العمل السياسي بين المشاركة الانتخابية وصناعة المجال العام: نحو تصور متكامل للفاعلية المجتمعية (1/2)

Cover Image for العمل السياسي بين المشاركة الانتخابية وصناعة المجال العام: نحو تصور متكامل للفاعلية المجتمعية (1/2)
نشر بتاريخ

كثيرا ما تُختزل المفاهيم الكبرى في بعض مظاهرها حتى يُظن الجزء كلا، والفرع أصلا، والوسيلة غاية. ومن أكثر المفاهيم التي أصابها هذا الاختزال في الفكر المعاصر مفهوم العمل السياسي؛ إذ غلب على طائفة من الناس أن السياسة لا تعدو أن تكون مشاركة في انتخابات، أو انخراطا في حزب، أو منافسة على موقع من مواقع السلطة. حتى كأن السياسة قد أُودعت صناديق الاقتراع، فإذا فُتحت حضرت، وإذا أُغلقت غابت.

غير أن هذا التصور، على ما فيه من حظ من النظر، لا يمثل إلا جانبا محدودا من الحقيقة؛ لأن السياسة في جوهرها أوسع من السلطة، وأبقى من الحكومات، وأعمق من الإجراءات الانتخابية. إنها فن تدبير الشأن العام، وصناعة الإرادة الجماعية، وبناء الشروط التي تجعل العمران الإنساني ممكنا ومستداما.

ولذلك لم يكن غريبا أن تجعل الرسالات السماوية إقامة العدل غاية من غايات وجودها في التاريخ؛ قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25]. فالقيام بالقسط ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل مشروع حضاري تتفرع عنه سائر وظائف الاجتماع الإنساني.

ومن هنا ارتبط العمل السياسي في التصور الإسلامي بمفهوم المسؤولية العامة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» [أخرجه البخاري ومسلم]. فالحديث لا يقصر الرعاية على الحاكم، بل يوزعها على مختلف الفاعلين في المجتمع، بحيث يصبح كل فرد مسؤولا – بقدر استطاعته وموقعه – عن الإسهام في إصلاح المجال الذي يتحرك فيه.

ومن هذا المنطلق تبرز الإشكالية المركزية لهذا المقال: هل يتجسد العمل السياسي في المشاركة الانتخابية وحدها، أم أن الانتخابات ليست سوى وجه من وجوهه؟ وإذا كانت السياسة أوسع من ذلك، فما الأفق الذي ينبغي أن يتطلع إليه الفرد حتى يكون فاعلا في مجتمعه، بعيدا عن العبث الذي يستنزف الطاقات دون أن يترك أثرا في العمران؟

أولا: حدود اختزال العمل السياسي في الانتخابات

لا ريب أن الانتخابات تمثل إحدى أهم آليات المشاركة السياسية في الدولة الحديثة، فهي الوسيلة التي يعبّر المواطنون من خلالها عن اختياراتهم، ويحددون من يتولى تدبير شؤونهم العامة. غير أن الخطأ لا يكمن في تقدير الانتخابات، وإنما في اختزال السياسة فيها، حتى تصبح العملية السياسية كلها رهينة موسم انتخابي محدود.

فالانتخابات حدث دوري عابر، أما السياسة فهي عملية مستمرة تتعلق بتشكيل الوعي، وصناعة القيم، وبناء المؤسسات، وتوجيه المجال العام. ومن ثم فإن صندوق الاقتراع لا يصنع الإنسان الذي يصوت، وإنما يعكس – في الغالب – ما تكون قد صنعته التربية والثقافة والخبرة الاجتماعية في وعيه وتصوراته.

ولهذا السبب أشار عالم الاجتماع ماكس فيبر إلى أن السلطة لا تستند إلى الإجراءات القانونية وحدها، بل تحتاج إلى شرعية اجتماعية وثقافية تمنحها القبول والاستمرار 1. كما بيّن ألكسيس دو طوكفيل أن قوة المجتمعات الديمقراطية لا تتجلى في الانتخابات وحدها، بل في حيوية المجتمع المدني وقدرته على تنظيم نفسه خارج مؤسسات الدولة 2.

