في كل موسم انتخابي ترفع اللافتات، ويتسابق السياسيون إلى المنابر بوعود يعرفون سلفا أنها لا تصمد أمام عتبة أول وزارة. وبعد انقشاع غبار الدعاية الانتخابية، يجد الناخب نفسه أمام سؤال متكرر كأنه أبدي: هل أضافت هذه الانتخابات شيئا لمسيرة التغيير، أم أنها جددت طلاء الواجهة دون أن تمس الجدار؟
نحاول في هذا التقرير تقديم خمس ملاحظات أساسية حول الانتخابات بالمغرب، وكيف أن الامتناع عن التصويت فعل سياسي واع.
المقاطعة: من أهم درجات المشاركة السياسية
الموقف الرسمي يصور المقاطع للانتخابات على أنه مواطن عزوف، لا مبال، تخلى عن حقه ومسؤوليته. غير أن ثمة تمييزا جوهريا كثيرا ما يهمل: الفرق بين العزوف اللامبالي والمقاطعة الواعية. الأول انسحاب من الشأن العام، والثاني فعل سياسي مدروس يقول بوضوح: “أرفض أن أكون طرفا في مسرحية نتائجها معروفة سلفا”.
المقاطعة الواعية هي في جوهرها سحب للشرعية. فالانتخابات لا تستمد قوتها التمثيلية من مجرد إجرائها، بل من نسبة المشاركة التي تضفي عليها طابع “التفويض الشعبي”. حين تتآكل هذه النسب، ينكشف زيف الادعاء بأن هذه المؤسسات تعبر عن إرادة الشعب، ويتحول “الفوز” في الانتخابات إلى انتصار في ملعب فارغ.
وما يجعل هذا الطرح أقوى من مجرد موقف أيديولوجي هو أن أبرز التحولات السياسية في تاريخ كثير من البلدان لم تنبع من داخل صناديق الاقتراع، بل جاءت نتيجة ضغط مجتمعي مباشر. فالشارع حين يتحرك، يفرض على السلطة تنازلات ما كانت واردة في أي برنامج انتخابي.
الانتخابات في المغرب: واجهة لا وظيفة
لفهم جدوى المقاطعة، لا بد أولا من فهم الوظيفة الحقيقية للانتخابات في السياق الذي ينتِجها. في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، تؤدي الانتخابات ثلاث وظائف أساسية: التداول السلمي على السلطة، والتعبير الحر عن الإرادة الشعبية، ومحاسبة الحاكم على أدائه. فإذا غاب أي من هذه الوظائف، انقلبت الانتخابات من أداة ديمقراطية إلى أداة فرجوية.
الأنظمة السلطوية والواجهة الديمقراطية
تحتاج الأنظمة السلطوية في عالم اليوم، بعد أن أصبح النموذج الديمقراطي المعياري مرجعا عالميا، إلى واجهة ديمقراطية ولو كانت صندوقا زجاجيا يظهر ويختفي مرة كل خمس سنوات.
هذه الواجهة تتيح تلقي التمويلات الدولية، وتصرف المنتظم الدولي عن المساءلة المباشرة، وتمنح النظام شهادة حسن السلوك الدولية.
وهكذا تتحول الانتخابات من آلية للتغيير إلى مرآة تحسن صورة الاستبداد. تنتج برلمانا يشرع دون أن يحكم، وحكومة تبرر دون أن تقرر، وأحزابا تتنافس على حصص الريع لا على مشاريع تنموية حقيقية.
حين تظل أهم القرارات الاستراتيجية تصنع خارج المؤسسات المنتخبة، ويحسم فيها قبل أن يفتح أي باب للتشاور، يصبح التصويت مشاركة في تعيين موظفين تنفيذيين لا صانعي سياسات. والموظف التنفيذي لا يحاسب على القرار الذي لم يتخذه، فأين تذهب المساءلة الشعبية؟
التجربة أثبتت أن السلطة في المغرب لا تفرز في الصناديق بل تستخدمها بعدما تختار نمط الاقتراع، وترسم الدوائر الانتخابية، وتضع القوانين أو تغيرها، وتدير العملية الانتخابية. وكل هذه الأدوات مجتمعة قادرة على ضبط المخرجات قبل أن يضع الناخب صوته في الصندوق.
