السعادة الزوجية عطاء رباني وبناء داخلي

الزواج حكمة ربانية وفطرة إنسانية، وسنة نبوية وعلاقة شرعية، وعشرة قلبية وثمرة روحية، وسعادة أبدية وسكينة حقيقية. قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
تمتد لسنين عديدة وأعمار مديدة، ظاهرها جمال وباطنها أبناء حلال، ونفس طويل وقول ليِّن جميلٌ، وخوف من الجليل وعمل بالتنزيل، وقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل بعمل صالح متواصل وكثير وعفو ورحمة وقلب سليم.
للزواج شروط استقرارية، واختيارات استراتيجية، وأهداف وطموحات مستقبلية، فبعد رؤية شرعية ونظرة قلبية وتوافق إلهي ورزق رباني؛ يكتب عقد بشروط توافقية يحدد فيها ثمن المهر أو الصداق، وفي بعض الأحيان تُسجل حتى بعض الهدايا الثمينة والذهب والفضة الذي يعطى للزوجة من طرف الزوج، ويوثق بالتراضي من كلا الجانبين ويؤسسه الحب والوئام والمسؤولية والالتزام. قال تعالى وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21). والميثاق الغليظ هو العهد الذي أخذ للزوجة على زوجها عند عهد النكاح لطرفين متماسكين متراصين يشد بعضهما بعضا البنيان المرصوص. ووصف الميثاق بالغلظة لقوته في بناء الأسرة القوية المتماسكة كما تميزه رابطة قوية تحافظ على الأسس المتينة للسعادة الزوجية والبناء الداخلي، فمن أهم الأسس التي تضمن السعادة الحقيقية بين الزوجين:
1. الأساس الذوقي الاختياري للزوجة الصالحة الودودة فهي كنز الرجل وهي مصدر الراحة والأمان والاستقرار وهي التي تحرص دائما على راحة زوجها تكون له سندا قويا على عبادة الرحمان والقرب منه ونيل رضاه والفوز بالجنان والعتق من النيران. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدُّنيا كلُّها متاعٌ، وخيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحةُ".
وقال عليه الصلاة والسلام: "أربعٌ مِن السَّعادةِ: المرأةُ الصَّالحةُ، والمسكَنُ الواسعُ، والجارُ الصَّالحُ، والمركَبُ الهنيءُ، وأربعٌ مِن الشَّقاوةِ: الجارُ السَّوءُ، والمرأةُ السَّوءُ، والمسكَنُ الضَّيِّقُ، والمركَبُ السَّوءُ". وروي عنه أيضا عليه أفضل وأزكى صلاة وسلام لما سُئل: أيُّ النساءِ خيرٌ للرجل؟ قال: "التي تسرُّهُ إذا نَظَرَ، وتُطيعُهُ إذا أمرَ، ولا تُخالفُه في نفسِها ولا في مالِهِ بما يكرهُ".
2. الأساس التربوي: ويعتبر من أهم الأسس على الإطلاق التي يتم التركيز عليها في تقوية الشراكة بين الزوجين، حيث يكون الزوج والزوجة متصلين بالله عز وجل طيلة حياتهما وفي كل أمورهما. وذلك بأن يكون لهما برنامج تربوي في اليوم والليلة؛ يبتدأ بقيام اليل، وصلاة الفريضة في وقتها، وقراءة القرآن حزبين على الأقل في اليوم، وذكر لله بدءا بالاستغفار بالأسحار، والإكثار من قول لا إله إلا الله وهي أعلى شعب الإيمان، والتسبيح والتحميد وأذكار الصباح والمساء وأذكار التحصين، وساعات لطلب العلم والفقه في الدين وتخصيص أوقات لزيارة الأقارب وصلة الرحم.
ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.
وعلى الزوجين أن يعيشا لله، ومع الله، وبالله. فمن حصل له الله حصل على كل شيء، ومن فاته الله فاته كل شيء. وأن يكون بعضهما سندا لبعض في عدة أمور في الطاعة والعبادة والنفل والفريضة، حيث يصبحان مرتاحي البال مشتغلين بالله لتحصل لهما الطمأنينة ويتنفسا السعادة ويذوقا لذة العبادة.
