العلاقة بين مسؤولية المرأة المسلمة ومقاصد الشريعة (5) | المرأة ومقصد المحافظة على المال

حفظ المال هو المقصد الخامس من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وهذا يعني أنه من الضروريات اللازمة التي لا يستقيم عيش بدونها، فهو قوام الحياة وعصبها، وقد تحدث عنه القرآن الكريم باعتبارات شتى:
الأول: كونه مالا لله وأن الإنسان مستخلف فيه لا أكثر: وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه [سورة الحديد، الآية 7].
الثاني: كونه زينة الحياة الدنيا: المال والبنون زينة الحياة الدنيا [سورة الكهف، الآية 36]، وذلك عندما يمتلكه العبد من حلال، وينفقه في الحلال، ويؤدي حقه شكرا لله وطاعة له.
الثالث: كونه فتنة: إنما أموالكم وأولادكم فتنة [سورة التغابن، الآية 15]، وذلك حين يمتلك من حرام، وينفق في حرام، ويحول دون عبادة الله، ويكون وسيلة للتجبر على خلق الله.
والمال بالرغم من أنه من الضروريات الخمس إلا أنه مجرد وسيلة وليس غاية في ذاته، وإنما يُطلب لتحقيق ما سبقه من الضروريات رتبة وأهمية، فبه يمكن أن يسعد المرء في العاجل والآجل وبه قد يشقى كذلك، والإنسان هو الذي يحدد طبيعة المال الذي استخلفه الله عليه. ونظرا لأن المال يتحكم في مصير الإنسان الدنيوي والأخروي فقد وضع الله أحكاما لحفظه وقواعد لكسبه وتملكه وتنميته وإنفاقه.
فالمقصد الأساسي الذي تنبني عليه المنظومة المالية في الإسلام هو العدل والتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير، إن على مستوى الإنتاج أو على مستوى الاستهلاك، بدءا من الأموال العامة للدولة وانتهاء بالأموال الخاصة التي يمتلكها كل فرد فرد ينتمي لهذه الأمة.
إن أول خلية يتحقق فيها مقصد المحافظة على المال وتعلم وسائل وطرق المحافظة عليه هي خلية الأسرة، إذ إن مسألة تدبير الإنفاق والاقتصاد في الأموال من أول الركائز التي تستقيم عليها الحياة السعيدة، قال صلى الله عليه وسلم: "ما عال من اقتصد" [رواه الإمام أحمد رحمه الله]، وقال عليه الصلاة والسلام: "من فقه الرجل رفقه في معيشته" [رواه الإمام أحمد رحمه الله]، حيث نهى صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال في ما لا ينفع أو في ما يضر؛ من إساءة التصرف فيه بأي وجه من أوجه الحرام وما يقرب إليه من المشتبهات.
إذا كانت المرأة في الشريعة الإسلامية الحكيمة ترتفع عنها مسؤولية النفقة على نفسها وعيالها، فإن هذا لا يرفع عنها مسؤولية المحافظة على ما يجلبه الرجل من أموال قال صلى الله عليه وسلم: "خير النساء من تسرك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك" [رواه الإمام الطبراني رحمه الله]، والغيبة هنا بمعناها العام الشامل الذي يستغرق كل ما غاب عن عينه ولو كان حاضرا، فالمرأة هي المحور الرئيس في عملية تدبير الإنفاق.
تكون المرأة محققة لمقصد حفظ المال من جانبيين: جانب الوجود وجانب العدم.
حفظ المرأة للأموال من جانب الوجود
إذا كان الرجل في المنهاج الإسلامي يتحمل مسؤولية جلب الواردات للأسرة، فإن المرأة تتحمل مسؤولية ترشيد الاستهلاك وتدبير الأموال، إذ إنها تحدد متطلبات الأسرة وتميز بين الهام والمهم والعاجل وما يمكن تأجيله، آخذة في نظر الاعتبار قدرة الزوج على الإنفاق ودخل الأسرة وميزانيتها العامة، حيث لا تكلف الزوج القائم ما لا يدخل في وسعه، ولا تعمل على تكثير الطلبات من غير ضرورة ملحة ولا حاجة ماسة، وتحرص على عدم تبديد الأموال في الشهوات الزائدة على قدر الضرورات ومكملاتها من حاجيات وتحسينيات. بل وإن استطاعت أن تستثمر وقت فراغها فيما يجلب لها من المال ما تسد به بعض الحاجات الخاصة كان أحسن وأفضل، قال ابن مسعود: "إني لأمقت الرجل أراه فارغا، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة".
كما أن المرأة المؤمنة هي التي تأبى إلا أن تأكل هي وأبناؤها حلالا طيبا فتعين الزوج على الكسب الحلال، وتكون بمثابة الضمير الحي الذي يذكر صاحبه كلما غفل حرصا منها على وقاية نفسها وأهلها نارا وقودها الناس والحجارة.
