الكسب الحلال

Cover Image for الكسب الحلال
نشر بتاريخ

رغب الإسلام في طلب الرزق وحث على الكسب الحلال الطيب، وحذر من الحرام الخبيث، ونبه إلى اتقاء الشبهات التي يخفى حلالها من حرامها، وهذا يندرج في العبادة ومن صميمها لأن فيه امتثال لأوامر الله تعالى ورسوله، وانتهاء عما نهيا عنه، إذ الحلال ما أذن الشارع بفعله وأباحه، والحرام ما نهى عنه نهيا جازما، والعبادة “اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال” ولا تقتصر على أركان الإسلام الخمسة.

إن سبل الكسب الحلال كثيرة ومتعددة، وللمسلم أن يسلك منها ما يناسب قدراته وميولاته لتحصيل رزقه الحلال مع تحري ما يرفعه إلى درجة العبادة التي يجني ثمراتها في الدنيا والآخرة، ومن ذلك:

– الإخلاص في العمل والدخول فيه بنية تحصيل خيري الدنيا والآخرة، لأن النية تحول العادة إلى عبادة، كما أن ذلك مدعاة للإتقان والإحسان، والشارع أثنى على من يحسن عمله ووعده بالجزاء الأوفى، يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: 30]، وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” 1.

– اعتبار العمل أمانة سواء كان عملا خاصا أو عملا وظيفيا، لأن هذا يشعر العامل بالمسؤولية فيصون الحقوق ويؤدي واجباته في دقة، ويتجنب الإهمال والتقصير حتى لا يكون ممن خان الأمانة فيبغضه الله إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبَّ الْخَائِنِينَ [الأنفال: 58]، بل يكون من المفلحين الذين مدحهم الله في كتابه وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: 8].

– الوعي بأن كل تقصير وتهاون ينتج عنه خلل في العمل يخرجه من دائرة الكسب الحلال إلى دائرة الكسب الحرام، لأن هذا يدخل في الغش الذي حرمه الشرع بجميع صوره، باعتباره وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل، أي أن ما تقاضاه العامل من أجرة تكون كسبا حراما لأنه أخذه بدون وجه حق بسبب التقصير في واجباته.

– معرفة كل ما من شأنه أن يؤثر في طيب مكسبه، كالجهل ببعض الجوانب الشرعية المتعلقة بعمله خصوصا في مجال التجارة، وهو ما أشار إليه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال: “لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى” 2، أو بالقيام ببعض التصرفات التي أصبحت مما يستهان بها ولا يلقى إليها بالا وهي مما يطعن في أمانته، وهذا يختلف من عمل لآخر حسب نوعيته والقواعد التي تؤطره، والورع مما يحمل المرء على توقي ما يفسد كسبه مهما بدا صغيرا وهينا، ومن ذلك عدم الانضباط بالوقت أو إهداره في غير العمل وعدم المحافظة على معدات العمل أو استعمالها في أمور شخصية…

إن تحري الكسب الحلال والحرص على تخليصه من كل شائبة هو من حفظ حدود الله، وقد وعد الحبيب أن من يحفظ الله يحفظه كما جاء في حديث ابن عباس إذ أوصاه بقوله صلى الله عليه وسلم: “يا غلام، إني أعلمك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك…” 3، فالكسب الحلال يدفع عن الإنسان النقم ويصرف عنه البلاء، كما أنه من موجبات استجابة الدعاء، وبالمقابل فالكسب الحرام يمحق البركة ويمنع قبول الأعمال ولا يستجاب لصاحبه، “فالعبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام، وأكل الحلال هو أساس العبادات كلها” 4.

والكسب الحلال من سنة الأنبياء، وهو مما يُتقرب به إلى الله عز وجل، فقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثم ذكر -صلى الله عليه وسلم-الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء ويقول: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟ 5.


[1] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (897)، والبيهقي في شعب الإيمان (4929).
[2] قوت القلوب، أبو طالب المكي، 2/ 432.
[3] عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: “كنتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: يا غلام، إني أعلمك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعتِ الأقلام، وجفَّتِ الصحف”؛ [أخرجه الترمذي في سننه (2516) وقال: حديث حسن صحيح].
[4] إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، 4/429.
[5] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، رقم الحديث: 1015.