​السياسة ليست صندوق اقتراع

Cover Image for ​السياسة ليست صندوق اقتراع
نشر بتاريخ

​يشيع في بعض الأوساط السياسية تصور يختزل السياسة في صناديق الاقتراع، ويقصر الفعل السياسي داخل أسوار البرلمان والحكومة. ويترتب على هذا التصور البراغماتي الضيق أن يُنظر إلى كل تيار يختار الاشتغال من خارج المؤسسات الرسمية، أو يقاطع الانتخابات انطلاقاً من قناعة مبدئية، باعتباره خارج دائرة الفعل، أو منسحباً من الواقع. بل يمارس البعض في حقه ما يشبه “التكفير السياسي” بإقصائه من المشهد أصلًا، وكأن السياسة لا وجود لها إلا إذا عُمِّدت داخل المحافل الرسمية.

​غير أن هذا التصور يخلط بين السياسة باعتبارها مشروعاً للتغيير، وبين إحدى وسائل ممارستها. فالسياسة في معناها العميق ليست مجرد تدبير تقني للمؤسسات، وإنما هي بناء للوعي، وصناعة للرأي العام، وتأطير للمجتمع، والدفاع عن الحقوق، ومقاومة للاستبداد، وصياغة مشروع حضاري يحدد وجهة الأمة ومستقبلها. هذه هي “السياسة التأسيسية” التي تسبق “السياسة التدبيرية” وتمنحها اتجاهها؛ لأنها تصنع الإنسان الذي يعطي للمؤسسات معناها، وتبني الحاضنة المجتمعية التي تحمي أي تحول سياسي من الارتداد والانتكاس.

​ومن هنا، فإن الانتخابات ليست سوى آلية من آليات العمل العام وليست السياسة كلها، كما أنها ليست الديمقراطية في ذاتها، وإنما إحدى وسائل التعبير عنها متى توفرت شروط النزاهة والتنافس الحقيقي والإرادة الشعبية الحرة. أما إذا غابت هذه الشروط، فإن المؤسسات تتحول إلى فضاءات لتأثيث المشهد وإدارة الواقع أكثر من كونها أدوات لتغييره. ولهذا يبقى بناء الوعي، وتكوين موازين القوة المدنية، وصيانة استقلال الإرادة الشعبية، مقدمات لا بديل عنها لأي إصلاح مستدام.

وهذه ليست قضية نظرية مجردة، بل هي سنة من سنن التغيير الحضاري؛ فالتغيير العميق لا يبدأ من السلطة، وإنما من المجتمع. يبدأ ببناء الإنسان، وتوحيد القوى الحية حول القضايا الكبرى، وصناعة وعي جمعي يؤمن بالإصلاح ويحمل مشروعه. وعندما تنضج هذه الشروط، تصبح المؤسسات ثمرةً للتغيير لا نقطة بدايته. لذلك كان العمل التربوي، والثقافي، والمجتمعي، والحقوقي، عبر التاريخ، هو الأرضية التأسيسية التي تنبت فيها التحولات الكبرى وتكتسب حصانتها، لا مجرد صدى للمعارك الانتخابية العابرة.

​وفي هذا السياق يمكن قراءة التجربة المغربية، حيث برز تصوران مختلفان في التعاطي مع سؤال التغيير:

​تصور أول: راهن على “الإصلاح من داخل المؤسسات القائمة”، معتقداً أن المشاركة التدريجية كفيلة بإحداث تحول في بنية النظام السياسي.

