العودة إلى المدرسة.. من حقيبة السفر إلى حقيبة المدرسة

Cover Image for العودة إلى المدرسة.. من حقيبة السفر إلى حقيبة المدرسة
نشر بتاريخ

كيف نهيئ أبناءنا لبداية دراسية ناجحة بعد العطلة؟

بعد أسابيع من النوم المتأخر، والرحلات، والزيارات العائلية، واللعب، والشاشات، تأتي لحظة العودة إلى المدرسة.

لحظة تبدو بسيطة للكبار، لكنها بالنسبة إلى الطفل انتقال حقيقي من عالم إلى عالم آخر.

فبعد أن كان يستيقظ دون منبه، ويختار متى يلعب ومتى يخرج، سيصبح عليه أن يستيقظ في ساعة محددة، ويرتب أدواته، ويحضر دروسه، ويلتزم بجدول دراسي، ويتعامل مع معلمين وزملاء، ويتحمل مسؤوليات جديدة.

ولهذا، فإن العودة إلى المدرسة لا ينبغي أن تكون قرارًا مفاجئًا في صباح اليوم الأول، ولا ينبغي أن تبدأ بعبارات مثل: “انتهت العطلة، وعليك الآن أن تعود إلى الدراسة !”

بل هي مرحلة تحتاج إلى تهيئة تدريجية، حتى يدخل الطفل عامه الدراسي الجديد بنفس مطمئنة، وعزيمة متوازنة، واستعداد نفسي، وعملي.

فالهدف ليس أن ننتزع الطفل من العطلة، وإنما أن نحوّل ما اكتسبه خلالها إلى طاقة لبداية جديدة.

أولا: لا تجعلوا نهاية العطلة عقوبة

من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يتعامل بعض الآباء والأمهات مع بداية الدراسة وكأنها نهاية لكل شيء جميل.

فتتحول لغة الأسرة فجأة من: “استمتع بوقتك.”

إلى:

·      “انتهى اللعب.”

·      “أغلق الهاتف.”

·      “لم يعد هناك وقت.”

·      “الدراسة بدأت !”

وقد يجعل هذا الأسلوب الطفل ينظر إلى المدرسة باعتبارها الطرف المقابل للمتعة.

والأصل أن نعلم أبناءنا منذ الصغر أن الحياة تقوم على التوازن؛ فهناك وقت للراحة، ووقت للعب، ووقت للتعلم، ووقت للأسرة، ووقت للعبادة.

وقد وجّهنا القرآن الكريم إلى هذا التوازن في قوله تعالى وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَا (القصص: 77).

فالطفل الذي يتربّى على التوازن لا ينظر إلى الدراسة باعتبارها نقيضا للراحة والمتعة، بل يتعلّم أن لكل جانب من جوانب حياته حقه، وأن النجاح الحقيقي يقوم على حسن تنظيم الوقت والاستفادة منه.

ثانيا: أعيدوا الساعة البيولوجية للطفل بهدوء

ربما كان الطفل طوال الصيف ينام في وقت متأخر، ويستيقظ بعد شروق الشمس بساعات.

لذلك فإن مطالبته قبل بداية الدراسة بيومين بأن ينام مبكرًا ويستيقظ في السادسة صباحًا قد تكون وصفة مثالية للتوتر والمقاومة.

الأفضل أن يبدأ التغيير تدريجيًا قبل العودة إلى المدرسة بأسبوع أو أسبوعين:

·      تقديم موعد النوم تدريجيًا.

·      تقديم موعد الاستيقاظ.

·      تنظيم أوقات الوجبات.

·      تخصيص وقت هادئ قبل النوم.

·      تقليل استخدام الشاشات في المساء.

وبذلك يصل الطفل إلى اليوم الأول من الدراسة وقد اعتاد جسده ونفسه الإيقاع الجديد.

ثالثا: لا تبدأوا العام الدراسي باستدراك كل ما فات

من الأخطاء الأخرى أن يشعر الطفل أن نهاية العطلة تعني فجأة فتح جميع الكتب القديمة، ومراجعة كل الدروس، وحل عشرات التمارين.

نعم، من المفيد أن يستعيد الطفل بعض المهارات الأساسية، خصوصًا في القراءة والحساب، لكن المراجعة شيء، وتحويل الأيام الأخيرة من العطلة إلى موسم امتحانات شيء آخر.

يمكن تخصيص وقت قصير يوميًا:

·      قراءة قصة.

·      مراجعة بعض العمليات الحسابية.

·      كتابة فقرة قصيرة.

·      لعبة تعليمية.

·      مراجعة كلمات بلغة أجنبية.

