مقدمة
المؤمن القوي المستقيم العقيدة لا يخوض في غامضات القضاء والقدر، بل يفوض ذلك إلى الله عز وجل، ويثق بحكمته وتدبيره وحسن اختياره لخلقه، غير غافل لحظة عن أن مبنى هذه الدار الفانية ومعناها ابتلاء العباد بالشر والخير فتنة… 1.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه» 2.
تعاريف
القضاء يطلق على عشرة معانٍ، من بينها القضاء في الاصطلاح العقدي، وهو قسم من أقسام الإيمان بالقدر خيره وشره.
الرضا أو الرضى لها تعاريف كثيرة، من بينها قول ابن عجيبة رحمه الله تعالى: «الرضى تلقي المهالك بوجه ضاحك، أو سرور يجده القلب عند حلول القضاء، أو ترك الاختيار على الله فيما دبَّر وأمضى، أو شرح الصدر ورفع الإنكار لما يرد من الواحد القهار» 3.
«الرضى نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد، وهو ترك التسخط» 4.
لوازم الرضا بالقضاء
الراضي بقضاء الله هو أغنى الناس، لأنه أبعدهم عن الهم والحزن، وأكثرهم اطمئنانا وسرورا، لأن قلبه غني بالرضا والإيمان بالقدر خيره وشره.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» 5.
ولقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يعلم أصحابه ويغرس في قلوبهم الرضا بالله تعالى ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وكان ينبههم إلى تكرارها، فقال صلى الله عليه وسلم: «من قال إذا أصبح، وإذا أمسى: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، إلا كان حقا على الله أن يرضيه» 6.
فكانوا يحرصون على تكرارها صباحا ومساء، يعبرون بذلك عما تكنه قلوبهم من نعيم الرضا بالله والتسليم له. لكن ما أكثر من يكررها بلسانه وهو غير متحقق بمقاصدها، وغير مطمئن القلب، خصوصا حين تتكاثف عليه ظلمات الهموم والمصائب، أو عندما يُدعى إلى حكم من أحكام الشرع يخالف هواه ويعارض مصالحه الخاصة، لذا فتكرارها باللسان لا يفيد صاحبه إذا لم ينبع من قلبه.
ومن لوازم الرضا بالله ربا هو الرضا بكل أفعاله في كل شؤون خلقه، من إعطاء ومنع، وضر ونفع، وخفض ورفع، ووصل وقطع.
ومن لوازم الرضا بالإسلام دينا: هو التمسك بأوامره، والابتعاد عن نواهيه، والاستسلام لأحكامه.
ومن لوازم الرضا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا: هو اتخاذه أسوة حسنة، فيتبع المؤمن سنته ويقتفي أثره، ويتحلى بأخلاقه، ويجاهد هواه حتى يكون تبعا لما جاء به، وحتى يكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» 7.
فمن تحلى بالرضا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوة اليقين، ونال السعادة الأبدية، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا» 8.
أنواع الرضا بالقضاء
الرضا هو سكون القلب إلى الحكيم، وترك الاختيار مع التسليم، ولا شيء أشد على النفس من الرضى بالقضاء، لأن الراضي بالقضاء يكون على خلاف رضى النفس وهواها، فطوبى لعبد آثر رضى الله تعالى على رضى نفسه.
وقال الشيخ أحمد الرفاعي: «إن قضاء الله تعالى على أربعة أوجه:
1. قضاء النعمة: فعلى العبد فيه الرضى والشكر.
2. قضاء الشدة: فعلى العبد فيه الرضى والصبر.
3. قضاء الطاعة: فعلى العبد فيه الرضى وذكر المنة والقيام بالواجب إلى الموت.
4. قضاء المعصية: فعلى العبد فيه الرضى والتوبة».
وسئل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن القضاء والقدر فقال: «ليل مظلم، وبحر عميق، سر الله الأعظم، فمن رضي به فله الرضى، ومن سخط عليه فله السخط» 9.
