السير القلبي عند الإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for السير القلبي عند الإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

ما أحوجنا أن نشعر بهذه المسؤولية الفردية الجماعية، ما أحوجني أن أخاطب نفسي وأقول: “ادِّعاء حب الله دون إعطاء براهين الصدق العملية كذب وأمانٍ وأحلام”.

جاء في كتاب “الإحسان” للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله قوله: “لستَ هناك حتى ينقطع من قلبك حب ما سوى الله من دنيا مؤثَرة وهوى مُتبَع وأنانية طاغية!  لستَ هناك حتى يرى اللهُ ورسولُه والمؤمنون عملَك عند الأمر والنهي” 1.

أولئك المحسنون الذين رجا الأستاذ عبد السلام ياسين ربَّه أن يجعلَهم في ميزان حسناته يستحيل أن يكونَ منهم من لم يكن أولا وآخرًا من العابدين.

في التفكير المنهاجي عند الإمام رحمه الله، لا بد من تحقيق التوازن بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي عند المؤمن السالك إلى الله، لكن لا يتم هذا الأمر إلا بقلب صادق ونفس طائعة لله تعالى، حيث يمثل القلبُ عند الإمام المحركَ الأساسي وسلطانَ الجوارح، مؤكدا أن السلوكَ سيرٌ قلبيٌّ، والمشايخ أطباء في تصفية القلوب. لذلك يدعونا رحمه الله إلى أن نكون من أصحاب القلوب العامرة بالله وبذكر الله. المؤمن مهما بلغ من وعي، ومهما أصلح من نفسه إن لم يتصل قلبه بالله سيتعلق بالدنيا حتى تُنهكَه.

والقلب إذا انغلق لا يعلم صاحبه علمًا ولا فكرًا، لذلك ينقلنا الإمام من العبادة كحركات ومن الإيمان كشعارات، إلى العبودية الواعية؛ كثيرون يُصَلّون لكنّ قلوبَهم لاهية، وكثيرون يذكرون الله لكن نفوسهم شاردة وغير مبالية، كثيرون يؤمنون لكنهم يعيشون قلقا دائمًا، كأن لا سند لهم، لأن المشكلة تكمن في انفصال القلب عن المعنى الحقيقي للعبادة.

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم آياته: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد: 16]. عتاب إلهي للمؤمنين، يدعوهم فيه إلى لين القلب وخضوعه لأوامر الله ونواهيه.

ويقول جل في علاه: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: 4]. ليظهر لنا بعد هذه الآية الكريمة وجوب تحرير قلب المؤمن من العبودية لغير الله تعالى بعد أن ينكشف عنه حجاب الغفلة، ليولَدَ القلبُ ولادةً حقيقيةً، يأتي معها صدق النية وصدق التأهب والعمل الصالح.

يرشدنا الإمام كذلك إلى وجوب معرفة النفس والتخلي عن الأنانية والهوى، فمَن جهل نفسه جهل ربه، ومن جهل ربه عاش بلا هدف، أما من عرف نفسه وعرف عيوبها وحاجتها وفقرها إلى الله صار أقرب إلى الحق.

والدليل ما جاء في قول الله تبارك وتعالى: “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى” [النازعات: 40-41]، وأيضا قوله سبحانه وتعالى: “وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ” [الكهف: 2].

عندما سُئِل الإمام عبد السلام ياسين عن الهوية الإحسانية – باعتبارها العمود الفقري لأي خلاص فردي أو جماعي – كيف يمكن الحفاظ عليها قائمة فاعلة؟ وما المطلوب من أبناء وبنات جماعة “العدل والإحسان” حتى تترسخ هذه الهوية؟ أجاب رحمه الله تعالى: “نتريث أن يتربث كل واحد منا حتى يسأل نفسه، وحتى يحث الٱخرين على طرح هذا السؤال على أنفسهم: هل لك حاجة عند الله؟ فإذا كان الجواب إيجابيا: نعم لي عند الله حاجة، عندئذ أقول: إذا كان لك عند الله حاجة فانظر إلى قلوب إخوانك، وانظر إلى إخوانك بالتعظيم والتوقير لكي تستمد منهم، فتكون كالنحلة التي اتخذت لنفسها مجالا لمصّ الرحيق. أما إذا كنت تعرض عن إخوانك، فبِئسَ ما تفعل، فإنما تبتعد عن الله عز وجل”.

يعلمنا الإمام من خلال كل ما ذكر أن القلبَ أساسُ التغيير الفردي والجماعي، لأنه مكمن التربية ومحرك السلوك ومنبع الرحمة والصلة بالله واليقظة القلبية. يرتكز على تقوية الإيمان في قلب المؤمن وتزكية النفس. وأي تغيير للأمة يبدأ بتطهير القلوب وتزكيتها واتباع النموذج النبوي من القرٱن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
فأين نحن من سؤال أنفسنا؟ ومن سلامة قلوبنا؟

 


[1] عبد السلام ياسين، الإحسان، ط 2018/2، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ج 1، ص 149.