في محطة جمعت بين تجديد المسؤولية والتأطير الفكري واستشراف رهانات المرحلة المقبلة، عقد المجلس الوطني للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان دورته السادسة عشرة، يوم الأحد 12 محرم 1448هـ الموافق لـ28 يونيو 2026، تحت شعار: “من أجل فعل نسائي واع ومسؤول، يسهم في بناء الإنسان وإصلاح العمران”، بحضور العاملات في القطاع من مختلف المستويات التنظيمية، في أجواء غلبت عليها روح المحبة والتشاور واستشعار المسؤولية.

افتتحت أشغال المجلس بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، قبل أن تستحضر الأستاذة خديجة مستحسان، الكاتبة العامة السابقة للقطاع النسائي، دلالة انعقاد المجلس باعتباره محطة دورية للمراجعة والتقييم وتجديد العزم، وفرصة لتقويم الأداء، واستثمار الخبرات والكفاءات، والارتقاء بالفعل النسائي في مختلف واجهاته.
وأكدت أن التجديد الذي تعرفه مؤسسات الجماعة في نهاية كل ولاية لا ينظر إليه باعتباره مجرد استحقاق تنظيمي، بل باعتباره ممارسة مؤسساتية تؤسس لتداول المسؤولية، وتفتح المجال لتجديد الطاقات، وتطوير الأداء، وتعزيز الشورى في تدبير الشأن التنظيمي.
وربطت الكلمة الافتتاحية بين شعار الدورة وسياقها، معتبرة أن الدعوة إلى فعل نسائي واع ومسؤول تنبع من إدراك حجم التحولات التي تعرفها الأمة والعالم، وما يفرضه ذلك من انتقال من مجرد تشخيص الأزمات إلى الإسهام العملي في مواجهتها، عبر حضور نسائي يحمل رسالة البناء والإصلاح، ويسهم في صناعة الإنسان وصيانة العمران.
وفي هذا السياق، استحضرت الكلمة ما تعيشه القضية الفلسطينية من مآس متواصلة، وما تعرفه المنطقة والعالم من أزمات واضطرابات، إلى جانب التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب، معتبرة أن هذه التحولات تجعل مسؤولية المرأة في البناء المجتمعي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

وفي امتداد لهذه الرؤية، قدمت الدكتورة أمينة البوسعداني، عضو المكتب الوطني للقطاع النسائي، مادة تواصلية بعنوان: “أي دور للقطاع النسائي في تنزيل مشروع جماعة العدل والإحسان؟”، بسطت الأدوار الهامة والاستراتيجية التي يساهم بها القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان في تنزيل مشروعها العام، عبر أربع وقفات:
الأولى: حول المشروع العام للجماعة، القائم على التكامل بين المطلب الإحساني الذي يجعل بناء الإنسان محور الإصلاح، والمطلب العدلي الذي يروم إقامة عمران قوامه العدل والكرامة ومواجهة مختلف صور الظلم والاستبداد.
والثانية: حول المشروع السياسي لجماعة العدل والإحسان، الذي يعتبر البعد السياسي أحد أبعاده المركبة والمتعددة، والذي يسعى إلى تجسيد تصور الجماعة واجتهادها العملي في مقاربة القضايا السياسية وتدبير الشأن العام.
والثالثة: حول محورية المرأة في مشروع العدل والإحسان، إذ تعد قضية المرأة في المشروع المنهاجي قضية مركزية تم تناولها بكثير من التجديد، سواء على مستوى تشخيص الأسباب المنتجة لواقع المرأة المستضعفة أو على مستوى اقتراح سبل الخروج من هذا الواقع، حيث أقر مشروع العدل والاحسان بالمظلومية التي تعيشها النساء على مستويات متعددة، لكنه ربط هذه المظلومين بالاستضعاف العام الذي تعيشه المجتمعات المسلمة، وجعل المخرج منها مسؤولية المجتمع بأسره وعلى رأسه المرأة ذاتها التي اعتبرها مشرَّفة ومكلَّفة.
أما الرابعة فتناولت أدوار القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، مذكرة بأن الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان أسست قطاعها النسائي مبكرا وعيا منها بأهمية الحضور النسائي ودوره الحاسم في نجاح تنزيل المشروع السياسي والعام للجماعة. قطاع يختص في حمل رؤى الجماعة وحضورها فيما يخص المسألة النسائية في ارتباطها بالشأن العام وكذا في تبليغ وتجسيد هذه الرؤى، من خلال اشتغاله في مجالات التنظير والدراسة، والتكوين والتأهيل، والتواصل والتفاعل، والتدافع خدمة لقضايا المرأة والمجتمع.