كما تعمل على تنمية أموال أسرتها وتزكية مداخيلها عن طريق أداء حق الله فيها والتعبد ببذل الزكوات المفروضة والتقرب له بالنفقات النافلة، وتذكِّر بذلك وتشجع عليه، وتحرص أن لا تكون سببا معرقلا يحول دون مبادرة الزوج إلى البذل بإيهامه أن تكاليف الأسرة لا تسمح بذلك ولا تتحمله...
المرأة حافظة للمال بما تعلم أبناءها طرق المحافظة عليه
تكون المرأة حافظة للمال عن طريق تعليم أولادها مبادئ أساسية في التعامل مع المال، وأول ما تبدأ به هو أن تركز في أنفسهم قناعة أولية وهي أن المال مال الله ونحن فقط مستخلفين فيه، فهو أمانة وضعه الله في أيدينا وجعله سببا نقيم به حياتنا وليس غاية وإلها يعبد من دون الله، وتبين لهم أن الحرية في امتلاك الأموال محكومة باكتسابه من طرق مشروعة وإنفاقه في أوجه مشروعة.
ومن الحكمة أن تعلم طفلها منذ سن مبكرة وبمجرد ما يفطن إلى المال أن امتلاك الأشياء يحتاج إلى توفر المال، وأن اكتساب المال يتطلب بذلا للجهد فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وإنما بقدر سعيه يعطيه الله، فتعمل على حثه على القيام بعمل ما مقابل أجر، وترشده إلى اعتماد نظام صندوق التوفير الشخصي، وتدربه على ممارسة عملية الشراء لكي يتعلم أن قرار الشراء يأتي حسب ما توفر لديه وما تتحمله حويصلته الخاصة، ومن ثم يتعلم حسن إدارة أمواله وإنمائها واستثمارها، وهذا يبعث فيه روح الاعتماد على نفسه والثقة في ذاته، فتتكون لديه الشخصية المؤمنة القوية المتزنة المبنية على أساس قوي، فاليد العليا خير وأحب إلى الله من اليد السفلى.
كما أنه من الحكمة أيضا أن لا تقتصر على تعليمه وسائل الإنتاج، بل تعمد إلى تنمية سلوك الطفل الاستهلاكي وتعليمه مهارات استهلاكية يعتمد فيها الوسط الجامع بين طرفي الإفراط والتفريط، فالمال ماله وله الحق في تملكه والتصرف فيه لكن في حدود ما شرعه الله، فالمال نعمة من الله وجب على المرء شكرها، والشكر إنما يكون ببذله والتصدق به على المحرومين والمحتاجين.
إذا نشأ الطفل على هذه القيم منذ صغره لا شك أنه سيكون أعرف بقيمة المال وحقيقته، وأقدر على تدبير شؤونه المالية في المستقبل.
حفظ المال من جانب العدم
وضع الشارع الحكيم عدة سياجات لحفظ الأموال من الضياع، فحرم طرق الكسب التي يكون فيها غبن أو غش أو ضرر يلحق بالآخرين؛ كالميسر والمقامرة والربا والرشوة والسرقة والسلب والنهب والانتشال والبخل والشح والتبذير.. لأنها كلها معاملات تؤدي إلى تعطيل المال عن أداء مهمته؛ وهي الوفاء بحاجات الناس وتحصيل مصالحهم.
فمن واجب المرأة المؤمنة أن تكون على وعي تام ومعرفة عامة بكل هذه المعاملات حتى تستطيع أن تطلع رعيتها عليها فتحترس منها وتجتنبها، وذلك بتربية أبنائها على أداء الأمانات والقناعة بما رزقهم الله، دون التطلع إلى ما عند الغير، ومحاولة الحصول عليه ولو بإلحاق الضرر بغيرهم، وهذا قد يمثل في صور بسيطة في مجتمعاتنا، فنجد الأطفال منذ صغرهم يعملون على ربح بعض الأموال عن طريق بعض الألعاب التي لا تخلو أن تكون نوعا من المقامرة أو الميسر أو الربا، فيتعودون على كسب الأموال بطرق منهي عنها نهي التحريم، ويموت في نفوسهم حس التقزز من الحرام وبغضه.
إن تدبير الشؤون العامة للمجتمع إنما تبدأ من السلوكيات الفردية لكل واحد في المجتمع، وإن التعود على نمط في التعامل مع الأموال ينسحب بالتدريج إلى الأمة جمعاء، لذا كان واجبا تربية الفرد أولا على الإيمان الراسخ بأن المال نعمة أنعمها الله على عباده وسخرها لهم لعلهم يتذكرون فيشكرون الله ويؤدون حقه يوم حصاده و يحلون حلاله ويحرمون حرامه.