دروس التجربة: نسق يغيّر، ولا يُغيَّر
إن أصدق اختبار لأي فرضية سياسية هو التحقق منها في الواقع المعاش. وقد أعطت التجارب الانتخابية المتعاقبة درسا ثابتا يعيد نفسه بأشكال مختلفة: أولئك الذين دخلوا المؤسسات بأجندة إصلاح، إما غيرتهم البنية قبل أن يغيروها، وإما وجدوا أنفسهم يبررون ما كانوا يرفضون. ليس لقصور في النوايا، بل لأن “البنية المخزنية” تريد منفذين لا مقررين.
التعديلات الدستورية التي يحتفى بها كمكسب، لم تفض إلى نقل حقيقي لمركز القرار نحو المؤسسات المنتخبة. القضايا الكبرى لا تزال تحسم في دوائر بعيدة عن أي مساءلة شعبية، بينما تلقى على الحكومة مهمة تحمل التبعات السياسية لقرارات لم تشارك في صنعها.
يضاف إلى ذلك ما باتت تشكله الانتخابات من وظيفة “تصريف الغضب”: فالحكومة التي لا تملك قرارها تصبح كبش الفداء حين يتراكم السخط، يتم إسقاطها أو تعديلها، ليقال للناس إن الإصلاح قد جاء، وتبدأ دورة جديدة من الإلهاء.
شروط الانتخابات الحرة
الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات لا تعني رفض الانتخابات في مبدئها، بل ترفض انتخابات بعينها لأنها تفتقر لشروط الانتخابات الجديرة بهذا الاسم.
بروفيسور علم السياسة الأمريكي روبرت دال يذكرنا بأن الانتخابات تأتي في آخر سلسلة من الشروط الديمقراطية، لا في أولها: حرية المعلومات، حرية التعبير، حرية التنظيم.. هذه أسس لا بد منها قبل أن يكون للانتخابات معنى.
وحين تجرى الانتخابات في غياب هذه الأُسس، تتحول إلى أداة مضادة للديمقراطية: تعطي النظام السلطوي شهادة شعبية يستخدمها لإسكات المعارضة وإثبات “التفويض” في وجه العالم.
الانتخابات وسيلة لاختيار الإرادة الشعبية؛ فإذا غاب الاختيار الحر ضاعت وظيفتها الأصلية، وصارت المشاركة فيها مشاركة في الوهم لا في القرار.
من هنا يتضح أن المقاطعة الانتخابية الواعية ليست رفضا للديمقراطية، بل هي نداء باسم الديمقراطية: مطالبة بانتخابات حرة وتنافسية ونزيهة، تفضي إلى مؤسسات تملك صلاحيات حقيقية وتخضع لمساءلة حقيقية.
مآل التغيير من الداخل
الحجة الأكثر تكرارا في مواجهة المقاطعة هي: “ادخل المؤسسات وغيرها من الداخل”. وهي حجة تبدو منطقية على الورق، لكن التجربة تفندها تكرارا. فالمؤسسة التي لا تمتلك صلاحيات التغيير، لا يملك من دخلها أن يغير؛ هو من سيتغير.
بدلا من ذلك، يطرح خيار التغيير من خارج المؤسسات الرسمية عبر بناء جبهة مجتمعية تواجه السلطوية، وتعيد بناء الثقة بالعمل الجماعي. وهذا ليس خيارا رومانسيا؛ إنه درس تعلمه كل حركات التغيير الكبرى في التاريخ، من حركات الحقوق المدنية إلى ثورات الربيع التي فرضت على الأنظمة تنازلات ما كانت تفكر فيها.
الضغط المجتمعي المتواصل، ورفض إضفاء الشرعية، وتوسيع دوائر الوعي السياسي، هذه هي الأدوات التي تبقي المعركة مفتوحة من خارج اللعبة المغشوشة.
ختاما، السؤال ليس: هل أشارك أم لا أشارك؟ السؤال الحقيقي هو: هل ستفضي مشاركتي إلى تأثير حقيقي في السياسات وإلى محاسبة فعلية للحاكم؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن التصويت يصبح إضافة إلى رصيد النظام لا خصما منه.
المقاطعة الواعية إذن ليست موقف يأس، بل هي رهان على أن الأنظمة لا تتغير من خلال إعادة ترتيب الوجوه في واجهتها، بل حين يصبح استمرارها دون إصلاح حقيقي أكثر كلفة من إجراء الإصلاح. وهذه الكلفة لا تتراكم في صناديق الاقتراع، بل في الشارع وفي الوعي الجمعي وفي المد والجزر المجتمعي الذي يعيد رسم الخريطة السياسية.