ليست الخيمة في أصلها أكثر من سقف من قماش يحتمي به المسافر من حر النهار وبرد الليل، غير أن بعض الخيام تجاوزت وظيفتها الأولى، فصارت مدارس بلا جدران، وجامعات بلا مقاعد، ومحاضن تصنع الرجال والنساء قبل أن تطوى أوتادها ويرحل أهلها. ومن هنا ولد المخيم، لا باعتباره مكانا للإقامة المؤقتة فحسب، بل باعتباره فكرة تربوية كاملة ترى أن الإنسان قد يتعلم في أيام قليلة ما لا يتعلمه في شهور طويلة من الدروس والمواعظ.
ولم تظهر المخيمات الحديثة من فراغ. فقد جاءت في لحظة أحست فيها المجتمعات الأوروبية بأن شيئا ما يتسرب من بين أيديها. كانت المدن تكبر بسرعة، والمصانع تبتلع الأرياف، والأطفال يزدادون التصاقا بالجدران وابتعادا عن الطبيعة والحياة الجماعية. وفي أواخر القرن التاسع عشر ظهرت في سويسرا أولى التجارب المنظمة التي نقلت الأطفال من ضيق المدن إلى رحابة الريف، أملا في تحسين صحتهم وتربيتهم. لكن الفكرة سرعان ما تجاوزت بعدها الصحي، واكتشفت المجتمعات أن المخيم يستطيع أن يؤدي وظيفة أعمق بكثير من مجرد توفير الهواء النقي وأشعة الشمس.
فالإنسان لا تصنعه المعرفة وحدها، وإنما تصنعه التجربة. وقد يتعلم الطفل معنى التعاون من لعبة جماعية أكثر مما يتعلمه من عشرات الخطب. وقد يكتشف قيمة المسؤولية حين يكلف بمهمة صغيرة داخل جماعته أكثر مما يكتشفها من صفحات كاملة في الكتب. ولهذا لم يكن المخيم الناجح في أي زمان مجرد برنامج للترفيه، بل كان فضاء تتلاقى فيه التربية والمعايشة والخبرة الحية.
ومن يتأمل التجارب الكبرى التي نجحت في صناعة الأثر يجد أنها اختلفت في المرجعيات وتوحدت في المقاصد. فالحركة الكشفية العالمية لم تبن مجدها على كثرة الألعاب ولا على جمال الزي الكشفي، وإنما على قدرتها على تحويل الطبيعة إلى مدرسة للقيادة والخدمة والانضباط. وكان مؤسسها يدرك أن الشاب الذي يتعلم كيف يعتمد على نفسه، وكيف يخدم غيره، وكيف يتحمل المشاق بإرادة واختيار، يخرج من المخيم إنسانا مختلفا عمن دخله.
وعلى المنوال نفسه سارت كثير من المخيمات القرآنية في العالم الإسلامي. فليست قيمتها في عدد المحفوظات التي يخرج بها الأطفال، وإنما في قدرتها على جعل القرآن رفيقا للحياة اليومية. هناك يصبح الحفظ مدخلا للتزكية، وتصبح الرياضة والترويح والرحلات جزءا من بناء الشخصية المؤمنة المتوازنة. ولهذا احتفظت كثير من هذه التجارب بأثرها في نفوس روادها سنوات طويلة بعد انقضاء أيامها.
أما فلسطين فقد منحت كلمة المخيم معنى آخر تماما. فهناك لم تكن الخيمة اختيارا ولا برنامجا تربويا ولا رحلة صيفية. كانت عنوان اقتلاع، وشاهدا على نكبة، ومأوى مؤقتا طال به المقام حتى صار وطنا صغيرا داخل المنفى الكبير. ولهذا يختلف المخيم الفلسطيني عن كل المخيمات الأخرى؛ فهو ليس مكانا يقصده الناس ليعودوا منه بعد أيام، بل مكان فرض عليهم أن يقيموا فيه وهم يحملون مفاتيح البيوت القديمة وذاكرة الأرض المغتصبة وأمل العودة الذي لم يمت رغم تعاقب الأجيال.
وفي المغرب عرفت المخيمات مسارا طويلا منذ بدايات القرن العشرين، غير أن التجربة التخييمية ظلت تتأرجح بين رؤيتين: رؤية تجعل المخيم فضاء للترفيه المؤطر، ورؤية تعتبره مؤسسة تربوية كاملة الأركان. وبين الرؤيتين يكمن الفارق كله.
ومن أصدق الشواهد المغربية على نجاعة المخيم بوصفه أداة تربوية بامتياز، تجربة جماعة العدل والإحسان، التي شرعت في تنظيم مخيماتها الصيفية، للأطفال والشباب على السواء، منذ ثمانينيات القرن الماضي، واتسعت دائرتها حتى بلغت أوجها صيف عام تسعة وتسعين وتسعمائة وألف على شاطئ أبي النعائم بضواحي الدار البيضاء، حين استقبلت الجماعة في ستة مواقع شاطئية ما يزيد على أربعين ألف مصطاف من مختلف فئات الشعب. وقد أبانت هذه التجربة، بشهادة كثيرين، عن علو كعب الجماعة في التنظيم والإشراف، وعن نموذجية في السلوك تتأسس على السماحة والخدمة وسعة الصدر والإيثار، فوفرت لزوارها شروط استجمام بمعيار إسلامي لا يخدش الحياء العام ولا يفرط في شروط الراحة والسلامة.
