تقديم
كتابة الشعر عند الأستاذ ياسين تحتل مكانتها ضمن مشروعه التغييري، فشعره ليس مجالا للتعبير الوجداني المجرد ولا ترفا فنيا منفصلا عن هم الدعوة إلى الله والتعبير عن هموم الأمة، فهو يفتل في مشروعه التربوي الجهادي، ووسيلة من وسائل الدعوة وأداة من أدوات التغيير، فالإمام رحمه الله يؤمن بأن الفن والأدب يحملان رسالة شريفة، تتأسس على تربية النفس وبناء الوعي وتحريك الإرادات وتربية الذوق الجمالي المرتبط بالحق والعدل والإحسان، يقول رحمه الله: “ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة. لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك” 1. ومن رسالية الأدب عامة والشعر خصوصا العناية بقضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
من هذا المنطلق الرسالي للأدب الذي ينحاز للقضايا الإنسانية العادلة، تحتل القضية الفلسطينية مكانة معتبرة في شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، باعتبارها قضية الأمة الجامعة، وعنوان الصراع بين الظلم والعدل، فجاءت قصائده تنبض بروح التضامن والنصرة والدعوة إلى الثبات ومقاومة العدو؛ لأن الكلمة الشعرية الصادقة لها تأثيرها الدعوي والتغييري والنضالي، تذكيرا للنفوس، وتحريكا للهمم، وتثبيتا للمؤمنين، واستبشارا بنصر يقين.
أولا: مركزية القضية الفلسطينية في شعر الإمام عبد السلام ياسين
يمكن القول بأن حضور القضية الفلسطينية في شعر الإمام؛ لا يختلف عن حضورها في مشروعه التربوي التغييري التجديدي، فهي قضية مركزية متجذرة في مشروعه، وهي أيضا مركزية في شعره، فكتاباته الشعرية حول القضية تنسجم مع ما أثله في كتبه المؤسسة لمشروعه، مثلا “الإسلام والحداثة”، “سنة الله”، “حوار الماضي والمستقبل”، “إمامة الأمة”… وغيرها. حضور فلسطين حضور لاختبار صدق الأمة، ومؤشر أيضا على عودة الأمة إلى حضارتها العمرانية الأخوية القوية المتحصنة بشعب الإيمان التي منطلقُها توحيدُ الله وغايتُها إعلاءُ كلمته والجهادُ في سبيل رفع راية الإسلام.
وهو ليس حضور بكاء وندب ورثاء، بل هو حضورٌ يتراوح بين ثناية (الألم) و(الأمل/البشارة)، وبين (تشخيص الداء) و(وصف الدواء). حضور فيه ألم (أي نعم)، ألم على تخلف الأمة وتجزُّئِها، وانهزامِها، واستبدادِ حكامها، وعلى ما آل إليه المسجد الأقصى المبارك، ألم ناتج عن تشخيص الداء الذي أصاب الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس. يقول رحمه الله:
“طالت يد الأعداء فانفضت جموعْ
تركوكَ يا قدسَ الصلاة وهم خنوعْ
قد كنت للأصحاب أولَ قبلة
يُولُّون نحوكَ بالوجوه وهم خشوعْ
إلى أن يقول:
ومضى الزمان فجاء خلْف خامل
ألِفَ الخنوع لحاكمٍ ألفَ الركوعْ” 2
ويقول أيضا والألم يعتصر:
يا قدس يا محط مسرى النبي
آلامنا والحزن لا توصفُ
تبارك القدس وما حوله
عظمه السلف والخلفُ 3
ويصف الدواء لهذا الوضع المؤلم، وهو تحريك الهمم، وحفز الإرادات لتقوم النفوس من غفلتها، وتنفضَ الأمة عنها وهنها، وتشمر للنهوض من أجل بناء غد الأمة المأمول، الغد الذي يشكل تحريرُ فلسطين أولَ بوادر إشراقات فجره المنتظر. فالأستاذ المرشد رحمه الله يغلب البشارة وأفق العودة، معولا على إرادة الأمة بعدما تتعافى من دائها وتُعِدُّ عدًّتها لتحسم القضية الفلسطينية لصالحها، يقول الإمام المرشد رحمه الله:
