المرأة والشأن العام من القعود إلى الفعل الحضاري.. مقاربة منهاجية في فكر الإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for المرأة والشأن العام من القعود إلى الفعل الحضاري.. مقاربة منهاجية في فكر الإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

مقدمة

ليس سؤال المرأة في الشأن العام سؤال حقوق مجردة، ولا مطلب حضور شكلي، وإنما هو في عمقه سؤال موقع وظيفي في بناء الأمة وصناعة التاريخ. ذلك أن تغييب المرأة عن الشأن العام لم يكن حادثا عرضيا، بل كان في كثير من مراحله نتيجة مباشرة لحالة أشمل سماها القرآن باسم صريح هو القعود، وسماها الإمام عبد السلام ياسين قعود الأمة عن وظيفتها الاستخلافية.

ومن هنا تأتي أهمية المقاربة المنهاجية التي لا تفصل بين تربية الفرد وبناء المجتمع، ولا بين الإحسان والعمران، ولا بين الرجل والمرأة في حمل الأمانة.

المحور الأول: مفهومي القعود والفعل الحضاري، التأصيل القرآني والمنهاجي

الدلالة اللغوية

قعد: القعود نقيضُ القيام، يقال: قَعَدَ يَقْعُدُ قُعُودًا ومَقْعَدًا أي جَلَسَ 1.

القعود في القرآن الكريم

حين نستقرئ موارد مادة «قعد» في القرآن الكريم، نجد أنها لم تُستعمل – حين تعلقت بالشأن العام – استعمالا عاديا، بل وردت في سياقات الذم والتقريع، مقرونة بالتخلّف عن النصرة، والرضا بالدون، والانكفاء عن التكليف. يقول الله تعالى في وصف المنافقين الذين تثاقلوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ: وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة: 46].

وقد أجمع المفسرون على أن هذا القول ليس إذنا حقيقيا، بل إذنُ إهانة؛ لأنهم حُرموا شرف الفعل بعد أن بان لهم الحق. يقول الإمام الشوكاني: «هو عبارة عن الإذلال، أي أُوقع في قلوبهم القعود خذلانًا لهم» 2.

ويؤكد ابن عاشور معنى القعود بأنه حرمان من الله لما علم من نفاقهم وسوء نيتهم، وأن عدم إرادتهم الخروج كان حرمانًا من الله إياهم، وتشبيهًا للترك بالقعود والجلوس 3.

ويؤكد القرآن هذا المعنى حين يكشف البعد النفسي للقعود والتخلّف، فيقول سبحانه: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة: 81]، فالخطر ليس في التخلّف وحده، بل في الرضا به والاطمئنان إليه.

ثم يبلغ الخطاب القرآني ذروة الصراحة حين يجعل القعود قرين الكذب، في قوله تعالى: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: 90]، وهو ما حمل الزمخشري على القول إن الصادق لا يقعد عن الحق إذا تبيّن، لأن القعود هنا موقف قلبي قبل أن يكون حركة جسدية، فهم كاذبون في ادعائهم الإيمان. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيّ على أموالنا ومواشينا، فقال ﷺ: «سيغنيني الله عنكم». قال تعالى: سَيُغْنِي اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي ادِّعَائِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ 4.

من القعود الفردي إلى القعود الحضاري

يرى الإمام عبد السلام ياسين أن التربية الإيمانية وحدها كفيلة بإخراج رجال مجاهدين ونساء يشمّرون عن أذيال الفضول والمغريات وغرور الدنيا، والشيطان والهوى، ويكشفون عن ساق الجد، ويغشون حلبة الأهوال، ويرقون مراقي الكمال 5.

هذه التربية هي الكفيلة وحدها بإخراج المؤمنة من ضيق الفردانية إلى سعة الجماعة، ساعية وباذلة نفسها ووقتها وأسرتها للانخراط في بناء صرح الأمة، وتحقيق غاية الاستخلاف. وإن من أشد ما أصاب الأمة قعود المرأة عن دورها الأساسي في هذا البناء، إذ اكتفت بالانزواء والانكماش على نفسها تحت ذريعة تربية الأولاد والقيام بمسؤوليات البيت، “ما تنسخ مسؤولية المرأة في بيتها مسؤوليتها خارجه، إلا كما تنسخ سائر التكاليف الشرعية عنها، وهي لا تفعل، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليفان على المرأة منهما مثل ما على الرجل” 6. فهي قومة تبدأ من تزكية القلوب قبل تغيير الأنظمة، لأن العدل السياسي لا يستقيم دون تربية إحسانية تكون منطلقه وضابطه.