وليس التاريخ في صفحاته الممتدة إلا شاهدا على أن الأفكار كانت دائما أسبق من الأنظمة، وأن التحولات الكبرى بدأت في العقول قبل أن تنتقل إلى المؤسسات. فما من نهضة عظيمة إلا وكانت في أصلها فكرة، وما من إصلاح واسع إلا وكان في بدايته وعيا جديدا يتشكل في ضمير المجتمع.

وقد تنبه ابن خلدون إلى هذه الحقيقة حين ربط قيام الدول وسقوطها بقوانين العمران البشري، ولم يجعل السياسة مجرد فعل سلطوي معزول عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي تنتجه 3. فالدولة عنده ليست إلا صورة ظاهرة لبنية أعمق تتكون من القيم والثقافة وأنماط العيش.

ومن ثم فإن اختزال السياسة في الانتخابات يشبه اختزال الزراعة في الحصاد؛ إذ يغفل المراحل الطويلة التي تسبق الثمرة، ويصرف النظر عن الجذور التي تمنحها أسباب الحياة. فالسياسة الحقيقية تقوم على بناء الإنسان وتكوين الوعي وترسيخ القيم، لذلك لا ينبغي اختزالها في الانتخابات، بل في إعداد المجتمع القادر على الاختيار الرشيد. ومن ثم تبقى الانتخابات جزءا من العمل السياسي لا جوهره، إذ إن نهضة الأمم تُبنى أولا على وعي الإنسان ونضج المجتمع.

ثانيا: العمل السياسي باعتباره صناعةً للمجال العام

إذا كانت النظرة التقليدية إلى السياسة تقف عند حدود الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، فإن الفكر السياسي المعاصر قد وسّع دائرة النظر، لينتقل من التركيز على السلطة إلى التركيز على المجال العام الذي تتشكل فيه الإرادات، وتتنافس فيه الأفكار، وتتبلور من خلاله التصورات الجماعية للمصلحة المشتركة. فالدولة ليست سوى التعبير المؤسسي عن حركة أعمق تجري داخل المجتمع، حيث تتكون القناعات وتتفاعل الرؤى وتتحدد اتجاهات الفعل العام.

وفي هذا السياق برز مفهوم “المجال العام” باعتباره الفضاء الذي يلتقي فيه الأفراد والجماعات للحوار والتشاور وتبادل الرأي حول القضايا المشتركة. وقد جعل يورغن هابرماس هذا المجال أحد الشروط الأساسية لقيام الممارسة الديمقراطية السليمة، لأن الإرادة الجماعية لا تُفرض من أعلى، وإنما تتكون عبر التواصل الحر والتداول العقلاني بين المواطنين 4.

ومن هنا لم تعد السياسة مجرد تدبير للسلطة، بل أصبحت مرتبطة بإنتاج المعنى، وصناعة التوافقات الاجتماعية، وبناء الرأي العام القادر على التأثير في القرار. ولذلك تؤكد حنة أرندت أن جوهر السياسة لا يكمن في السيطرة أو الهيمنة، وإنما في الحرية ذاتها، فتقول: “يوجد جواب بسيط وقطعي في ذاته فيما يتعلق بالسياسة، حيث تبدو كل الأجوبة الأخرى عنه سطحية جدا. هذا الجواب هو التالي: معنى السياسة هو الحرية” 5.

ويكشف هذا التصور عن انتقال جوهري في فهم السياسة؛ إذ تصبح الحرية شرطا لوجودها لا نتيجة من نتائجها فقط. فالسياسة لا تزدهر حيث يُقمع الإنسان أو يُسلب حقه في التعبير، وإنما تنمو حيث تتاح له إمكانية المشاركة والمبادرة والإسهام في الشأن العام.

ولهذا ترى أرندت أن السياسة لا تُولد في عزلة الأفراد، بل في الفضاء الذي يجمعهم، إذ تقول: “السياسة تولد في الفضاء الذي يوجد فيه الناس” 6. فحيث يوجد اللقاء والحوار والتفاعل، يوجد المجال الذي تتشكل فيه السياسة بمعناها الحقيقي.