فِلِسْطينُ فلسطينُ
بَجَنْبِ العُرْبِ إِسْفِينُ
ولَوْ للعُرْبِ تمييز
وفُلْكُ العُرْبِ مشحونُ
لأَلْقَوْا مِن شِعاراتٍ
لها بالدينِ تهوينُ
وقالوا: نحن إسلامٌ
لنا بالدين تمكينُ
وقُدْسُ اللهِ نَفْدِيه
فَقُدْسُ الله مسجونُ
جِهادُ الكُفْرِ مذهبُنا
ومفروضٌ ومسنونُ
صلاةُ الله نُهديها
مِنَ الأملاكِ تأمين 4
ثم لا يترك لهذا الإرادات التي يريدها أن تتقوى مجالا للإحباط أو العجز أو للخنوع، بحيث يقدم البشارة، يقينا في موعود الله لعباده المؤمنين:
أبشر يا قدسَ الصلاة فقد بدت
شمس الخلافة ثانيا ولها سطوع 5
فإذا كانت القضية في شعر الإمام هي جزء لا يتجزأ من مشروعه التجديدي، فذلك لأنه رحمه الله يربط تحرير الأمة بتحرير المسجد الأقصى من يد الصهاينة الغاصبين، هذا التحرير الذي هو معيار لسيادة الأمة ووحدتِها واستعادةِ قوتها؛ قوة ووحدة بهما يتحقق النصر، نصر هو أفق قريب ووعد صادق ويقين في بشارة رسول الله صلى الله عز وجل، وفي تمكين الله عز وجل لعباده المؤمنين، يراه كل مؤمن صبحا قريبا تسطع شمسه، “أليس الصبح بقريب”، لذلك فهو يغلب النفس التفاؤلي الاستبشاري، حيث يقول رحمه الله:
حِصنُ العدا عما قريب يَخْرُبُ
والليلُ يجلى والبِلا والغيهبُ
راياتُ نصر سوف تَخْفُقُ في العلا
ولدينِ أحمدَ في المنابرِ يَخْطُبُ 6
ثانيا: مميزات حضور القضية الفلسطينية في شعر الإمام مقارنة مع شعراء عصره
– رؤية الإمام الشعرية للقضية الفلسطينية تنطلق من شمولية مشروعه التغييري
الإمام عبد السلام ياسين هو أولا رجل تربية وصاحب مشروع تغييري، وشعره هو امتداد لهذا كله، فهو لا يكتب الشعر من أجل الشعر ولكن خدمة لمشروعه، فالشعر كما الكتابات الفكرية النثرية الأخرى ترجمة للمشروع وخدمة للدعوة والتربية وقضايا الأمة، فهو يقول:
وعظتك نثرا وعظتك شعرا
وعظتك بالصبح والغلس
وبالتالي فرؤيته للقضية الفلسطينية تختلف جذريا عن شعراء تحدثوا عن المأساة، عن الجرح، عن الحنين القومي، عن المقاومة، والقضية الوطنية وفضاء الذاكرة والهوية (محمود درويش يرى أن فلسطين هوية وجودية، يعالج القضية من زاوية المنفى والهوية، يركز على الإنسان الفلسطيني.. سميح القاسم وتوفيق زياد القضية عندهما مقاومة شعبية لا تربية فيها، فهم يعولون على التعبئة الجماهيرية.. أحمد مطر يتناولها من جانب نقد سياسي لاذع وشعر ساخر، فلسطين بالنسبة له مرآة لفساد الحكام..). والاختلاف حاصل حتى بينه وبين الشعراء الذين يكتبون من داخل مشروع إسلامي حركي؛ (محمد إقبال، سيد قطب، عبد الرحمن العشماوي.. وشعراء المقاومة الفلسطينية)، فهو شاعر تربوي منهاجي أكثر منه شاعر مقاومة مباشر، وإن كان الاتفاق في إسلامية القضية ورفض الاحتلال واستنهاض الأمة وتوظيف المعجم القرآني، فالاختلاف على مستوى:
– التشخيص: عند الإمام العدو الأول هو الاستبداد ثم المحتل، في حين يرى الشعراء الإسلاميون المحتل هو العدو الأول.
