تمهيد
تقدم الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان 1 موضوع الشباب وغيره من قضايا الوطن والأمة في إطار رؤية مجتمعية شمولية تروم بناء نموذج تغييري متكامل، ولا تدعي في الآن ذاته أنها تقدم برنامجا تنفيذيا تفصيليا جاهزا للتنزيل. ومن ثم فإن بعض الباحثين قد يلاحظون قدرا من الإجمال في المعطيات أو بعض المحدودية في الرصد، وهو أمر يرتبط بطبيعة الوثيقة نفسها بوصفها إطارا تصوريا استراتيجيا موجها لتأطير النقاش العمومي وصياغة مداخل التغيير الكبرى.
ويزداد هذا الإشكال تعقيدا بالنظر إلى الإكراهات الموضوعية التي تعاني منها عملية رصد الوضع الشبابي والواقع العام بالمغرب، حيث تتسم البيئة المعلوماتية بقدر من المحدودية وعدم الشفافية، من قبيل ضعف إتاحة البيانات العمومية الدقيقة، وصعوبة الولوج إلى قواعد المعطيات الرسمية المفصلة، واحتكار بعض المعلومات الاستراتيجية داخل دوائر ضيقة في السلطة، فضلا عن انتقائية التقارير الرسمية وتفاوت مصداقية المعطيات المنشورة، إذ تعمد بعض المؤسسات إلى إبراز مؤشرات جزئية في سياق تواصلي أو تبريري يركز على الجوانب الإيجابية، مقابل ضعف نشر المعطيات المرتبطة بالاختلالات البنيوية أو المؤشرات السلبية. وهو ما يحد من قدرة الباحثين على بناء تحليل علمي متكامل ودقيق، ويجعل كثيرا من الدراسات المستقلة تشتغل ضمن المتاح وفق معطيات جزئية أو غير مكتملة أحيانا.
في هذا السياق، تقدم الوثيقة السياسية تصورا عاما ومتكاملا للتغيير في المغرب، قائما على ترابط الأبعاد التربوية والقيمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في نسق واحد؛ يستهدف بناء الإنسان وتشييد مجتمع “العمران الأخوي” وترسيخ قيم المواطنة والحرية والكرامة والعدالة. فهي لا تقدم برنامجا تفصيليا بقدر ما تطرح رؤية استراتيجية شمولية تستحضر قضايا الدولة والدستور والحكامة، والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، والتربية والتعليم والثقافة والإعلام، في إطار مشروع تغييري ممتد زمنيا يروم إحداث تحول في بنية المجتمع والدولة. ومن خلال هذا البناء النسقي، تحضر قضايا الفئات الاجتماعية، وفي مقدمتها فئة الشباب، بوصفها ركيزة أساسية في تحقيق هذا التحول، إذ يتقاطع موضوع الشباب ضمن مختلف المحاور باعتباره محط اهتمام السياسات التربوية والاقتصادية والاجتماعية، وعنصرا محوريا في تجديد النخب وبناء القوة المجتمعية لمستقبل التغيير، بما يجعل إدماجه وتأهيله وتمكينه شرطا ضروريا لإنجاح المشروع المجتمعي الذي تقترحه الوثيقة.
وقد جاءت الوثيقة السياسية التي تقترحها جماعة العدل والإحسان بالمغرب في صيغة كتاب تحليلي يمتد على 237 صفحة، موزعة على أربعة محاور كبرى، وتضم 777 مقترحا إجرائيا تعكس تصورا متكاملا لتدبير الشأن العام. خصص المحور التقديمي لبيان المنطلقات والأفق المؤطرين للرؤية العامة، في حين تناول المحور السياسي، تحت عنوان ”حرية وعدل وحكم المؤسسات“، قضايا الدولة والدستور والحكامة والحقوق والحريات، متضمنا 220 مقترحا. أما المحور الاقتصادي والاجتماعي، الموسوم بـ”عدالة وتكافل وتنمية مستدامة“، فقد عالج اختلالات النسيج الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية والتنمية الترابية، واشتمل على 314 مقترحا. بينما خصص المحور المجتمعي، تحت عنوان ”كرامة وتضامن وتربية متوازنة“، لقضايا الأسرة والمرأة والشباب والتعليم والإعلام والثقافة والرياضة، وضم 243 مقترحا. وبذلك فإن الوثيقة، في بنيتها ومضمونها تطرح مشروعا مجتمعيا وسياسيا مفتوحا للنقاش والحوار مع مختلف الفاعلين والمهتمين بقضايا التغيير.
