المدرس بين مطرقة الحقوق وسندان الواجبات

لقد تم تكريم المدرس في يومه العالمي، فقيل في حقه أبيات شعر وكلمات شكر، تناثرت هنا وهناك، فهل تم ﺇرضاؤه بما قدم له؟ وما يقدم له من جزاء؟ وهل يستحق كل مدرس التنويه والشكر وجزيل العطاء؟.
أحسنوا ﺇلى المدرس يحسن ﺇلى أبنائكم
يتولى المدرس أسمى وأثقل مهمة في المجتمع، عليها ينبني ازدهار الأمة أو تقهقرها، لأن النشء من بنات المسلمين وأبنائهم أثمن ما تملك الأمة، ومن ثم فالعناية به وتوجيهه التوجيه السليم ليس بالأمر الهين، واﻟذي يشرف على ﻫذه المهمة مهما أعطي من أجر فلن يوازي ما يقدم من خدمات. لكن مع ذلك ينبغي أن توفر له الظروف المناسبة للعمل وذلك أضعف الحقوق. ﺇلا أن المتتبع لحال المدرس في بلادنا، وخلال السنوات الأخيرة، يعلم المآسي المتتالية التي يعيشها هذا المسكين، فإن كان في القطاع العمومي فحاله يندى له الجبين، فهو ﺇما منفي في قرى نائية لاتتوفر على أبسط وسائل العيش الكريم:الطرق غير معبدة، والماء شبه منعدم، والكهرباء لاوجود له، والمرافق الصحية لاحاجة له بها...أو هو في المدينة يتلظى بنار الغلاء، فراتبه لايسدد له حتى فاتورة الكراء والماء والكهرباء، فأين هو من ارتفاع المعيشة المتتالي، ومن نفقات الأبناء... والأعوص من ذلك أنك قد تجد المعلم في القرية وزوجته وعياله في المدينة، والعكس كذلك، والأسرة مشتتة والأبناء محرومون ولا حل لهم ﺇلا بطرق باب المحسوبية والزبونية ﺇن كانوا في مقامها... ﻫذا وسنة بعد سنة يسوء حال المؤسسات العمومية، ناهيك عن اكتظاظ الأقسام، ﺇذ يبلغ عدد التلاميذ في الفصل الواحد خمسين تلميذا أو طالبا. كما أن الفصل الواحد قد يجمع مستويين أو أكثر، فكيف بالله عليكم سيكون الأداء جيدا في مثل ﻫذا الوضع. وما آل ﺇليه التعليم العمومي من حال مزري ﺇلا نتيجة اﻹصلاحات المتتالية، فقد جاء في بيان دعت فيه النقابات ﺇلى ﺇضراب في مطلع ﻫذا الشهر بجهة سوس ماسة درعة أن:«اﻹصلاحات المتتالية في قطاع التعليم تهدف بالأساس إلى تخلي الدولة عن قطاع حيوي واستراتيجي بالنسبة لمستقبل البلاد، وذلك بمباركة جميع القوى السياسية من خلال ميثاق التربية والتكوين الذي يعتبر المرجع الأساس ﻟﻹجهاز على المدرسة العمومية». أما ﺇن كان المدرس بالقطاع الخاص فحاله أسوء وأعوص، ﺇذ راتبه لايصل حتى ﺇلى الحد الأدنى للأجور،وساعات عمله مضاعفة،والمهام التي تناط له تتجاوز مهمته كمدرس، ﺇذ يصبح أحيانا ﺇداريا وأحيانا ممثلا تجاريا، وأحيانا أخرى منظم حفلات أو منشطا...ﻫذا وهو غير معترف به قانونيا كمدرس، ولا حق له في الضمان الاجتماعي وغير ذلك، وﺇن سولت له نفسه المطالبة بحقه-بالانضمام لنقابة ما- فالطرد مآله، والسب والشتم جزاؤه، وحشود المعطلين تنتظر منصبه. فكيف سيتمكن ﻫذا المدرس من بناء عش الزوجية، ولامن العيش كمواطن محترم له دخل يسد حاجياته... فارحموا ﻫذا الذي على عاتقه بناء الأجيال، ليتفرغ فيكد ويجد ويبحث على كل ما ينفعها، فيشد عضدها لتقوم وتنهض بالأمة.
كاد المعلم أن يكون رسولا
التعليم صناعة الأنبياء ونهج المرسلين، حيث يشترك المعلم والنبي في الرسالة السامية التي يبلغانها.والأطفال يولدون على فطرة، فتربية الأبوين، وتوجيه المعلم هي التي تحدد سلوك الطفل وترسم معالم شخصيته. وبالتالي فإن استفراغ الوسع في مهمة التدريس أمر مطلوب في الظروف العصيبة التي تجتازها الأمة الإسلامية. فأبناؤنا يعانون من التبعية والتهميش، كما أن شواهدهم لاقيمة لها نظرا لقشور العلم الذي يعطى لهم كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:
في عصرنا علوم منها المشرف المحتكر المحتفظ بأسراره في بلاد المتعلمين من يابان وألمانيا.ومنها الدارج المتجرجر التابع التلميذ في جامعاتنا ومدارسنا)
فالمعلم الذي يرث رسالة النبوة ليس الذي كل همه الزيادة في الراتب، بل الذي يحمل الرسالة بصدق، واﻟذي يؤرقه حال أبنائنا الضائعين في أوحال الزنا والمخدرات، و يخيفه مستقبل أمة أوتادها مترهلة. أطفال اليوم هم رجال الغد وأوتاد الأمة، والمدرس النبيل هو الذي يسعى جاهدا إلى صناعة هؤلاء الرجال صناعة ربانية. فالهداية من رب العالمين والجهد من بني البشر.
ومن ثم فدور المدرس الأساسي يكمن في تربية الطلاب على الاعتزاز بهويتهم الإسلامية، والانتماء إلى ثقافتهم ولغتهم ووطنهم. كما يتعين عليه أن يبذل الغالي والنفيس للبحث عن الوسائل المتطورة والفعالة في إنجاح عمليته التعليمية التعلمية، فلا يكتفي بالمقررات السنوية والمناهج المطروحة، بل يبحث عن المعرفة في كل مكان ويقتنصها حتى من أعداء الدين، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.وفي الأثرخذوا الحكمة من أفواه السفهاء)
وفي الختام فان السنة الدراسية كلها للمدرس وليس يوما واحدا في السنة، وكل عمل قدمه بإخلاص وإتقان فالله يباركه ويجازيه الجزاء الأوفى. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون والحمد لله رب العالمين.







