لم تعد الانتخابات في المغرب مجرد موعد دوري لتجديد مجلس النواب وتغيير تركيبة الحكومة. فقد تحولت، مع مرور السنوات، إلى سؤال أكبر يتعلق بجدوى التمثيل السياسي نفسه، وبالمسافة الفاصلة بين صندوق الاقتراع ومراكز القرار.
وفي هذا السياق جاء بيان جماعة العدل والإحسان، الصادر في 9 شتنبر 2026، ليعلن مقاطعة الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، ويدعو المواطنين إلى مقاطعتها. ولم يكتف البيان بإعلان الموقف، بل قدم تشخيصا سياسيا يعتبر أن الانتخابات، بصيغتها الحالية، «لم تستطع أن تنقل المغرب إلى أفق الديمقراطية والحرية والعدل»، وأن استمرارها بهذا الشكل أسهم، وفق تعبير البيان، في «تجدد وتغول الاستبداد والفساد».
لكن أهمية البيان لا تكمن فقط في موقف المقاطعة، وإنما في الحجة التي أقام عليها هذا الموقف. فالجماعة تضع يدها مباشرة على السؤال الذي يسبق كل نقاش حول نسبة المشاركة أو العزوف: ما مقدار السلطة التي تنتقل فعلا عبر الانتخابات؟
من تغيير الحكومات إلى تغيير القرار
يمكن للانتخابات أن تغير تركيبة البرلمان، وأن تنتج حكومة جديدة، وأن تعيد توزيع المواقع بين الأحزاب، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقالا موازيا في موازين السلطة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في التجربة الانتخابية المغربية: المواطن يصوت لاختيار ممثليه، والأحزاب تتنافس على البرامج والمقاعد، والحكومة تتحمل المسؤولية السياسية أمام البرلمان والرأي العام، لكن دوائر القرار الاستراتيجي لا تنحصر كلها في المؤسسات المنتخبة.
ويعبر بيان العدل والإحسان عن هذا التشخيص بوضوح حين يعتبر أن «المؤسسات المنتخبة» لا تملك «القرار السياسي الفعلي»، وأن الانتخابات «لا تفضي إلى تداول حقيقي على السلطة».
وبغض النظر عن الموقف من هذا التقييم، فإن العبارة تضع الإصبع على نقطة مركزية في أي نقاش جدي حول الديمقراطية: لا تكفي القدرة على انتخاب المسؤول إذا كانت صلاحياته لا تمنحه القدرة الكافية على تغيير الخيارات التي سيحاسبه المواطن عليها.
الحكومة التي تتحمل كلفة القرار ولا تملك كل القرار
تزداد هذه المفارقة وضوحا عندما ننتقل من البرلمان إلى الحكومة.
فالحكومة تأتي من صناديق الاقتراع بصورة غير مباشرة، وتقدم برنامجها أمام البرلمان، وتحصل على ثقته، ثم تصبح مسؤولة أمام المواطنين عن نتائج السياسات العمومية. لكنها تعمل داخل منظومة دستورية ومؤسساتية تتوزع فيها الاختصاصات ومراكز القرار.
وهنا تظهر مشكلة جوهرية في علاقة الناخب بالحكومة: المواطن يحاسب من يراه في الواجهة، بينما لا تكون كل مفاتيح القرار بالضرورة في يد من يوجد في الواجهة.
وهذا ما يجعل الانتخابات معرضة لأن تتحول من وسيلة لتغيير السياسات إلى وسيلة لتغيير المسؤولين عن تنفيذها.
ولا يتعلق الأمر هنا بنقاش ينفي أو يثبت وجود صلاحيات للحكومة والبرلمان، وإنما بتحديد حدودها الفعلية داخل بنية القرار السياسي. فكلما اتسعت الفجوة بين السلطة التي يتحملها المنتخب أمام الجمهور والسلطة التي يملكها فعليا في صناعة القرار، تراجعت قدرة الانتخابات على إنتاج محاسبة سياسية كاملة.
حين تصبح الانتخابات واجهة للتداول لا تداولا في السلطة
الديمقراطية لا تختزل في إجراء الانتخابات. فالانتخابات تكون ذات معنى سياسي عندما تسمح بتداول حقيقي في السلطة، وتمنح الناخب إمكانية معاقبة من فشل ومكافأة من نجح، وتتيح للمنتخبين تغيير السياسات والاختيارات التي على أساسها طلبوا أصوات المواطنين.