وتضع الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان موضوع الشباب في صلب مشروعها المجتمعي، معتبرة إياه رافعة استراتيجية للتغيير وبناء ”مجتمع العمران الأخوي“، أكثر من كونه مجرد فئة عمرية ضمن البنية السكانية. وهو ما يتجلى بوضوح في المحور المجتمعي، ضمن فصل: “المرأة والشباب فئتان استراتيجيتان” حيث يُقدَّم الشباب باعتباره طاقة متجددة ورأسمالا بشريا حاسما في إعادة بناء المجتمع وتجديد نخبه وتحصين استقراره ومستقبله 2.
أولا- الشباب في الوثيقة السياسية: من المعطى الديمغرافي إلى الرهان الاستراتيجي
تنطلق الوثيقة من معطى إحصائي مفاده أن: الشباب يشكلون 34% من مجموع سكان المغرب. هذا المعطى يقرأ في الوثيقة باعتباره ثروة وطنية من جهة، وتحديا بنيويا من جهة أخرى. فوجود كتلة سكانية شبابية بهذا الحجم يطرح أسئلة كبرى حول قضايا التأهيل، التوجيه، التعليم، الصحة، التشغيل، والإدماج 3.
كما يشير الإحصاء الأخير للسكان والسكنى بالمغرب لسنة 2024، إلى أن الهرم السكاني المغربي ما يزال يتسم باتساع قاعدته الشبابية رغم تراجع معدل الخصوبة، وهو ما يعزز مركزية الرهان على الشباب في أي تصور تنموي.
ثانيا- تشخيص الوضع الشبابي بالمغرب: أزمة إدماج متعددة الأبعاد
لا تكتفي الوثيقة بالوصف العام للوضع الشبابي بالمغرب، بل تقدم مؤشرات رقمية دالة على عمق الأزمة تتمثل في الآتي:
1. 4.5 مليون شاب بين 15 و34 سنة غير نشيطين، أي أنهم لا يدرسون ولا يعملون ولا يتدربون.
2. 28% من خريجي الجامعات يعانون البطالة.
3. نسبة انخراط الشباب في الجمعيات المدنية والتنظيمات السياسية لا تتعدى 1% 4.
4. تسجيل مستويات قياسية من الهدر المدرسي والجامعي، حيث غادر ما يتجاوز 331.000 تلميذ لأسلاك التعليم المدرسي العمومي في سنة 2022 دون الحصول على شهادة 5.
هذه الأرقام تكشف عن ثلاث أزمات متداخلة:
– أزمة اقتصادية: بطالة مرتفعة، خصوصا في صفوف حاملي الشهادات.
– أزمة تربوية وتعليمية: هدر مدرسي وضعف التأهيل.
– أزمة اندماج مدني وسياسي: ضعف المشاركة والانخراط في الشأن العام.
وتضيف الوثيقة بعدا نوعيا لأزمة الشباب يتمثل في ضعف حماية الأمن الروحي للشباب، بما هو مرتكز مهم في الاعتزاز بانتمائه وهويته وفي فهم أسباب وجوده ورسالة حياته، وفي اكتمال شخصيته ورجولته. معتبرة أن غياب التأطير القيمي والهوياتي يسهم في تفاقم حالات اليأس والانحراف والهجرة السرية 6.
ثالثا- الشباب رهان استراتيجي لا يقبل التأجيل
تنص الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان بوضوح على أن الشباب رهان استراتيجي وفئة متجددة باستمرار، وعليه فقضاياه لا تقبل التأجيل أو التأخير. هذا التصور يقطع مع المقاربات الظرفية أو الموسمية التي تتعامل مع الشباب باعتبارهم ملفا قطاعيا، ليطرحه ملفهم باعتباره قضية عمودية وأفقية تتقاطع مع كل السياسات العمومية.
وتؤكد الوثيقة على أن أي سياسة شبابية ناجحة يجب أن تقوم على الإشراك والمشاركة، معتبرة أن إقصاء الشباب بدعوى نقص الخبرة مدخل غير سليم للتدبير العمومي.
رابعا- قواعد بناء سياسة شبابية مندمجة
وقد خلصت الوثيقة السياسية إلى جملة من المقترحات العملية تشكل مدخلا مهما للنهوض بالشباب وتمكينه من الاضطلاع بدوره الريادي في مختلف المجالات، حيث بلغ عدد هذه المقترحات تسعة عشر مقترحا إجرائيا من (607 إلى 625).
