الشباب وليلة القدر

1- تقديم
الشباب مرحلة عمرية مهمة في حياة المؤمن والمؤمنة، فهي فترة وقوة متجددة فيها طاقة عظيمة بلا حدود متحركة معطاءة، مقتحمة للعقبات، إن تم استعمالها وتوظفها في الخير والعبادة والتوبة والإنابة. قال تعالى نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (الآية 13، سورة الكهف).
الشباب صفحة بيضاء، لهم قلوب نقية تقية إن غطتها صحبة صالحة وجماعة تتوب إلى الله وترجع إلى الله، جماعة ذاكرة وقيادة ربانية تجدد الإيمان في قلوبهم والحكمة في عقولهم والإرادة في نفوسهم.
2- نشأة الشباب في العبادة
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ في خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إلى نَفْسِهَا، قالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما صَنَعَتْ يَمِينُهُ" (صحيح البخاري، ص 6806).
إن الله عز وجل شأنه يحب الشاب التائب العائد إليه، بتوبة نصوح الذي نشأ في عبادته وطاعته وأتمر بأوامره وانتهى عن نواهيه، وانتقل من العادة إلى العبادة وأقبل على الله بنهم كبير ومحبة وشوق وزيادة في التقوى، ولزم الذكر وبر الوالدين، واجتهد في دراسته وحافظ على صلاته وتعلق قلبه بمسجده.
3- الشباب وعمارة المسجد
يعرف الشباب في فترة شهر رمضان العظيم، شهر القرآن والرحمة، والبركات بإقبالهم على الله والتوبة النصوح وعمارة المسجد، ومحافظتهم على الصلاة المكتوبة في الصف الأول، وإصباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. قال رسول الله ﷺ: "ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطـايا ويرْفعُ به الدرجـات، قالوا بلى يا رسول الله؛ قال: إصباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرِباط فذلكم الرِباط" (صحيح مسلم).
إن الشاب في شهر رمضان يقبلون على المرابطة والاعتكاف وصلاة التراويح، وقيام الليل، ويقبلون ويعتكفون على باب الله، ويذكرونه ولا يملون، ويتعبدون بكثرة النوافل وقيام الليل والاستغفار بالأسحار، يقرؤون ويختمون القرآن في البيوت والمساجد والمدارس والكليات، ويشاركون في المسابقات القرآنية للحفظ والتلاوة، ويتقدمون إمامة الناس لما لهم من أصوات جميلة، وبما آتاهم الله مزمارا من مزامير داود عليه السلام. ويعتكفون في العشر الأواخر وينتظرون ويلتمسون فيها ليلة القدر، ليلة العتق من النار، قال تعالى: إنا أنزلنا في ليلة القدر (١) وما أدراك ما ليلة القدر (٢) ليلة القدر خير من ألف شهر (٣) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (٤) سلام هي حتى مطلع الفجر (٥) (سورة القدر، وآياتها خمسة).
إنها ليلة مباركة، فيها حضور للملائكة بعدد كبير لا يعد ولا يحصى، ونزولها وطوافها وذكرها وإحاطتهم بأجنحتها من غروب الشمس إلى شروقها، فيتطهرون ويغتسلون ويرتدون أحسن الثياب وأجملها ويتعطرون بعطور الجنان من مسك وطيب، لعظمة هذه الليلة وهيبتها وجلالها عبر الزمان والمكان، فيطعمون فيها الطعام ويتصدقون ويصلوا الأرحام، يجتمعوا مع الأصدقاء والأحباب لإحياء هذه الليلة من ذكر وقيام وسماع وقراءة القرآن وكثرة الاستغفار والصلاة والدعاء والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإشراك الجيران من الشباب الملتزم النقي التقي في جو روحاني وبكاء على الله وخشوع واتصال بالله لطلب العفو والعتق من النيران طيلة الليل حتى الصباح ليستمتعوا بأفضل الأوقات على الإطلاق.
إنها جنتهم التي انتظروها عاما كاملا، لانتظار عفو الرحمان والفوز بالجنان والعتق من النيران، ليلة خير من ألف شهر، أي ما يعادل عبادة ثلاثة وثمانين سنة، كاملة غير منقوصة، أجور بلا حساب ولا عذاب.