– وسبل العلاج: الحل يبدأ بالتربية أولا عند الإمام، ثم إسقاط الاستبداد، ثم إعداد جيل القرآن، وعندهم الحل هو المقاومة وجهاد العسكر.
– على مستوى الخطاب: الإمام خطابه تربوي تحليلي هادئ، والشعراء الإسلاميون خطاب تعبوي حماسي.
فشعر الإمام عن القضية الفلسطينية ليس باعتبارها قضية سياسية ولا باعتبارها قضية وجدانية، بل هي قضية مصير الأمة. فهي جزء من مفهومه لسنة التغيير، جزء من رؤيته للقومة، ومن رؤيته لوحدة المسلمين، ومن آفاق رؤيته المتطلعة لغد الخلافة على منهاج النبوة:
وإنك رحمان رحيم بخلقه
برحمتك ارحمنا لدى غضبة الحشر
مليك تقوينا وتوتي خلافة
وتنزِع ملك الظالمين أولي الجبر
وإنك قدوس تطهر قلبنا
نخلص أرض القدس من قبضة الكفر 7
فالإمام يملك نظرة شمولية متكئة على مشروع إيماني أولا، ثم بعد إصلاحي للنفس قبل الأرض، وبلغة عميقة فصيحة هادئة متأملة في سنن الله، عميقة روحيا، بعيدة عن الخطابية الانفجارية، أو الغضب الثوري.
– تحرير المسجد الأقصى مركز القضية وروحها
يربط الأستاذ عبد السلام ياسين تطهير القدس بتطهير القلب، هذا الربط العجيب بين الروحي (تطهير القلب) والمادي المحسوس (تطهير القدس) هو ربط ينطلق من نظرة شمولية، تربط بين تحرير الإنسان داخليا وتحرير الأمة خارجيا، وفي مقدمة ذلك تحرير القدس، هو ربط أساس منطلق من مدرسته الإحسانية التي أسسها، فلا تنهض الأمة بقلوب مريضة واهنة جبانة وضعيفة، القلب الذي يحرر فلسطين يجب أن يكون مؤمنا بالله عاصيا لهوى النفس والشيطان موقنا بنصر الله، وهذا لن يصدر إلا عن شاعر إمام مربٍّ، لم يسبقه إلى هذا أحد من شعراء عصره.
فقضية فلسطين بالنسبة للإمام لا تنفك عن بعدها الروحي الممثل في المسجد الأقصى؛ أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما له من دلالات عقدية، فهو مركز ونواة القضية الفلسطينية، حيث يقول رحمه الله:
أسرى بك الله إلى قدسه
أواه! ذكرى المسجد الموجعِ!
وحل بالمعراج من جسمه
وروحه في القُدٌسِ الأرفع 8
كما ينتقل رحمه الله بالقضية الفلسطينية إلى الفعل التغييري داخل الأمة، في تدافع بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، هذا التدافع الذي يحتاج إلى إعداد؛ أساسه بناء الإنسان المسلم القوي الشاهد بالقسط، كما يحتاج إلى أمة موحدة منتظمة وموحدة، فهو يقول رحمه الله:
“قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام، مع الجاهلية تنبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون” 9.
إذن يمكن أن نلخص الفروق بين الأستاذ ياسين وباقي الشعراء في:
– البعد الروحي مقابل البعد الوجودي القومي.
– خطاب بناء الإنسان مقابل التعبئة والتحريض.
– الحل التربوي الإيماني التدافعي مقابل الحل السياسي.
– شعر الأستاذ ياسين كتب لتكون الأمة قائدة بجيلها الذي يحرر القدس، والشعراء شعرهم شهادة على الألم ووصف للوجع والمأساة.
– شعر الإمام ينطلق من مشروع تغييري تجديدي شامل (عدل وإحسان، وحدة الأمة)، مقابل دفاع عن وطن تحده الحدود أو هوية أو قومية ضيقة.
