يتحول الواحد منا بعد سماع هذا الحديث إلى ملاحظ في كامل جهوزيته ليكشف عن أخيه كل عيب ثم يخبره به، متحججا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا قد ندب إلى هذا الأمر ليصلح العبد حاله ويهذب نفسه ويقوم وقفته أمام ذي العزة والجلال.. فحبيبنا بعث لإتمام مكارم الأخلاق ونحن مطالبون بالتأسي حبا واتباعا وسمعا وطاعة.
هل هنا يتوقف فهم هذا الحديث العظيم؟
ما رأيك لو استنطقنا القلوب لترسل لنا ما استقر بداخلها، لعلها تكون مفتاحا لمزيد من الأرزاق.
ظاهر المرآة
أن تكون مرآة لأخيك، فهذا الاتجاه قد اتفقنا عليه تلقائيا مع مراعاة أدب النصيحة ما أمكن؛ فتُسِرُّ لأخيك بجفوة فيه، أو لامبالاة منه، أو صوت يرتفع في غير ضرورة، أو يد مقبوضة عن النفقة، أو عبوس لصيق بوجهه، أو عنف في كلامه، أو تجاهل في غير محله لحبيب قريب لا يرى النور إلا بعينه..
كثيرة هي العيوب التي لا تعد ولا تحصى، عندما تقف أمام المرآة فلا تعجبك صورتك ثم تنبري لها على قدم وساق، لتعيد ترتيب أوراقك وإصلاح ما ظهر من عيبك لغيرك؛ فإنما رأسمالك سُمعتك وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ.
أما أن يكون أخي مرآة لي فهنا بيت القصيد وهنا الملمح الذي أحب تقاسمه مع الأحباب، فقد تخبرنا المرآة بأخبار عجيبة وتحيلنا على حكايات غريبة ونحن نتحسس ما وراء الزجاج العاكس. تعال معي أخبرك ماذا رأيت وأنا أطيل النظر إلى المرآة.
رأيت في المرآة
أخي غضوب لا يتقن التحكم في نفسه، يتسرع في إصدار الأحكام، تفور فورته لأتفه الأسباب، فيصغر مقامه عندي لا شعوريا وأتجاهله لإيماني بكمال عقلي وعدم نزولي إلى مستوى تفكيره.. لكن بالمقابل لم أرني لست حليما بما يكفي لأتحمله كله. لم أرحم ضعفه واستكبرت عليه استكبارا خفيا، وتعاليت من غير وعي مني على ما ابتلاه الله به. فهجرت الحديث معه وأنا مرتاح البال، فقد عففت نفسي عنه.
أخي لا يتقن العبادة؛ يتماطل في الصلوات الخمس ولا حظ له من قيام الليل، لا ينخرط في الصوم، قليل الصدقة.. لكني لم أر تفريطي في تعليمه ولا قدمت له بضاعة القرب من الله في أبهى حلة، لم أكن موفقا في جعله يتذوق طعم العبودية لأني استأثرت بالخير لنفسي.
أخي مزاجي الطبع، متقلب الحال، لا ترضيه الأذواق، رأيته معذبا بنفسه محروما من الطمأنينة، له صولات وجولات مع نفسه.. ولم أرَ أني أغرق في نعمٍ عظيمة، وأني أنعم في الحمى متدللا في رحمة الله، لكني غفلت عن الشكر و ضننت عن الوهاب، أستغفر الله بل عن نفسي، بـ(أفلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) فانشغلت بالسلام الذي في داخلي عن الله السلام ذي الفضل والإنعام، ولم أمرغ الخد ولم أعفر الجبين لأرفع إلى حبيبي ومولاي أجمل المحامد على ما وهب وأعطى.
أخي يرتكب المعاصي، يختفي عن الأنظار مقتنصا ساعة غفلتي عنه ليرضي هواه ويسكن لهفة نفسه الأمارة، مفتون حتى النخاع بالدنيا ثم يظهر لي على مسحة من صلاح يخفي بشاعة ظلمة تتغشى قلبه.. ولم أرني معافى برحمة الله وفي نعمة السكينة أتقلب، وأنني مهدد بأن أفقد بوصلتي إن لم أتب وأجدد العهد مع الله،
فما يفصلني عنه إلا رداء من الستر أكرمني به الله، ثم تطاولت على صفة الله الستار لأكشف عيب أخي، وأسأت الأدب في حضرة الوهاب لأنسب لنفسي ما ليس لي.
كل نقص في أخي هو نقص فيّ يقابل تفريطي في حقه أو في حق الله تعالى. فانشغلت باحتقار غضبه أو مزاجيته أو حتى تعظيم صلاحه وفهمه، ونسيت أني أنا الوجه الآخر في المرآة.
حتى أخي الذي رأيته قارئا مجودا متقنا عالما بكتاب الله ضابطا لأحكام قراءته وعارفا بإشارات تفسيره، أراني أني أغفلت تحبير القرآن مثله، وأني لم أقرأه غضا كما أنزل، وأن في فهمي قصور عن مقاصده ولا دراية لي بعلومه.
وأخي، ذلك العالم الجليل والخطيب المفوه.. أراني أني جاهل لم أطلب العلم لا في المهد ولا فكرت أن أطلبه في اللحد. لم أقدم إلا صورة متخلفة عن أمة اقرأ.
كلما أتقن أخي مهمته رأيت نفسي مطالبا باللحاق بركب الصالحين، فالمحب يحشر مع من أحب، والتشبه بالكرام تعلم وتأس وسير على درب النجاح.
أخي رجل ذاكر لا يفتر عن ذكر يؤنس وحشته؛ ما بين استغفار يطهر جوفه وصلاة على الحبيب المصطفى تنير دربه وكلمة طيبة تعمر قلبه، ورأيتني منشغلا بذكر الخلق وتسول رضاهم واستجداء نظرتهم، وغفلت عن الخالق الذي أذن لهم بذكره وتجلى عليهم بنوره.
باطن المرآة مليء بالمزيد، ولك أن تغوص بنظرك إلى العمق، وتدقق النظر في نقطة تتلاشى فيها الحقائق لتكتشف أن المؤمن مرآة أخيه حقيقة، لكنها مرآة ذات وجهين.
المطلوب منا الحذر من ذاك الاستعلاء الخفي، فإن بعض العيوب هي سر الانكسار، وهي وقود السير وفتيلة القنديل، إن ظهرت لك فلا تشمت ولا تستغرب، فالإنسان معدن النقص والكمال لله وحده.
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.