاحظة اتجاه عام نحو تعزيز دور التوثيق العصري (الموثقين)، وتقليص دور العدول تدريجيا في بعض المجالات العقارية، وتوسع حضور الوساطة القانونية المرتبطة بالاستثمار. وهذا التحول لا يندرج فقط ضمن تحديث تقني، بل هو مسار في نزاع حول من يملك الشرعية القانونية والاجتماعية لتوثيق معاملات الناس.

وهذا المنحى قد يفهم منه أنه خطوة استباقية استعدادية لفتح مجال العقار على مصراعيه أمام الاستثمار الأجنبي، وطبعا في أولوياته، مع الكيان الصهيوني، والمؤشرات قوية على ذلك. فالتطبيع يشتغل على عدة مستويات حيوية، ومن ضمنها تسهيل الاستثمار وامتلاك الأرض وشراء العقار، وفي هذا الاتجاه تأتي خطوة تقليص صلاحيات العدول في التوثيق العقاري، واتفاقية التعاون بين هيئة الموثقين المغاربة ونقابة المحامين الصهاينة.

هذه المعطيات تجعلنا أمام تحول عميق ومخيف في بنية المدن المغربية، وما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في مشاريع معزولة، بل هو مسار متكامل يعيد تشكيل البنية البشرية للمدن المغربية، وهذا ما يثير مخاوف بشأن مستقبل السيادة العقارية، خاصة في ظل تسارع التطبيع الاقتصادي والانفتاح الاستثماري العابر للحدود.