المخزن ولعبة تسويق الوهم
كثيرة هي الأوهام التي يعيشها المغاربة، وكثيرة هي أحلام المغاربة التي تبنى على رمال الوهم، والتي ما تلبث أن تتلاشى مخلفة خلفها سرابا بل آلاما وأسقاما عميقة عمق الأوهام فينا.
ليس المغاربة أغبياء، وليسوا جبناء .. ولا بخلاء ... ولكنه المخزن أكسبته الأيام "حنكة" والاعتراف فضيلة- في إدارة لعبة تطحن كل من يتلهى بها، تطحنه طحنا بطيئا، حتى إذا ما استيقظ بعد طول تنويم وتوهيم استيقظ وقد فقد عقله أو إرادته أو بعض صوابه أو رجولته حتى !!.. هذا إذا لم يكن ممن فقدوا أنفسهم تماما في غيابات التهجير أو التخذير أو التفقير أو التحقير...
أضف لكل تلك الكلمات وصف "الجماعي"... التهجير الجماعي .. التخدير الجماعي .. التفقير الجماعي .. التحقير الجماعي .. والفاعل أو الطاحن، أو قل بصيغة الحقيقة هذه المرة، وليس مبالغة كما ذهب إلى ذلك فقهاء لغتنا الأفاضل، الطحان واحد..
ولمن لا يعرف المخزن، من غير المغاربة طبعا، فقد استنتج "ميشوبيلتر" أن المخزن يتأسس على الاستبداد واللاشرعية .. وأنه يرعى الفوضى الاجتماعية ويستغلها لصالحه ... وأنه سلطة مضمرة وهذا بيت القصيد- في المجتمع تتموقع فوقه كي تتحكم فيه بقوة وتسلط .. والمخزن، في نظر واتر بوري، ليس سوى تحالف مصلحي، ولا يعكس أي تيار فكري بناء أو إرادة جماعية إيجابية ويتلخص همه في البقاء لخدمة مصالح الأفراد والجماعات التي يتشكل منها، إذ يعاني من أنانية أعضائه، فذوو المصالح يتصارعون بصفة مستمرة وعنيفة، بالرغم من مظاهر اللياقة .. ونفس الأمر أكده "هنري طيراس" القائل بأن المخزن لم يشكل سوى ائتلاف مصالح .. بل إن واتر بوري اعتمد في تعريفه للمخزن على "هنري طيراس"1...
دع عنك تعريفات الأكاديميين، وتعال لأحدثك عن لعبة واحدة من ألاعيب المخزن، أجل إن للمخزن لعبا كثيرة، كما هي كثيرة سجونه وهراواته، وكما هي كثيرة أحزابه وجمعياته، وكما هي كثيرة وزاراته وقوانينه، وكما هي كثيرة بنوذ دستوره ... يتعدد كل شيء عندنا من أجل أن لا يتعدد شيء! لعبة واحدة، إنها لعبة تسويق الوهم..
هذه الأيام عاش الشعب المغربي على وهم كبير، اسمه كأس العالم .. بكأس العالم سيتحقق المشروع الحداثي!.. وبه ستتحقق التنمية!.. وبه سنقضي على البطالة!.. كان هذا الفصل الأول من مسرحية الوهم، أما الفصل الثاني: .. إن المغرب هو المؤهل لتنظيم كأس العالم!.. وهو الأقدر على ذلك!.. وقد ضمنا غالبية الأصوات!.. هذه المشاهد جعلت كأس العالم ينظم فعلا، عفوا وهما، في بيت كل مغربي وعقله وقلبه .. وتداخل الزمن عندنا لتحل 2010 في 2004.. وتداخل المكان أيضا .. حتى لم يصبح لدولة جنوب إفريقيا وجود .. وبالأحرى أن تكون منافسا للمغرب .. كل هذا بفضل تصريحات وزرائنا ومسؤولينا وأحزابنا ... والتصريحات هي الأخرى تتعدد عندنا من أجل أن لا يتعدد شيء.