– شعر الإمام يوظف القرآن والحديث والرموز الإيمانية وغيره يوظف استعارات حديثة ورموز أسطورية وصور حداثية وانزياحات لغوية.
ثالثا: البعد العالمي الإنساني للقضية الفلسطينية في شعر الإمام
فلسطين ليست وطنا مسلوبا فقط، فلسطين وجهة السالك إلى الله، فالسلوك التربوي يقتضي تزكية النفس والصدق والإخلاص، ومن الإحسان مقاومة الظلم ونصرة الحق وخدمة الناس، والقضية الفلسطينية تجمع بين التربية والجهاد، فهي تربية وتزكية من حيث إنها آيةٌ ووصية إيمانية، وهي جهاد من حيث إنها مظلومة مغتصبة، فهي محور السلوك ومركزه، فهي أمانة واختبار.
إن الأستاذ عبد السلام ياسين في مشروعه التغييري الشامل يفتح للقضية الفلسطينية آفاقا واسعة، تخرجها من دائرة المحلي أو الوطني أو القومي أو السياسي الضيق، ليجعلها قضية إنسانية تجعل العالم أجمع يختبر مبادئه وقيمه، فإن كانت الحرية والعدل والكرامة من أسمى القيم التي يعترف العالم بأحقية الشعوب في امتلاكها، وبأحقية الأفراد في التمتع بها، فالأولى أن يقف العالم المؤمن بهذه القيم العليا ضد الظلم، ضد الاستبداد، ضد الاستكبار الصهيوني المؤيد من طغاة الدول الكبرى، وأن يدافع عن مظلومية الشعب الفلسطيني، وأن يطالب بعودة الأرض إلى أصحابها، وأن يطالب بخروج العدو الصهيوني المحتل المغتصب للأرض المدنس للمسجد الأقصى.
القضية الفلسطينية عند الإمام تنطلق من بعد روحي عقدي وتتوسع لاستشراف أفق إنساني عالمي أوسع، لتصبح فلسطين قضية كل أحرار العالم، فهي أفق لتحرير الإنسان، بل لتحرير العالم أجمع من ظلم الاستكبار العالمي وفضح مخططاته، وهي قضية كل حر لأن الظلم فيها ليس محليا بل إنسانيا باعتبارها مركز الصراع بين قيمتين؛ قيمة الحرية مقابل الاستكبار.
خاتمة
خلاصة القول؛ إن القضية الفلسطينية في شعر الإمام لم تكن موضوعا عابرا بسيطا ولا استجابة عاطفية ظرفية، بل محورا رئيسا في مشروعه التربوي والفكري التغييري، تجلت من خلالها رؤيته الشاملة لمفهوم الحرية والعدل والكرامة الإنسانية، فكان هذا مصدر تميزه عن غيره من الشعراء؛ فهو صاحب مشروع تغييري وهو رجل دعوة وتربية، جعل من الشعر أداة لتبليغ مشروعه، ومن الكلمة عموما أداة للبناء والتحرير، ولم يكتف بالتعاطف الحزين ولا بالإدانة بلا حراك. كما أنه ارتقى بالقضية من حدودها الجغرافية والقومية الضيقة إلى أفق عالمي إنساني، بوصفها قضية تخاطب الضمير الإنساني العالمي الذي ينشد صاحبه -حيث كان – الحرية، ويدافع عن العدل، ويقف بجانب المظلوم. فشعره شهادة فنية وموقف أخلاقي يؤكد فيه أن القضية الفلسطينية رمز كوني على معركة الإنسان – كل إنسان – ضد الظلم.
[2] قطوف 18، عبد السلام ياسين، قطف 64، ص 133.
[3] قطوف 8، عبد السلام ياسين، قطف 580، ص47.
[4] قطوق 2، عبد السلام ياسين. القطف44، ط2001، مطبوعات الهلال، ص59.
[5] قطوف2، قطف 64، ص70.
[6] شذرات، عبد السلام ياسين، ص23، رق28، ط1999.
[7] قطوف 3، قطف 160.
[8] قطوف 9، قطف 634.
[9] سنة الله، عبد السلام ياسين، ص119، مطبوعات دار النجاح الجديدة، 2005، البيضاء.