ولذلك أيضا “تقوم السياسة على واقع أساسي عنوانه التعدد البشري” 7، لأن الاختلاف بين البشر ليس عائقا أمام العمل السياسي، بل هو شرط وجوده. فلو كان الناس نسخة واحدة من حيث الرأي والتصور والمصلحة، لما كانت هناك حاجة إلى الحوار أو التشاور أو التوافق.

ومن ثم فإن السياسة تصبح ضرورة مطلقة للحياة الإنسانية، لا لحياة المجتمع فحسب، وإنما كذلك لحياة الفرد. فهي ليست نشاطا إضافيا يمارسه بعض الناس دون بعض، بل بعدٌ أصيل من أبعاد الوجود الإنساني، ما دام الإنسان يعيش بين الناس ويتأثر بهم ويؤثر فيهم.

وهذا المعنى ينسجم إلى حد بعيد مع التصور الإسلامي الذي أقام الحياة العامة على أساس التشاور والتعاون. قال الله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: 38]، وقال سبحانه مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159]. فالشورى ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل اعتراف بقيمة الإنسان وقدرته على الإسهام في صناعة القرار.

ومن هنا فإن الحوار والتلاقي والتفاعل داخل الفضاءات العمومية يكتسب أهمية خاصة، لأنه الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها إعادة ربط الصلة بين أفراد المجتمع المشاركين في العملية التواصلية. وكلما اتسعت دوائر التواصل الحر، تعززت الثقة بين مكونات المجتمع، وازدادت قدرته على إنتاج حلول مشتركة لمشكلاته.

وفي ضوء هذا الفهم، لا يقتصر الفاعل السياسي على المنتخب أو الحزبي أو المسؤول الحكومي، بل يشمل كل من يسهم في تشكيل المجال العام. فالمعلم الذي يبني وعيا نقديا لدى طلابه، والباحث الذي يكشف مواطن الخلل في المجتمع، والمفكر الذي يطرح أسئلة جديدة، والصحفي الذي ينير الرأي العام، جميعهم يشاركون بدرجات متفاوتة في صناعة السياسة بمعناها الحضاري.

ويشهد لهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» [أخرجه مسلم]. فالدلالة على الخير مشاركة في إنتاجه، والإسهام في بناء الوعي مشاركة في بناء الواقع نفسه. ولذلك فإن التأثير الفكري والثقافي ليس أقل شأنا من التأثير المؤسسي، لأن الأفكار كثيرا ما تكون أسبق من القوانين، وأبقى أثرا من القرارات.

وعليه، فإن العمل السياسي لا يبدأ عند أبواب البرلمان، ولا ينتهي عند صناديق الاقتراع، بل يبدأ منذ اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يكون فاعلا في مجتمعه، حاملا لفكرة نافعة، أو قيمة مصلحة، أو مشروع يخدم الناس ويعينهم على النهوض بأحوالهم. وهناك تتجلى السياسة في أوسع معانيها، بوصفها مشاركة في بناء المجال العام وصناعة الإرادة الجماعية.


[1] ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة: جورج كتورة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، ،2011 ص 266.
[2] A. de Tocqueville, de la démocratie en Amérique, Tome II (Cf. la version électronique dans les Classiques des sciences sociales), p139.
[3] مقدمة ابن خلدون، علي عبدالواحد وافي، ص701.
[4] يورغن هابرماس، العلم والتقنية كإيديولوجيا، ترجمة: حسن صقر، منشورات الجمل، 2003م، ص 63.
[5] حنة أرندت، ما السياسة؟ ترجمة: زهير الخويلدي، سلمى بالحاج مبروك، دار الأمان، الرباط، 2014 م، ص 27.
[6] مليكة بد دودة، فلسفة السياسة عند حنة أرندت، دار الأمان، الرباط، 2015 م، ص83.
[7] حنة أرندت، في السياسة وعدا، ترجمة: معز مديوني، منشورات الجمل، بيروت، 2018 م، ص149.