وكانت خيبة الأمل كبيرة، وكان الحزن والألم بقدر الوهم، الذي سوق تسويقا، فالكثير من المغاربة عمهم الإحباط واليأس .. رغم أن بعضهم كان يتساءل مرارا، ماذا سأستفيد أنا من تنظيم كأس العالم؟ بل إن العديد منهم كان يعرف أن كأس العالم لن يشرب منها إلا أصحاب البطون الكبيرة .. وأن الكأس ستضاف إلى الصندوق، أقصد صندوق الضمان الاجتماعي .. الذي اختلس منه وحده، وفقط ما بين 1982 و1985 ما يزيد عن 192 مليون درهم2.. العديد من المغاربة كان يعرف أن الكرة ستبقى ككل مرة.. وإن كانت السنة سنة 2010 في ملعب أصحاب القرض العقاري والسياحي، ومطاحن المغرب، وكوماناف3... كانوا يعرفون ذلك ويتحدثون به جهارا، لكنهم في نفس الآن يتمنون تنظيم كأس العالم في المغرب .. ولا يدري المرء هل في ذلك انتصار للنخوة المغربية، أم انتصار للعبة المخزن وطاحونته!؟..
وكان الفصل الثالث من مسرحية أو لعبة الوهم: الخيانة الكبرى .. المؤامرة ضد المغرب .. فعلها بلاثير .. السياسة هي التي تدير عالم الكرة...
وكأن القوم اكتشفوا بهذه الجملة الأخيرة أمرا جديدا .. مع أن الحقيقة كانت واضحة من خلال الوضع المتردي لطرقنا ومستشفياتنا وملاعبنا .. وحكومتنا!.. ومن خلال ما عبر عنه مصطفى العلوي في حقيقته الضائعة: "لقد تجاهل المسؤولون اللامسؤولون (...) المكلفون بالدفاع عن الملف المغربي تقرير اللجنة التقنية، الذي صدر قبل أسبوع من القرار النهائي، وأعلن علنا أن جنوب إفريقيا هي الدولة المؤهلة لتنظيم الألعاب، فارتكبوا بذلك التجاهل خطأ فادحا، متصورين أن الدنيا هناك في زوريخ تتمشى أيضا بالوسائط .. وبالوجوه .. وها العار .." 4 وأضيف وراحوا يسوقون الوهم تسويقا، وكانت بضاعتهم رابحة في سوق المغاربة المكتظ بالنكبات والويلات والأزمات...
وخسر المغرب تنظيم كأس العالم .. وخسر معه أموالا طائلة .. قيل أنها صرفت من أجل ذلك .. وساد الإحباط .. وعم الجمود .. وتبخرت آمال التنمية والقضاء على البطالة .. التي حلم بها بعض البسطاء ..وتعددت التصريحات من جديد، وتجند مسوقو الوهم ليقولوا لنا في فصل جديد من المسرحية اللعبة: علينا أن نقبل الهزيمة بروح رياضية .. و10 أصوات من الفيفا ليست بالأمر الهين .. وإذا ذهب كأس العالم فهناك المشروع الحداثي الديمقراطي..
لكن يبدو أن هذا الفصل الأخير يفتقد إلى الحبكة المطلوبة، لأن واقع الحال يكذب كل مقال، فالواقع فساد وركود وجمود وكساد.. الواقع تسول وعنوسة وبطالة وأمية وغش وفقر وحرمان .. وعلى من يعترض .. طالبا مني أن أنظر إلى نصف الكأس المملوء أن يخبرني بنفسه عن ذلك النصف، شريطة أن يكون قد استفاق من وهم كأس العالم..
ليست هذه هي المرة الأولى التي يسوق فيها الوهم، بل إن تاريخ المخزن تاريخ تسويق الأوهام .. فالوهم حسب عباقرة المخزن يطيل العمر، ويصون الكراسي .. وبالعبارة التسويقية: "سوق وهما تضمن حكما". فمنذ سنوات، وبالتحديد مع مطلع عهد قيل عنه أنه جديد، ذاع وشاع أن المغاربة الفقراء المساكين يفترشون تحتهم الذهب الأسود، وأن المغرب ليس بينه وبين استخراج البترول وإنتاجه إلا حفر آبار التنقيب في تالسينت والبروج وغيرها .. وعاش المغاربة على هذا الوهم .. إلى أن نسي البترول .. وعادت تالسينت وأهلها إلى ألسنة نيران الحرمان والنسيان..