​تصور ثانٍ: رأى أن المشاركة لا تكون ذات جدوى إلا إذا سبقتها شروط سياسية حقيقية تضمن الإرادة الشعبية، وإلا تحولت إلى مجرد تزكية لواقع لا يملك المشاركون القدرة على تغييره. ويومها كان الخلاف في تقدير الطريق الأنسب، أما اليوم فقد أصبح بين أيدينا رصيد من التجربة الحيّة يسمح بإعادة التقييم بعيداً عن الانفعال أو التشنج؛ فالتجارب السياسية لا تُقاس بحسن النوايا، وإنما بحصيلتها وما انتهت إليه من نتائج. والسؤال الذي تطرحه الوقائع اليوم أمام محكمة التاريخ هو: من الذي غيّر الآخر؟ هل استطاع المشاركون تغيير قواعد اللعبة السياسية، أم أن قواعد اللعبة هي التي أعادت تشكيلهم، وحددت سقف حركتهم، واستنزفت رصيدهم الشعبي، وألزمتهم بالدفاع عن خيارات كانوا إلى وقت قريب في صلب ما يعارضونه وينتقدونه؟

​إن أخطر ما تفضي إليه المشاركة غير المشروطة ليس فقط الإخفاق في تحقيق الإصلاح، بل تتعداه إلى معضلة نفسية وفكرية أعمق وإنتاج خطاب يبرر هذا الإخفاق ويسوّغه. فمع مرور الزمن، يجد الفاعل السياسي نفسه مضطراً إلى “عقلنة التراجع”، فيصبح ما كان يرفضه بالأمس ضرورة تفرضها “إكراهات الدولة”، أو “واقعية المتاح”، أو “فقه الموازنات”. وهنا لا يقتصر الأثر المدمر على التنظيم السياسي وحده، بل يمتد إلى المجتمع كله؛ إذ تتراجع ثقة المواطنين في جدوى العمل العام، ويترسخ الشعور بأن السياسة لا تغير شيئاً، وأن كل من يصل إلى المؤسسات ينتهي به المطاف إلى التكيف مع منطقها بدل تغييره، مما ينشر العزوف الشامل ويفقد الجماهير الثقة في جدوى هذه العملية برمتها.

​وفي المقابل، فإن اختزال الفعل السياسي في الحضور داخل البرلمان أو الحكومة يتجاهل مساحات واسعة من الفعل الحقيقي. فالجامعات، والنقابات، والجمعيات، والمؤسسات التربوية، والمبادرات الحقوقية، ونصرة قضايا الأمة، كلها ميادين يتشكل فيها الوعي، وتتكون فيها موازين القوة، ويُبنى فيها الإنسان القادر على إحداث الفرق. ومن ثم، فإن الغياب عن المؤسسات لا يعني بالضرورة الغياب عن السياسة، كما أن الحضور داخلها لا يعني بالضرورة القدرة على صناعة التغيير.

إن السياسة ليست منافسة على المقاعد، ولا سباقاً إلى الحقائب الوزارية، وإنما هي قبل ذلك وبعده القدرة على الحفاظ على استقلال الموقف، وبناء الإنسان، وصناعة الوعي، وتكوين القوة المجتمعية التي تجعل الإصلاح ممكناً. فإذا تحولت المشاركة إلى غاية في ذاتها، فقدت وظيفتها، وأصبحت أداة لإدارة الواقع لا وسيلة لتغييره.

​ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من شارك ومن قاطع؟ وإنما: أي الخيارين كان أقدر على خدمة مشروع التغيير، وحفظ المبادئ، وصيانة إرادة المجتمع ومقاومة الاستبداد؟

​يبقى صندوق الاقتراع وسيلة من وسائل السياسة، لكنه ليس السياسة كلها. أما السياسة في معناها الأصيل، فهي بناء الإنسان، وصناعة الوعي، وتحصين المجتمع، وإعداد شروط التغيير قبل الوصول إلى السلطة، حتى لا تتحول السلطة إلى غاية، ولا تتحول المشاركة إلى شهادة تمنح الشرعية لواقع لم يتغير. فحين تختلط الوسيلة بالغاية، تصبح السياسة إدارةً للأمر الواقع وتبريراً له، أما حين تستعيد رسالتها، فإنها تغدو مشروعاً لتحرير الإنسان وبناء المستقبل.