فقد تعاملت الجماعة مع المخيم باعتباره امتدادا لمشروعها التربوي لا نشاطا موسميا عابرا. ولذلك لم يكن الهدف أن يقضي الطفل أو الشاب أياما ممتعة ثم يعود إلى بيته كما جاء، بل أن يعود وهو يحمل شيئا جديدا في فكره وسلوكه وعلاقته بالله والناس.
وكان اللافت في هذه التجربة أنها لم تعتمد على الإمكانات المادية الاستثنائية بقدر اعتمادها على الإنسان. فحيثما حضرت روح التطوع حضرت الفعالية. وحيثما حضرت أخلاق الخدمة حضر الانضباط. وحيثما حضرت التربية تحول أبسط نشاط إلى فرصة لبناء المعنى. ولهذا لم يكن غريبا أن تتحول بعض الشواطئ المغربية في تلك السنوات إلى فضاءات نابضة بالحياة تستقبل عشرات الآلاف من المصطافين في أجواء طبعتها روح الجماعة والتكافل والنظام.
وكان الزائر يرى بأم عينه شبابا يسهرون على راحة الناس أكثر مما يسهرون على راحتهم، ويتسابقون إلى الخدمة كما يتسابق غيرهم إلى المكاسب. وكان يرى أسرا بسيطة وأخرى ميسورة تجتمع في الفضاء نفسه دون حواجز طبقية تذكر. وكان يرى أطفالا وشبابا يشاركون في الأنشطة المختلفة دون أن يشعروا بأنهم داخل درس مباشر أو خطاب وعظي متواصل. لقد كانت التربية تسري في تفاصيل الحياة اليومية كلها، لا في الكلمات الملقاة على المنصات وحدها.
ولذلك لم يبق أثر تلك التجربة في الذاكرة بسبب الخيام ولا بسبب الشواطئ ولا بسبب البرامج الفنية والرياضية، وإنما بقي بسبب الإنسان الذي خرج منها. فالأماكن تنسى، أما القيم فتبقى. والخيام ترحل، أما المعاني التي تسكن القلوب فلا ترحل.
وقد كان هذا النجاح بالذات سببا في ما عرف بحرب الشواطئ، حين رأى فيه خصوم الجماعة أداة لكسب الناس واستقطاب المتعاطفين مع مشروعها، فجاء قرار المنع لا لاعتبار شرعي أو خلاف طائفي، بل لحسابات سياسية بحتة.
ومن هنا يبدو السؤال المطروح اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: لماذا فقدت كثير من المخيمات المعاصرة قدرتها على صناعة الأثر؟
ليس السبب في قلة الإمكانات كما يظن البعض. فكم من تجربة عظيمة ولدت من موارد محدودة، وكم من مشاريع ضخمة انتهت إلى فراغ كبير. المشكلة في الغاية قبل الوسيلة. حين يصبح المخيم مجرد وسيلة لشغل الوقت يفقد روحه، وحين يتحول إلى جدول مزدحم بالأنشطة ينسى الإنسان الذي من أجله وجدت تلك الأنشطة أصلا.
لقد تغير العالم من حولنا. تغير الطفل. وتغير الشاب. وتغيرت أساليب التعلم والتواصل والتأثير. أما كثير من البرامج فما تزال تدور في الحلقة نفسها منذ عقود طويلة، تكرر الأناشيد ذاتها، والألعاب ذاتها، والأساليب ذاتها، كأن الزمن توقف عند جيل مضى. والنتيجة أن المخيم الذي كان يفترض أن يكون مدرسة للحياة تحول في بعض صوره إلى محطة للترفيه المؤقت، يخرج منها الناشئ وقد استهلك وقتا وجهدا، لكنه لم يكتسب رؤية أو قيمة أو مهارة توازي ما أنفقه من أيام.
إن أزمة المخيمات ليست أزمة بنايات ولا ميزانيات ولا تجهيزات. إنها أزمة معنى قبل كل شيء. فحين يغيب السؤال الكبير: أي إنسان نريد أن نصنع؟ تضيع الإجابات كلها.
ولذلك فإن مستقبل المخيمات لن يصنعه الإسمنت ولا الخشب ولا الخيام الجديدة، وإنما سيصنعه المربون الذين يدركون أن كل لعبة يمكن أن تكون درسا، وأن كل رحلة يمكن أن تكون تربية، وأن كل موقف عابر يمكن أن يتحول إلى لحظة بناء في حياة طفل أو شاب.
فالخيمة التي لا تبني الإنسان ليست سوى قماش منصوب في الهواء. أما الخيمة التي تغرس قيما وتوقظ همما وتصنع شخصيات، فذلك بناء قد يبقى قائما في النفوس بعد أن تذرو الرياح أوتادها بسنوات طويلة.