وقبل ذلك كان الحديث على أن خيرات بحارنا ستعمم على المغاربة .. وذلك بعد أن رفض المغرب تجديد اتفاقية الصيد البحري مع الاتحاد الأوربي، خاصة وقد تحدث الإعلام آنذاك على أن خسائر المغرب من جراء ذلك الاتفاق كانت تقدر بمليار دولار سنويا، في حين أن التعويض المالي من جانب الاتحاد الأوربي لا يزيد عن 125 مليون دولار سنويا ... تاه المغاربة في إحصاء الدولارات، التي كانت تضيع من المغرب .. دون أن تعمم عليهم خيرات البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي .. فلا تزال أنواع عديدة من السمك المغربي محرمة عليهم، بل إن أثمان السمك غير المحظوظ الذي يباع في الأسواق المغربية، ترتفع يوما بعد آخر .. وسُوِّق الوهم لأيام خلت .. ثم عاد النسيان ليستمر امتصاص الدماء .. وتعلمون ما لقرش البحر من تعلق بالدماء...
وسياسيا، سال مداد كثير .. وعم لغط كبير .. منذ تصويت ما يسمى بـ"أحزاب المعارضة" على دستور 1996 .. وتحدث بعض الناس "برجولة" و"شهامة"!.. تحدثوا بحرارة عن ضرورة إنقاذ البلاد من السكتة القلبية التي تهددها ... وفي حقيقة الأمر الذي كان يهددهم ولا يزال- هو تقاعسهم الفكري والتنظيمي والجماهيري أمام التنامي الملحوظ للحركة الإسلامية ..
ابتكر القوم مفهوما جديدا للتناوب، عجز من قَبل كل علماء السياسة وفقهاء القانون الدستوري عن اختراعه .. أطلقوا عليه اسم "التناوب التوافقي"، وقبلوا المشاركة في حكومة على أساس انتخابات مزورة .. وبرروا ذلك بضرورة الانتقال .. وأن "التناوب التوافقي" خطوة أساسية لتحقيق "التناوب الديمقراطي" .. وعُين اليوسفي وزيرا أول .. وشرع بعض البسطاء في تشييد أحلامهم الكبيرة .. وذكروا وتذكروا خطابات بعض "رجال" المعارضة في البرلمان .. وحدة أقلامهم على صفحات جرائدهم ... وتوالت الأيام ليكتشف الجميع أن "التوافق" الذي كان بالإذعان لإرادة واحدة!.. إرادة الملك لم يكن من أجل أهداف سياسية أو تنموية أو حقوقية واضحة .. ولكن فقط من أجل تأمين انتقال الملك من ملك إلى آخر .. وقد تمت المهمة بسلام والسلام..
تبخرت تلك الخطب المدوية وتلاشت تلك الكلمات الكبيرة .. لتتحول إلى كبائر في واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي .. حيث منعت بعض الجرائد من الصدور .. وحوكم صحافيون وسياسيون .. واستمر الاعتقال السياسي .. واستمرت المحاكمات الظالمة .. واستمر الاستحواذ على خيرات البلاد وثرواتها .. وتحولت الحرارة في التنظير "للتوافق" والدفاع عنه إلى برودة مميتة .. وكانت قمة الصقيع تعيين جطو على رأس الحكومة .. التي قيل أنها جديدة .. وكل ما جادت به "الرجولة" و"الشهامة" همسة في ظلام دامس، تقول: إن في ذلك خروجا عن المنهجية الديمقراطية .. أما النهار فقد كان شاهدا، ولا يزال، على تجديد الولاء للمخزن، بل كان شاهدا على أن "معارضينا" قد "تمخزنوا" حتى النخاع.. ليكتشف البسطاء من جديد أن أحلامهم بنيت على رمال الوهم..
هكذا هو مسلسل الوهم الذي لا ينتهي .. وهكذا هي "لعبته" أو "طاحونته" أو "بالوعته" .. ومن يدري فربما سنكون في الأيام القليلة المقبلة أمام وهم جديد يتعلق بتعديل حكومي أو إعفاء مستشار أو تعديل دستوري.. فما أكثر الأشياء التي تتغير عندنا من أجل أن لا يتغير شيء .. ومع كل ذلك فإن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده .. وأن دوام الحال من المحال.
الهوامش:
1 كل هذه التعريفات واردة في كتاب "المخزن في الثقافة السياسية المغربية" من تأليف هند عروب ص 33-34-35 / دفاتر وجهة نظر / ع. 4.
2 جريدة العلم، 25 ماي 2004.
3 كل هذه المؤسسات اختلست منها أموال طائلة...
4 جريدة الأسبوع 21 ماي 2004.




