الفن الإسلامي البديل عند الإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for الفن الإسلامي البديل عند الإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

يجلب الفنُّ الإسلاميُّ الهادفُ الشعور بالجمال والمتعة والسرور، باعتباره الفسحة البريئة التي يكون فيها الترويح عن النفس وسط تعقيدات الحياة الراهنة. هناك مجموعة من مظاهر الترويح في الإسلام تعيد تجديد النشاط في النفس البشرية. لكن يُشترَط فيها التوازن والاعتدال والالتزام بالقيم الإسلامية.

وقد عمد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله  – من خلال  مشروعه المنهاجي – إلى ذِكر أهمية الفن الإسلامي البديل من خلال تحفيز الفكر والتأمل والمناقشة عند قرائه، فقدم ذلك في كتابه “تنوير المؤمنات” في فقرة “المؤمنات وحب اللهو”، عالج فيها  مظاهر الفُسحة الدينية بين الصحابة الكرام في عهد الرسول ﷺ.

طرح في هذه الفقرة عدة أسئلة، منها: ما هي الفسحة التي في ديننا؟ وما هي الحدود الشرعية لهذا الفضاء الفسيح؟

ويجيب الإمام عن هذه الأسئلة وغيرها بالحديث عن الفسحة الحقيقية التي عاشها الصحابة الكرام مع بعضهم البعض في حياة الرسول ﷺ.

فاستدل بما “روى عز الدين بن الأثير في كتابه “أُسْدُ الغابة” أن نُعَيْمان كان مَزَّاحا. سافر إلى الشام تحت إمرة أبي بكر ومعهم سُوَيْيط. وكان سوييط في هذه السفرة مكلفا بالزاد، سأله نعيمان أن يُطعِمه فأبى. فاحتال عليه، وأتى قومًا أكد لهم أن له غلامًا يريد أن يبيعه. وباع سوييطًا بعشر قلائص (نوق). ووضعوا الحبل في عنقه وذهبوا به، لولا أن أبا بكر الصّدّيق تدارك الموقف لمّا علم بما حدث. رجعوا إلى المدينة فعلم رسول الله ﷺ بما فعل نعيمان، فلبث هو والصحابة يضحكون حَوْلًا (عاما) من هذه الفعلة” 1.

ويضيف الإمام متسائلا: أمزوحة ثقيلة! أم هي الفسحة في الدين؟

يبين هذا الاستدلال في قول الإمام رحمه الله كيف أن المزاح في عهد الصحابة الكرام، كان جزءًا من حياتهم اليومية مع النبي ﷺ، ومع بعضهم البعض، وكيف أنه كان يعمل على تأليف القلوب، وترسيخ أواصر المحبة القلبية فيما بينهم.

ويضيف رحمه الله: “جاء أعرابي فأناخ ناقته ودخل عند رسولِ الله ﷺ. فجاء الصحابة إلى نُعيمان وأوعزوا إليه أن ينحر لهم الناقة لأنهم قرموا إلى اللحم (أي اشتهوا واشتاقوا إليه بشدة)، ففعل، فخرج الأعرابي يصيح لما رأى ناقته منحورة، وذهب النبي ﷺ يبحث عن نُعَيْمان فوجده اختبأ في بيت ضيافة بنت الزبير بن عبد المطلب، فأشار إلى مكان اختفائه، وقال بصوت عالٍ: ما رأيتُه يا رسول الله! هذا وأصبعه تشير إلى المكان. فخرج نعيمان وقال: يا رسول الله، الذين دلّوك عليَّ هم الذين أمروني. فجعل رسول الله ﷺ يمسح وجهه ويضحك، وغرم الناقة لصاحبها” 2.

نحن في هذا المشهد التصويري الحقيقي أمام فسحة ربانية للصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، كانوا يمارسون ذلك المزاح اللطيف، الذي لا يُلهي عن ذكر الله، ضمن ضوابطَ شرعيةٍ، توازن بين الجِد والعبادة، والراحة المباحة.