أما إذا كان التداول ينحصر أساسا في تغيير الوجوه والائتلافات الحكومية، بينما تبقى قواعد القرار الكبرى أكثر ثباتا من نتائج الانتخابات، فإن العملية الانتخابية تفقد وظيفتها الديمقراطية المتعارف عليها عالميا، وهي إفراز حكومة تقرر وتحكم فعليا وتحاسب على ذلك.
ولهذا فإن عبارة البيان حول أن الانتخابات الحالية «لا تفضي إلى تداول حقيقي على السلطة» ليست مجرد تبرير للمقاطعة؛ إنها، في جوهرها، دعوة إلى إعادة تعريف معنى التداول السياسي نفسه.
فالتداول الحقيقي لا يعني فقط أن يغادر حزب الحكومة ويدخل حزب آخر، بل أن يكون للانتقال الانتخابي أثر ملموس في اتجاهات السياسة العامة وموازين القرار.
العزوف ليس دائما لامبالاة
من السهل تفسير العزوف الانتخابي باعتباره فقدانا للاهتمام بالشأن العام. لكن هذا التفسير يظل ناقصا عندما يصبح العزوف واسعا ومتكررا.
فقد يكون العزوف، في بعض الحالات، تعبيرا عن اللامبالاة، لكنه قد يكون أيضا تعبيرا عن أزمة ثقة في جدوى المشاركة.
وهنا يربط بيان العدل والإحسان بين تجربته السياسية وبين ما يسميه «عزوفا شعبيا واسعا»، ويرى أن جذور المشكلة لا تكمن فقط في سلوك الناخب، وإنما في طبيعة المنظومة السياسية نفسها.
وهذا يفتح نقاشا أكثر جدية من مجرد لوم المواطن على عدم التصويت، فقبل مطالبة الناخب بالمشاركة، ينبغي أن تكون هناك إجابة مقنعة عن السؤال الذي يهمه مباشرة: ما الذي يمكن أن يتغير نتيجة مشاركتي؟
المقاطعة: انسحاب من الانتخابات أم شكل من أشكال الاحتجاج السياسي؟
من المهم هنا التمييز بين مقاطعة الانتخابات وبين الانسحاب من الشأن العام.
فالبيان نفسه يحرص على هذا التمييز، إذ يقول بوضوح: “إنه ليس انسحابا من الشأن العام»، وإنما «رفض لانتخابات لا تمكن الشعب من امتلاك قراره السياسي”.
وهذا التفريق مهم لفهم منطق المقاطعة كما تطرحه الجماعة. فهي لا تقدم موقفها باعتباره عزوفا عن السياسة، وإنما باعتباره موقفا سياسيا من طبيعة العملية الانتخابية نفسها.
وقد يختلف الفاعلون السياسيون والمواطنون حول جدوى هذا الخيار، بل قد يرون أن المقاطعة تترك المجال الانتخابي لغير المقاطعين وتضعف فرص التغيير من داخله، لكن هذا الاعتراض لا يلغي السؤال الذي دفع إلى المقاطعة: هل المشاركة في انتخابات محدودة الأثر على موازين القرار يمكن أن تنتج وحدها تحولا ديمقراطيا؟
وهنا يصبح الخلاف الحقيقي خلافا حول استراتيجية التغيير، لا حول قيمة السياسة أو أهمية الشأن العام.
بين المشاركة والمقاطعة: لا ينبغي أن تضيع القضية
من الخطأ أن يتحول النقاش إلى مباراة أخلاقية بين من يصوت ومن يقاطع، فالمشاركة ليست ديمقراطية في ذاتها، كما أن المقاطعة ليست ديمقراطية في ذاتها، قيمة كل موقف تتحدد بقدرته على خدمة هدف أكبر: توسيع مجال المواطن في صناعة القرار ومراقبة السلطة ومحاسبة المسؤولين عنها.
ولهذا فإن أنصار المشاركة مطالبون بالإجابة عن حدود ما يستطيع المنتخب تغييره، كما أن أنصار المقاطعة مطالبون بتوضيح الكيفية التي يمكن أن تتحول بها المقاطعة إلى قوة سياسية قادرة على فتح أفق جديد، لا إلى مجرد تسجيل موقف احتجاجي.
فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، والمقاطعة ليست غاية في ذاتها، كلاهما وسيلة، والسؤال الحاسم يتعلق بما إذا كانت هذه الوسيلة تقرب المجتمع من ديمقراطية فعلية أم تكتفي بإدارة شكلية للتنافس السياسي.
من الصندوق إلى قواعد اللعبة
المشكلة الأعمق، إذن، ليست في تقنية الانتخابات ولا في شكل ورقة التصويت ولا في عدد الأحزاب المتنافسة. إنها في العلاقة بين الانتخابات والسلطة.
فالناخب يستطيع أن يغير الحزب الذي يصوت له، والأحزاب تستطيع أن تغير تحالفاتها، والحكومة يمكن أن تتغير بعد كل انتخابات. لكن إذا بقيت القواعد التي تحدد مجال القرار السياسي أكثر ثباتا من نتائج الصندوق، فإن التغيير الانتخابي سيظل محدود الأثر.
وفي هذا السياق، يصبح مطلب البيان بوجود «مؤسسات منتخبة ذات صلاحيات فعلية» أكثر من مجرد شعار سياسي، إنه يضع معيارا يمكن من خلاله اختبار جدوى الانتخابات: هل تمنح نتائجها للمؤسسات المنتخبة قدرة حقيقية على الحكم، أم تمنحها أساسا مسؤولية إدارة السياسات داخل مجال قرار أوسع منها؟
انتخابات 2026 وسؤال الجدوى
انتخابات 23 شتنبر 2026 لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال نتائجها الرقمية: نسبة المشاركة، عدد المقاعد، توزيع الأصوات، ومن سيشكل الحكومة، الأهم هو ما ستكشفه عن العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
فإذا شارك المواطن، فالمطلوب أن تكون مشاركته منتجة للتأثير، لا مجرد إضافة رقم إلى نسبة المشاركة، وإذا قاطع فلا ينبغي أن تُقرأ المقاطعة فقط باعتبارها رقما سلبيا، بل بوصفها، في بعض الحالات، تعبيرا عن أزمة ثقة تستحق الفهم والمعالجة.
أما الدولة والأحزاب والمؤسسات المنتخبة، فالتحدي أمامها أكبر من تنظيم انتخابات ناجحة تقنيا، التحدي هو استعادة المعنى السياسي للمشاركة.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى أن يُقال له “صوّت”، إنه يحتاج إلى أن يلمس أن صوته يغير شيئا.
المعركة الحقيقية ليست مع الصندوق
في النهاية، لا ينبغي اختزال النقاش في معركة عقيمة بين من يدعو إلى المشاركة ومن يختار المقاطعة. فالمسألة أعمق من ورقة توضع في صندوق، وأبعد من نسبة مئوية تعلن بعد إغلاق مكاتب التصويت، المعركة الحقيقية هي حول السلطة التي ينتجها الاقتراع.
فالانتخابات لا تصبح ديمقراطية لمجرد أنها تجرى بانتظام، ولا يكتسب الصوت قيمته لمجرد أنه يُحتسب. المعنى السياسي للصندوق يبدأ عندما يتحول صوت المواطن إلى قدرة فعلية على التأثير في القرار، وتغيير السياسات، ومحاسبة من يملك السلطة.
ومن هنا يصبح موقف العدل والإحسان، مدخلا إلى نقاش يتجاوز حدود المقاطعة والمشاركة. فالبيان نفسه لا يغلق باب السياسة، بل يقول إن المقاطعة اختيار لـ «نضال متواصل من أجل الحرية والكرامة والحكم الرشيد»، ومن أجل «فتح أفق سياسي جديد يقوم على إرادة شعبية حرة».
وهنا ينبغي أن ينتقل النقاش من سؤال: من يشارك ومن يقاطع؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف يصبح صوت المواطن سلطة سياسية حقيقية؟
لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد من يدخلون إلى صندوق الاقتراع، ولا بعدد المقاعد التي تتوزع بين الأحزاب، وإنما بمدى قدرة المواطن، عبر ممثليه، على التأثير في السلطة والسياسات والاختيارات الكبرى.
فالمشكلة ليست في الصندوق… بل في مقدار السلطة التي تخرج منه.