3. الأساس المعاملاتي والأخلاقي: فعن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله"؛ أي: "أَرْفَقُهُمْ وَأَبَرُّهُمْ بِنِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِمْ وَأَقَارِبِهِ وَعِتْرَتِهِ". فمن كمال الإيمان حسن التبعل للزوجة، والرحمة والرفق والحنان، والمحبة والوفاء والإخلاص بلوغ أعلى مقامات الجنان، واللطف والتلطف لها واستشارتها، والود لها وإكرامها أسمى معاني الإحسان.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم". والنبي ﷺ يخبر في هذا الحديث أن أكملهم في هذا الإيمان هم أحسنهم أخلاقاً، فدل ذلك على أن الإيمان يعظم ويكمل بكمال الأخلاق، وأن الأخلاق تثقل الموازين، وأنها تزيد في إيمان العبد حتى يصل إلى مراتب الكمال، أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً. وقوله: وخياركم خياركم لنسائهم، وهذا داخل فيما قبله، فإن خيارهم لنسائهم هم أحسنهم خلقاً، وذلك أن الإنسان إنما يصدر منه ما يقبح من القول والفعل لنقص خلقه.
والنبي ﷺ خص النساء بالذكر هنا خياركم خياركم لنسائهم؛ لأن الكثيرين لربما حملتهم أخلاقهم الضعيفة وتربيتهم الناقصة إلى ظلم المرأة، وازدرائها، والحيف في حقها، بل لربما يأنف الواحد منهم أن يذكر اسمها أو يناديها باسمها، فيناديها بعبارات وألفاظ، ولربما أعقب ذكره لها بعبارات تنبئ عن احتقار وازدراء، كأن يقول مثلاً: فلانة -أكرمكم الله، أو الأهل -أكرمكم الله، أو نحو ذلك، وهذا كله جهل وسوء خلق ممن صدر عنه، والمرأة هي مخلوقة من الرجل، وقد كرمها الله، وأمر الشارع بالإحسان إليها، ورعايتها.
4. أساس الحب والمودة والرحمة: إن أكثر ما يقوي العلاقات الزوجية الجانب العاطفي القلبي ليصبح ويتولد بين الزوجين حب عاطفي لا يقدر أن يأثر عليه أي شيء مهما كانت قوة تأثيره، حيث يشعر الرجل والزوجة كأنهم ذات واحدة جسم واحد بعضه من بعض وتسكن الأجسام والأرواح والقلوب لتهدأ المشاعر الكبيرة العاطفية المتلاقحة المرتبطة، فيصبح الزوجان كيانا وجدانيا عاطفيا؛ متحابين متكاملين مشدودي الأواصر، والأواصر المجتمعة التي تفرز ذات واحدة قوية لا يمكن انتزاعها أو تكسيرها. تحرق كل غريب، وتداوي الجراح، وتتعطر وتتشكل بفن راقٍ مترابطة الجوانب، قوية المشاعر، وتعصف بكل عدو يريد الشر بهم أو إذايتهم.
لهم راحة وشعور واحد لا ينفك بعضه عن بعض. قوة تستمد من قوة الحب الكبير والرحمة والمودة.
5. الأساس الدعوي الرسالي: إن من أكبر النعم على الإطلاق نعمة الدعوة إلى الله عز وجل وتبليغ رسالته و حمل هم الدعوة المباركة. قال تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، وقال صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية".
التبليغ تكليف وعني تشريف وآية تخفيف. إن تهمم الأزواج بأمر الدعوة لأمر بالغ الأهمية ويساعد في بناء الأسر واستقرارها. فإذا تهمّم الزوج والزوجة بقضية الدعوة وأمر المسلمين أصبحا دعاة، وأضحيا محفوظين من فوق سبع سماوات، يد الله معهم وعينه ترعاهم.
فإن قاموا بالدعوة تكفل بهم وبأبنائهم، وعاشوا عيشة السعداء والصالحين وأحوال التابعين. بل أصبحوا جزءا من الرسالة المحمدية، وتحملوا عبء هذه الرسالة الربانية ليكونوا في استقرار دائم وتعلق بالله، ويتنفسوا ذكره ودعوته. وأصبحا من أهل الله وخاصته، لهم البشرى في الدنيا والآخرة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
يعيشون حتما جنة الدنيا قبل الآخرة، يذكرهم الذاكرون، ويشار إليهم بالبنان، ويكونون خير الجلاء ونعم الأزواج. يصيرون قدوة لغيرهم، نورهم يسري في الأرجاء، عباد ذاكرون مجاهدون لهم استقرار أسري وبصمة في المجتمعات ونورهم يسري بين الخلق والمخلوقات.