وتتمحور هذه المقترحات حول إعادة الاعتبار للشباب والعناية به تربية وتنشيطا وتكوينا وتأهيلا، في أفق إدماجه اقتصاديا في سوق الشغل، واجتماعيا عبر بناء علاقات أسرية متوازنة ومستقرة، وسياسيا من خلال الانخراط الحر والمسؤول في تدبير الشأن العام. وبالنظر إلى مضمون هذه المقترحات، يتضح أنها تدعو إلى محاربة الإقصاء السوسيوثقافي والسوسيواقتصادي عبر التأسيس لسياسة شبابية مندمجة تحتضن طاقات الشباب وتشجع مواهبه في مختلف المجالات، مع توفير الأطر القانونية والبرامج والفضاءات الكفيلة بتمكينه من الإبداع والمشاركة والاقتراح، بما يجعله فاعلا أساسيا في مسار التنمية والإصلاح.
تقترح الوثيقة مجموعة من القواعد المؤطرة للسياسات الشبابية، من أبرزها 7:
1. التكامل بين الأبعاد الروحية والتربوية والنفسية والاجتماعية والجسدية والمعرفية، ورفض النظرة التجزيئية.
2. اعتبار الشباب فئة متجددة تفرض معالجة آنية ومستمرة لقضاياها.
3. اعتماد مقاربة تشاركية قائمة على الإدماج وتحميل المسؤولية.
4. منح امتيازات تفضيلية للشباب في الصحة والتعليم والتنقل والترفيه، خصوصا الفئات الهشة.
5. تخصيص برامج خاصة للشباب القروي والشابات المتضررات أكثر من غيرهن.
كما تدعو إلى تأسيس سياسة شبابية مندمجة تتجاوز الإقصاء السوسيوثقافي والسوسيواقتصادي، مع إرساء منظومة قانونية لحماية الشباب.
خامسا- مقترحات عملية لمجالات السياسات الشبابية
تقترح الوثيقة حزمة إجراءات عملية ضمن مجالات السياسات الشبابية، من بينها 8:
– جعل التعليم أولوية قصوى في البرامج الشبابية.
– توفير الحماية الاجتماعية للشباب، وتسهيل الولوج إلى الصحة والسكن والشغل.
– دعم المقاولات الشبابية الصغيرة والمتوسطة وتنمية الحس المقاولاتي.
– فتح المجال أمام مشاركة الشباب في تدبير الشأن المجتمعي العام.
– إرساء برامج للدعم النفسي والتوجيه خصوصا في فترة المراهقة.
– تأهيل الشباب في مجال ريادة الأعمال عبر مختلف مراحل التعليم.
ويتضح أن المقاربة المقترحة تتجاوز المعالجة التقليدية لقضايا الشباب إلى بناء نموذج تمكين شامل: تربوي، ثقافي، اقتصادي، اجتماعي، سياسي..
سادسا- تشخيص الوضع الشبابي وآفاق المشروع التغييري
يمكن تلخيص الرؤية الشبابية في الوثيقة ضمن ثلاث مستويات:
1. مستوى ديمغرافي: الشباب قوة عددية حاسمة (34% من السكان).
2. مستوى الأزمة: بطالة، هدر، عزوف سياسي (1% فقط انخراط مدني)، 4.5 مليون خارج منظومة الدراسة والعمل.
3. مستوى استراتيجي: إدماج الشباب شرط لنجاح أي مشروع تغيير سياسي أو تنموي.
وتظهر خصوصية المقاربة في الربط بين:
– البعد القيمي والتربوي (الأمن الروحي والتنشئة الإيمانية).
– التغيير السياسي (المشاركة، المسؤولية).
– العدالة الاجتماعية (الحماية الاجتماعية، تكافؤ الفرص).
بذلك لا تنظر الوثيقة إلى الشباب كفئة مستفيدة من السياسات وفقط، وإنما تعتبرهم فاعلا مركزيا في صناعة التحول المجتمعي.
وتجدر الإشارة إلى أن الوثيقة تطرقت إلى قضايا الشباب بشكل متداخل مع قضايا التربية والتعليم، والاقتصاد، والثقافة، والمشاركة السياسية، معتبرة أن إشكالات البطالة والهدر المدرسي وضعف المشاركة المدنية، وما يرتبط بها من مظاهر اليأس والهجرة والانحراف، هي نتيجة اختلالات بنيوية في السياسات العمومية تستوجب معالجة مندمجة ومتعددة الأبعاد.