والأهم أن يشعر الطفل أن التعلم نشاط طبيعي، وليس عقوبة على انتهاء العطلة.

رابعا: اجعلوا الطفل شريكًا في الاستعداد

بدل أن يتولى الأب أو الأم كل شيء، أشركوا الطفل في التحضير.

دَعوه يختار بعض الأدوات المدرسية المناسبة.

ساعدوه على ترتيب حقيبته.

اجعلوه يتفقد ملابسه.

شاركوه في إعداد مكان الدراسة.

واطلبوا منه أن يكتب الأشياء التي يحتاج إليها.

قد تبدو هذه الأعمال بسيطة، لكنها تمنحه شعورًا بالمسؤولية والاستقلالية.

فالهدف ليس أن نقول له: “استعد للمدرسة.”

بل أن نساعده على أن يقول: “أنا أستعد للمدرسة.”

وهذا فرق تربوي كبير.

خامسا: تحدثوا عن المدرسة بلغة إيجابية

قد يكون الطفل متحمسًا للقاء أصدقائه، بينما يشعر آخر بالقلق من معلم جديد، أو قسم جديد، أو مستوى دراسي أصعب.

لذلك تحدثوا معه عن المدرسة، ولكن دون مبالغة في الوعود أو التخويف.

اسألوه:

·      ما أكثر شيء تتطلع إليه عند رجوعك للمدرسة؟

·      من الأصدقاء الذين تشتاق إلى رؤيتهم؟

·      ما الشيء الذي تريد أن تحسنه هذا العام؟

هذه الأسئلة تفتح الباب أمام الطفل للتعبير عن مخاوفه بدل أن يخفيها.

وإذا قال: “أنا خائف من أن يكون العام صعبًا.”

فلا نسارع إلى القول: “لا تخف، الأمر سهل.”

بل يمكن أن نقول: “قد يكون فيه بعض الصعوبة، وسنساعدك على تجاوزها خطوة خطوة.”

فالطفل لا يحتاج إلى والدين ينكران مخاوفه، بل إلى والدين يشعرانه أنه ليس وحده في مواجهتها.

سادسا: حوّلوا العطلة إلى رصيد لبداية العام

لا ينبغي أن تنتهي العطلة وكأنها فصل منفصل عن حياة الطفل.

فالطفل الذي قرأ عدة قصص يمكن أن يبدأ العام الدراسي وهو أكثر طلاقة في القراءة.

والذي مارس الرياضة يمكن أن يحافظ على نشاطه البدني.

والذي زار أقاربه يمكن أن يعود وهو أكثر قدرة على التواصل.

والذي تعلم مهارة جديدة يمكن أن يبدأ العام الدراسي بثقة أكبر.

والذي شارك في أعمال المنزل يمكن أن يحمل معه روح المسؤولية.

حتى الرحلات يمكن أن تتحول إلى مادة للتعلم؛ فقد يكتب الطفل موضوعًا عن مكان زاره، أو يبحث عن تاريخه، أو يرسم خريطة للرحلة، أو يحسب المسافة التي قطعها.

وهكذا لا تكون العطلة فترة “ضائعة” من المسار التعليمي، بل تصبح امتدادًا غير مباشر للتعلم.

سابعا: اتفقوا على قواعد الشاشات قبل بداية الدراسة

هذه النقطة تحتاج إلى اتفاق عائلي واضح.

فمن الصعب أن نقول للطفل في أول يوم: “من اليوم لن تستخدم الهاتف إلا ساعة واحدة !”

بعد أن اعتاد طوال الصيف على ساعات طويلة أمام الشاشة.

الأفضل أن تناقش الأسرة قواعد الاستخدام قبل بداية الدراسة:

·      متى يسمح باستخدام الأجهزة؟

·      أين تستخدم؟

·      هل الهاتف موجود أثناء تناول الطعام؟

·      هل يستخدم قبل النوم؟

·      ما مدة اللعب الإلكتروني؟

·      ما الذي يحدث إذا انتهى وقت الاستخدام؟

والأفضل أن تكون القواعد واضحة وثابتة ومطبقة على الجميع بحسب العمر والحاجة.

فالهدف ليس حرمان الطفل من التكنولوجيا، وإنما تعليمه أن يكون هو من يديرها، لا أن تدير هي يومه.

ثامنا: لا تجعلوا النجاح الدراسي هو القيمة الوحيدة

من المهم جدًا أن يعرف الطفل أن محبة والديه له لا تتوقف على علاماته الدراسية.