الإحساس بوقع المصائب عند المؤمن
إن الراضي قد يحس بألم المصيبة بحكم الطبع، ولكنه يرضى بها حين يرجع إلى إيمانه بلطف الله تعالى وحكمته وحفظه، وأن من وراء كل فعل من أفعاله سبحانه وتعالى حكما خفية ولطائف دقيقة، كما قال الله تعالى: فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: 19].
فالمؤمن يرضى بأفعال الله تعالى من حيث إنها صدرت من حكيم عليم، وأنها بقضائه ومشيئته، ولا يرضى بأفعال العصاة من حيث إنها صفتهم وكسبهم، ولأنها دلالة على أنهم ممقوتون من الله تعالى. قال سبحانه وتعالى: وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 8].
ما يوصل إلى الرضا بالله تعالى
– استجابة أمره في قوله سبحانه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60]، فالدعاء مخ العبادة، وهو يورث في القلب رقة وصفاء وخشوعا، ويجعله مستعدا لقبول الإيمان بالقدر خيره وشره ويكون راضيا.
– الأخذ بالأسباب، فالله سبحانه وتعالى أمر بالعمل فقال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 105].
– الهجرة في سبيل الله، لقول الله سبحانه: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج: 57].
– السعي في طلب الرزق، فقال سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15].
فالرضا بقضاء الله معناه ترك الاعتراض عليه تعالى، مع بذل الوسع للتوصل إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وذلك بفعل أوامره وترك نواهيه، ثم ينطبق عليه قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ [القارعة: 7].
نماذج من الراضين بقضاء الله تعالى
في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام والصحابيات الجليلات فيض من تحققهم بأعلى درجات الرضى، منها:
حين ضُرب رسولنا الأعظم بالحجارة يوم الطائف حتى أُدمي عقبه، توجه إلى الله تعالى قائلًا: “… إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي…”.
كان الصحابة رضوان الله عليهم يعذبون في مكة بكل أنواع التنكيل والإيذاء، وهم يتلقون ذلك بقلوب راضية وألسنة ذاكرة. وروي أن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قطعت رجله ومات أعز أولاده في وقت واحد، فدخل عليه أصحابه وعزوه فقال: “اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة فلك الحمد، وكان لي بنون أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن أبليت طالما عافيت”.
فضل الرضا بالقضاء
الرضا مقام قلبي، إذا تحقق به المؤمن استطاع أن يتلقى نوائب الدهر وأنواع المصائب بإيمان راسخ ونفس مطمئنة. والرضا هو السلام الروحي الذي يصل بالمؤمن إلى حب كل ما في الوجود، ويرضي الله سبحانه، فيرى المصائب خيرا ورحمة.
كان بلال رضي الله عنه يعاني من سكرات الموت وهو يقول: «واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه» 10.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “… إذا أردت الفلاح، أي شيء جاء به القدر فخذه من يده، وارض به مع موافقة الشرع… الراضي عن القضاء نفسه مطمئنة، وهواه مغلوب، وثائرة طبعه مخمودة، وشيطانه حابس» 11.
ختاما
إن الله سبحانه لا يرضى عن عبده إلا إذا رضي العبد عن ربه في جميع أقداره خيرها وشرها، وعندما يكون الرضا متبادلا يكون كما قال الله عز وجل: رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100].
فرضا الله تعالى عن العبد هو أسمى منزلة وأرفع رتبة وأعظم منحة، لقول الله سبحانه: وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 7].
فرضوان الله رب الجنة أعلى من الجنة، وهو غاية مطلب سكان الجنة، كما أخبر رسولنا عليه الصلاة والسلام بقوله: “إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! يقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» 12.
[2] رواه الترمذي عن جابر رضي الله عنه بإسناد حسن.
[3] مدارج السالكين، ص 8.
[4] نفسه، ص 57.
[5] الرسالة القشيرية، ص 89.
[6] أخرجه الترمذي في كتاب الزهد عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[7] رواه الترمذي في كتاب الدعوات.
[8] رواه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان عن أبي حمزة وأنس رضي الله عنهما.
[9] الفتح الرباني، ص 89.
[10] السيرة النبوية لأحمد زيني دحلان.
[11] الإحسان، ص 304.
[12] رواه البخاري.