خلاصات
تظهر القراءة التحليلية للوثيقة السياسية الصادرة عن جماعة العدل والإحسان مقاربة نوعية لقضايا الشباب، يتمثل في الانتقال من منظور قطاعي جزئي إلى تصور استراتيجي يعتبر الفئة الشابة رهانا حضاريا مركزيا في معادلة التحول المجتمعي وبناء الدولة العادلة. وتستند هذه المقاربة إلى معطيات ديموغرافية-اجتماعية دالة، مفادها أن الشباب يمثلون نحو 34% من السكان، في مقابل ما يقارب 4.5 مليون شاب خارج الدورة الاقتصادية والتعليمية، مع معدلات بطالة مرتفعة في صفوف حاملي الشهادات العليا تناهز 28%. ووفق هذا التحليل، فإن استمرار الإقصاء البنيوي ينتج مخاطر اجتماعية مركبة، بينما يشكل الإدماج الشامل فرصة تاريخية لترسيخ العدالة الاجتماعية.
في هذا السياق، لا يقدم الشباب بوصفهم رصيدا رمزيا فحسب، وإنما باعتبارهم فاعلا بنيويا في إعادة بناء الشرعية السياسية وتحقيق الدولة العادلة كما تتصورها المرجعية المؤطرة للوثيقة. ويربط حضورهم المحوري بتكامل رباعي الأبعاد يجمع بين التنشئة التربوية، والعدالة الاجتماعية، والمشاركة السياسية، والتنمية الشاملة، بما يجعلهم محددا أساسيا في مسار التغيير وإعادة التوازن للعقد الاجتماعي.
كما تؤكد الوثيقة ضرورة تجاوز الطابع التقليدي في تناول الظاهرة الشبابية نحو بناء نظام معلوماتي متكامل قائم على مؤشرات كمية ونوعية دقيقة، مع اعتماد المقارنة الزمنية والمجالية. ويعكس ذلك توجها نحو تخطيط مرتكز على المعطيات، بما يعزز قابلية السياسات العمومية للتقييم والمساءلة ويرفع من فعاليتها المؤسساتية.
وتقترح الوثيقة مقاربة متعددة الأبعاد لمعالجة المسألة الشبابية، قوامها أربع مسارات مترابطة: تأهيل تربوي وأخلاقي يعزز منظومة القيم وينمي الوعي والمسؤولية المجتمعية لدى الشباب؛ إصلاح اقتصادي بنيوي يعالج اختلالات سوق الشغل وبنية الإنتاج؛ تمكين اجتماعي يحد من الهشاشة والتفاوتات؛ إدماج سياسي يوسع دوائر المشاركة والتمثيلية؛ وتؤكد أن أي اختزال في أحد هذه الأبعاد يفضي إلى حلول جزئية غير مستدامة، بالنظر إلى الطبيعة المركبة للإشكال.
غير أن تحويل هذا التصور الاستراتيجي إلى سياسات عملية يواجه إكراهات بنيوية مرتبطة بغياب شروط التحول الديمقراطي العميق داخل النسق السياسي القائم. ومن ثم، تظل الفعالية التطبيقية للمقترحات رهينة بإعادة تشكيل موازين القوى المجتمعية وتوسيع فضاءات الفعل العمومي.
وعلى مستوى المرجعية، تكشف القراءة المقارنة أن الوثيقة تمثل تطورا في مستوى التفصيل والجرأة في عرض البدائل، دون أن تعكس تحولا جوهريا في المنطلقات الفكرية المؤسسة. فهي تندرج ضمن سيرورة اشتغال مؤسساتي يحافظ على الاتساق النظري والتكامل البنيوي بين الرؤية الحضارية والمقترحات العملية.
وتخلص الوثيقة إلى أن شروط الفاعلية تظل مرتبطة ببناء قوة مجتمعية قادرة على الدفع نحو التغيير، ضمن علاقة تفاعلية تجمع بين إرادة الفاعل المجتمعي والسند الشعبي القائم على الاحتضان والمشاركة. وبهذا المعنى، لا يختزل الإصلاح في إجراءات تقنية، وإنما يتطلب تحولات عميقة في بنية الفعل السياسي والاجتماعي. كما تؤكد أن بناء سياسة شبابية ناجعة يمر عبر تحرير المعطيات العمومية، وتمكين الباحثين، وإشراك الشباب أنفسهم في صناعة القرار وتنفيذه، باعتبارهم شركاء فاعلين في صياغة السياسات لا مجرد موضوع لها.
https://url-shortener.me/CIP1
[2] جماعة العدل والإحسان، الدائرة السياسية. الوثيقة السياسية. الرباط، 2023م / 1445هـ. ص 156 وما بعدها.
[3] الوثيقة السياسية، ص 159.
[4] الوثيقة السياسية، ص 160.
[5] الوثيقة السياسية، ص 151.
[6] الوثيقة السياسية، ص 160.
[7] الوثيقة السياسية، ص 160-161.
[8] الوثيقة السياسية، ص 161-162.