نعم، نريد منه أن يجتهد، وأن يحقق أفضل ما يستطيع، لكننا نريده أيضًا: صادقًا، متعاونًا، محترمًا، مسؤولًا، رحيمًا، قادرًا على الاعتذار، وقادرًا على المحاولة بعد الفشل.

قد يحصل طفل على علامة مرتفعة، لكنه يحتاج إلى تطوير علاقاته الاجتماعية. وقد يحصل آخر على نتيجة متوسطة، لكنه أظهر اجتهادًا كبيرًا وتقدمًا واضحًا.

لذلك، بدل أن نسأل الطفل دائمًا: “كم حصلت؟”

يمكن أن نسأله أحيانًا:

·      “ماذا تعلمت؟”

·      “ما الشيء الذي أتقنته اليوم؟”

·      “ما الصعوبة التي تجاوزتها؟”

فبهذه الأسئلة نربي طفلًا يبحث عن التعلم والنمو، لا عن العلامة فقط.

تاسعا: ضعوا مع الطفل هدفًا واحدًا أو هدفين

لا يحتاج الطفل في بداية العام إلى قائمة طويلة من القرارات.

يكفي أن يختار مع والديه هدفًا واضحًا أو هدفين، مثل:

·      “سأقرأ عشر صفحات كل يوم.”

·      “سأرتب حقيبتي بنفسي كل مساء.”

·      “سأحافظ على وقت نومي.”

·      “سأحاول المشاركة في القسم مرة واحدة كل يوم.”

وفي نهاية كل أسبوع، يمكن للأسرة أن تسأله: ماذا نجحنا في تحقيقه؟

وبهذه الطريقة يصبح العام الدراسي رحلة من الخطوات الصغيرة، لا سباقًا مرهقًا نحو نتيجة نهائية.

جربوا هذا قبل الدخول المدرسي

–       حقيبة الاستعداد

خصصوا يومًا عائليًا قبل بداية الدراسة، واجعلوا الطفل يشارك في:

·      ترتيب حقيبته.

·      تجهيز أدواته.

·      تنظيم ملابسه.

·      إعداد مكان الدراسة.

·      تحديد موعد النوم والاستيقاظ.

–       ساعة هادئة

خصصوا كل يوم وقتًا قصيرًا للقراءة أو مراجعة بسيطة، دون تحويله إلى حصة مدرسية.

–       مساء بلا شاشات

اختاروا إحدى أمسيات الأيام الأخيرة من العطلة لتكون هادئة بلا ألعاب إلكترونية، واستبدلوها بحديث عائلي أو لعبة جماعية أو قراءة.

–       رسالة إلى نفسي

اطلبوا من الطفل أن يكتب رسالة قصيرة إلى نفسه: “ماذا أريد أن أحقق هذا العام؟”

ثم احتفظوا بها إلى نهاية السنة الدراسية.

قد تكون هذه الورقة الصغيرة أجمل ما سيكتشفه الطفل عندما يقرأها بعد أشهر.

وأخيرًا… لا تنسوا أن المدرسة ليست وحدها التي تربي

حين يعود الطفل إلى المدرسة، تبدأ مرحلة جديدة، لكن دور الأسرة لا ينتهي عند باب المؤسسة التعليمية.

فالمدرسة تعلم، والأسرة تربي، والنجاح الحقيقي يحدث عندما يعمل الطرفان في الاتجاه نفسه.

ولا يحتاج الطفل إلى والدين يقفان فوق رأسه كل مساء ليتابعا الواجبات، بقدر ما يحتاج إلى بيت يشعر فيه أن التعلم قيمة، وأن الخطأ فرصة للتعلم، وأن الجهد محل تقدير، وأن النجاح لا يقاس بالعلامة وحدها.

لقد قضى الطفل صيفًا طويلًا بين اللعب والراحة، والسفر، والزيارات والذكريات.

والآن حان الوقت ليأخذ من تلك التجربة زادًا جديدًا:

·      من اللعب… النشاط.

·      ومن الرحلات… الفضول.

·      ومن الزيارات… الانتماء.

·      ومن المهارات التي تعلمها… الثقة بالنفس.

·      ومن لحظات الراحة… الطاقة لبداية جديدة.

فلا تجعلوا العودة إلى المدرسة نهايةً للعطلة، بل اجعلوها بدايةً لمرحلة جديدة أكثر نضجًا وتوازنًا.

وقد لا يحتاج أبناؤنا في صباح اليوم الأول إلى حقيبة مدرسية جديدة فقط؛ قد يحتاجون قبل ذلك إلى كلمة طيبة، وابتسامة، وحضن يقول لهم دون كلام: نحن نثق بك، وسنكون إلى جانبك.