ومن جانبه، دعا الأستاذ حسن بناجح، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، إلى استحضار البعد التربوي لمعاني الشورى والتداول على المسؤولية، معتبرا أن تجديد الهياكل التنظيمية ليس عملية إدارية فحسب، وإنما مقام تعبدي يتجدد فيه الوفاء للأمانة، وتستحضر فيه معاني التكليف وخدمة الدعوة، مستحضرين قوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ؛ حيث قرن الله سبحانه الشورى بالاستجابة له وإقامة الصلاة، ليعلمنا أن تدبير شأننا التنظيمي هو من صميم هويتنا الإحسانية.
وأكد أن المسؤولية داخل الجماعة ليست تشريفا ولا مجالا للتنافس، وإنما أمانة ينهض بها من يقع عليه الاختيار بثقة إخوانه وأخواته، مشيرا إلى أن ما تزخر به الجماعة من كفاءات وطاقات نسائية يشكل رصيدا استراتيجيا يقتضي حسن التوظيف، بما يضمن استمرارية المشروع وتعدد الصفوف القيادية القادرة على حمل أعبائه.
كما دعا إلى أن تجعل الولاية الجديدة من الانفتاح على الشأن العام أولوية في عملها، عبر تعزيز الحضور في الهيئات المجتمعية والحقوقية والنقابية، والإسهام في ترشيد الرأي العام، والتفاعل مع مختلف القضايا الوطنية، إلى جانب الارتقاء بالحضور النسائي في المجال الإعلامي، باعتباره إحدى أهم ساحات التأثير وصناعة الوعي.

وشهدت الدورة انتخاب الدكتورة صباح العمراني كاتبة عامة جديدة للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، كما انتخبت عضوات المكتب الوطني الجديد، تحت إشراف الأستاذ حسن بناجح والأستاذة أمان جرعود، عضوا الأمانة العامة للدائرة السياسية.
وعقب انتخابها، وتعليقا منها على سير المجلس، اعتبرت الدكتورة صباح العمراني أن هذه الدورة مثلت تمازجا بين الاستحقاق التنظيمي والتجديد التربوي. مشدّدة على أنها شكّل مناسبة لتجديد العهد واستحضار عظم الأمانة الملقاة على عاتق المرأة في مواجهة التحديات التي تستهدف الأسرة وقيم المجتمع.
ورأت، في حوار أجرته مع البوابة بعد نهاية الدورة، أن دورية الانتخابات وتجديد الهياكل هي ممارسة تؤطرها قيم الشورى والتجرد، بعيدا عن منطق المنافسة على المواقع. وشددت على أن تداول المسؤولية داخل القطاع يجسد استمرارية الرسالة وتكامل الخبرات بين الأجيال، مما يمنح التنظيم حيوية دائمة وقدرة على استيعاب الكفاءات الجديدة، معتبرة أن المسؤولية تكليف وأمانة محددة بزمن وليست تشريفا أو امتيازا.
وأبرزت رؤية القطاع عن آفاق العمل المستقبلية، ومنها توجه المكتب الوطني الجديد نحو تعميق أوراش التأهيل الفكري والتصوري للمرأة، مع تعزيز انخراطها في التصدي لكافة أشكال الظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. كما أكدت على استمرار القطاع في مد جسور التواصل مع الفعاليات المجتمعية للنهوض بأوضاع المرأة والأسرة، مع بقاء قضايا الأمة، وفي مقدمتها نصرة الشعب الفلسطيني، في قلب اهتمامات وانشغالات العمل النسائي.

وعكست أشغال المجلس الوطني السادس عشر، بما جمعته من نقاشات وتأطير وتجديد للمسؤوليات، حرص القطاع النسائي على مواصلة تطوير أدائه، وترسيخ حضوره في مختلف واجهات العمل الدعوي والمجتمعي، بما يخدم رسالته في الإسهام في بناء الإنسان وإصلاح العمران، ويعزز حضورا نسائيا واعيا، مسؤولا، ومبادرا في خدمة قضايا الوطن والأمة.
