مع اقتراب استحقاق 23 شتنبر، يعود سؤال حضور المرأة في العملية الانتخابية إلى الواجهة: هل نحن أمام مشاركة سياسية حقيقية للنساء، أم أمام مجرد استثمار انتخابي لصوت نسائي واسع العدد، دون أن تتحول هذه المشاركة إلى قوة اقتراح وتأثير وصناعة للقرار؟
نعم، قطعت المنظومة القانونية المغربية أشواطا مهمة في إقرار مبدأ “المساواة” وتشجيع التمثيلية النسائية، غير أن الشرخ ما يزال عميقا بين النصوص القانونية والواقع السياسي والممارسة الانتخابية.
فالمرأة، وخصوصا في الأوساط التي تعاني من الأمية والجهل السياسي، تتحول إلى مجال خصب للاستغلال الانتخابي؛ يستمال صوتها بالحاجة، أو بالوعود، أو بالوساطة، أو بالقرابة، بينما تُغيب قدرتها على الاختيار الواعي والمبني على البرامج والمواقف.
وحتى حين يتعلق الأمر بـ«الكوتا» والآليات المخصصة لتعزيز التمثيلية النسائية، فإن المشكلة لا تنتهي بمجرد إيصال عدد أكبر من النساء إلى المؤسسات المنتخبة. إذ تظل التزكيات في كثير من الحالات محكومة بمنطق الولاءات الحزبية والعائلية وشبكات النفوذ والمال السياسي، بدل الاحتكام إلى الكفاءة والاستقلالية والقدرة على الاقتراح وتحمل المسؤولية.
وهكذا، لم تنجح التجربة – التي بدأت منذ 2002 – في إفراز نخب نسائية مستقلة، واعية، قوية الحضور، قادرة على المبادرة والتأثير وصناعة القرار؛ لأن رفع نسبة التمثيلية لا يعني بالضرورة رفع مستوى الفعل السياسي.
كما أن الواقع يبرز أن جزءا كبيرا من النساء أصلا لا يرى في الانتخابات أولوية في حياته اليومية. فالمرأة المنشغلة بتدبير الهم المعيشي، وغلاء الأسعار، وضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وأعباء الأسرة، والتشتت الأسري ومخاوف المستقبل، قد لا تجد في موسم الانتخابات ما يقنعها بأن صوتها قادر فعلا على تغيير واقعها.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم امرأة ستصل إلى البرلمان أو المجالس المنتخبة؟ بل: أي امرأة؟ وبأي وعي؟ وبأي استقلالية؟ وبأي مشروع؟ ولصالح من ستستعمل موقعها وصوتها؟
فالمرأة يطلب منها أن تصوت لكن لا يمنح لها بالضرورة ما يجعل صوتها مؤثرا، ويحتفى بتمثيليتها التي تختزل في رقم، وتستدعى للمشاركة ثم تقصى عن صناعة القرار، ترتفع شعارات تمكينها في الوقت الذي يستمر فيه إنتاج التبعية السياسية.
لذلك، فإن القضية ليست في أن نزيد عدد النساء داخل المؤسسات فقط، وإنما في أن نسأل عن طبيعة النظام الانتخابي والسياسي الذي تدخل إليه هؤلاء النساء، وعن مقدار السلطة الفعلية التي يملكنها بعد الوصول.
فحتى النساء اللواتي يتم انتخابهن في ظل هذه الشروط قد يجدن أنفسهن، في كثير من الأحيان، أمام مؤسسات محدودة القدرة على صناعة القرار، بما يجعل الانتخابات أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار والواجهات، منها إلى تفويض شعبي حقيقي لصناعة السياسات.
وحين تصبح الانتخابات مجرد واجهة لإضفاء الشرعية على واقع لا يتغير، فإن الحديث عن تمكين المرأة سيظل ناقصا؛ لأن التمكين الحقيقي يبدأ من تحرير الإرادة، واستقلال القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل صوت المواطن ــ امرأة ورجلاً ــ مصدراً فعليا للسلطة، لا مجرد وسيلة لإنتاج شرعية شكلية.
إن المرأة لا تحتاج إلى أن تكون مجرد رقم انتخابي، ولا إلى مقعد يمنح لها مقابل الولاء؛ إنها تحتاج إلى فضاء سياسي يحترم عقلها وإرادتها، ويتيح لها أن تختار وتعارض وتقترح وتحاسب وتقرر. فالمرأة التي لا تملك قرارها قبل الانتخابات، لن تملك بالضرورة قرارها بعدها. والمرأة التي يستغل صوتها لإنتاج مشهد انتخابي صوري، لن تتحول بمجرد الجلوس على مقعد إلى صاحبة سلطة حقيقية.
لهذا، فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال: كم امرأة ستنتخب؟ هو: هل نحن أمام انتخابات تنتج إرادة شعبية حقيقية، أم أمام انتخابات تنتج واجهات جديدة لقرار يصنع في مكان آخر؟
ذلك هو جوهر القضية، وما عداه قد لا يكون سوى تجميل لصورة المشاركة السياسية دون تغيير حقيقتها.