يضيف رحمه الله: “إنه بعد فضل الله ورسوله ما وصلنا الإسلام إلا بفضل أهل بدر الذين هم رمز الجهاد ومرجع الفضائل إلى يوم القيامة. ونعيمان وسُوييط من رجال بدر وأبطال الإسلام. ورسول الله ﷺ منشرح الصدر لفَعلات نُعيمان وسُوييط الذي كان مزَّاحا أيضا. وبُريدة وغيرهم” 3.

هنا يوضح لنا الإمام رحمه الله كيف أن الصحابةَ الكرام أهلَ معركة “بدر” ومعركة “أُحُد”، لم يكن يعني عندهم الترويح عن النفس الهروب من الشدائد، بل مواجهتها بكل حزم وثبات كما تعلموها من التربية النبوية.

يستأنف الإمام قوله في نفس الفقرة: “فن مسرحي هذا وفكاهة ودُعابة ومقالب! ولئن كان رسول الله ﷺ يقاوم الثقافة اليهودية العمومية بإظهار فسحة الدين، فإن عصرنا هذا – عصر الهوائيات المقعرة والأدب الخليع والعُري وموسيقى الرُّوك التي تَنقُر إيقاعاتها الشيطانية في الأوتار العميقة للغريزة الحيوانية – أحوج إلى فن إسلامي بديل عن الفن الدوابّي” 4.

 بعدها ينتقل مباشرة إلى تأكيد أن “البديل الإسلامي في ميدان الفنون لا بد منه. ودَرْءُ المفسدة الأكبر بالمفسدة الأصغر قاعدة أصولية متينة. والإطار غير ما عرفه فقهاؤنا الأقدمون. نموت إن بتنا ننظر إلى الدين بأعين الموتى، ونفكر بعقولهم، وهم رحمهم الله لفتوا نظرنا إلى أن الفتوى تتغير باعتبار الزمان والمكان والأحوال. والمسار التاريخي ليس قطعة خبز نقطعها بالسكين الحادة، هذا مضى وهذا مستأنف” 5.

دعوة صريحة من الإمام لأهل الاجتهاد المستقبلي بفتح نافذة على التاريخ الإسلامي من خلال فن إبداعي راقٍ، يكون بمثابة سفير ثقافي يوثق ويصور اللحظات الحرجة، وتلك التي فيها مرح ودعابة، وأخرى تبرز القوة والصمود في تاريخ الأمة الإسلامية. لأنه بات اليوم من الضرورة مقاومة الثقافات الغربية الدخيلة بالفن الإسلامي البديل، خاصة مع ما تعيشه الأمة من غزو ثقافي مسموم يهاجم الفطرة السليمة عند الإنسان.

ثم يخاطب الإمام الفطرة السليمة فينا فيقول: “إن للروح تطلعات إلى الجمال المُطلق وهو الله تعالى، تَحن الروح إلى أصلها في قربه. أما الفِطَر السليمة فأشواقها إلى ربها ترفعها ولو بعد فتراتِ حب اللهو إلى مقامات الإحسان، فيصبح كلام الله بَلسم حياتها وربيع قلبها. وأما الفِطَرُ المطبوع على قلوبها فيتكسر ذلك التطلع الفطري فيها إلى الجمال على صخور قسوة القلب، لا يكاد يرتفع قليلا حتى تقتنصه الغرائز، وتجتذبه الشهوات، وتأسره النزوات؛ فإذا هو في قبضة الفن الماجن” 6.

لقد عاش الإمام رحمه الله تعالى وهو يُكرِّس حياته ووقته وجهده، في سبيل أن يكون للإنسان دين يحدد به هويته، وأمة عزيزة قوية يعبر بها عن انتمائه، ومشروع منهاجي على نهج النبوة يكون به خليفة الله في الأرض. بِتطَلعٍ سماوي أُفقه القرٱن، وغذاؤه القرآن، وطربه القرآن. جعل الله كل ما قدمه في ميزان حسناته، نصرة وتمكينا للأمة  الإسلامية ولو بعد حين.


[1] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ط1، مصر، ج 1، ص 150.
[2] المصدر نفسه.
[3] نفسه.
[4] نفسه.
[5] نفسه، ص153.
[6] نفسه، ص153-154.