موقع المرأة في مشروع القومة

في هذا المشروع، يرفض الإمام كل تصور يجعل المرأة على الهامش، أو يؤجل دورها إلى ما بعد التمكين.. يستحثها بسؤال جوهري في سلوكها إلى الله، “من يوقظ النائم، ومن يحيي الميت، ومن يسبق إلى إمامة الأمة، النضال بكلمة لاييكية، أو جهاد بكلمة قرآنية؟ السؤال الحر ابتداء، السامي أهدافا وغاية، يصفني أنا أمة الله بأنني أنا وأمتي حملة رسالة إلى الناس كافة، نتعبأ لذلك المرمى البعيد، ونشرف على ذلك الجهاد الطويل النفس البعيد المدى، لا من زاوية مقهورية الأمة، ولكن من وجهة نظر من هم قدر من قدر الله” 7. إن القومة لا تقوم بنصف أمة، وإن تغييب المرأة عن الشأن العام يُفرغ مشروع العدل من مضمونه الأخلاقي. فالمرأة، في نظره، ليست أداة تعبئة ولا زينة خطاب، بل شاهدة على الظلم، ومربية للأجيال، وفاعلة في الدعوة والتنظيم، وشريكة في حمل الأمانة.

المحور الثالث: برج المرأة الاستراتيجي، موازنة بين الأسرة وبناء الأمة

الأسرة منطلق الفعل لا مبرر القعود

يرفض الإمام الثنائية التي تضع المرأة بين خيارين متنافيين: إما الأسرة أو المجتمع. فيطرح سؤالا استنكاريا “أمع الرجال دليل وحجة بما أحالوا إماء الله قواعد في البيوت، محجورات عاجزات جاهلات مظلومات؟ كيف فقدت تلك التربية، وماتت تلك الروح؟ كيف قتلت المرأة وأفشلت؟” 8. فالبيت، في رؤيته، هو البرج الاستراتيجي لصناعة الإنسان المجاهد، وليس فضاءً يُقعد المرأة عن الشأن العام. ويستند هذا التصور إلى الحديث النبوي الشريف “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” 9، حيث تُفهم المسؤولية بوصفها تكليفًا لا حبسًا، وأمانة لا إقصاءً.

شروط الموازنة في الرؤية المنهاجية

تتحقق هذه الموازنة حين تُربّى المرأة على الوعي بوظيفتها الشرعية، ويُعاد بناء العلاقة الزوجية على الشراكة لا الاستبداد، وتتوفر الجماعة الحاضنة التي تنظّم الجهد ولا تستنزفه. فالمشكلة ليست في الجمع بين الدورين، بل في غياب التصور المنهاجي الذي يربط التربية بالفعل، والبيت بالمجتمع.

المحور الرابع: نماذج من مشاركة المرأة في الشأن العام لأمتها

المرأة في عصر النبوة: الفعل المؤسِّس لا الحضور الرمزي

حين نستحضر نماذج النساء في عصر النبوة، فإننا لا نستدعي أسماءً للتبرك أو التزيين الخطابي، بل نستحضر فاعلات تاريخيات شاركن في لحظات التأسيس الأولى للأمة، كلٌّ من موقعها، وبما يناسب وظيفتها، دون افتعال صدام مع الفطرة أو انسلاخ عن القيم.

فخديجة بنت خويلد رضي الله عنها اشتهرت بدورها التأسيسي في قيام الدعوة، لا باعتبارها زوجة للنبي ﷺ فقط، بل باعتبارها سندًا نفسيًا وماليًا واستراتيجيًا في مرحلة كان فيها الضعف ظاهرًا، والخطر محدقًا. “وما لها أمنا خديجة لا تكون خير نساء العالمين، وهي آمنت حين كفر الناس، ونصرت حين خذلوا، وحمت حين أسلموا” 10. كما سخّرت مالها لخدمة الدعوة في زمن الحصار، حتى قال ابن إسحاق إن الإسلام قام بمال خديجة كما قام بسيف علي 11.

أما نُسيبة بنت كعب الأنصارية رضي الله عنها، فقد اشتهرت بثباتها في لحظة الانكسار، يوم أُحد، حين انهزم كثير من الرجال، وبقيت تدافع عن رسول الله ﷺ بسيفها وجسدها، حتى قال عنها النبي ﷺ: “ما التفتُّ يمينًا ولا شمالًا إلا وأنا أراها تقاتل دوني” 12. ولم يكن موقفها فعلًا عاطفيًا، بل شهادة عملية على أن المرأة حين يقتضي المقام الدفاع عن الجماعة المؤمنة، تكون في الصفوف الأولى، لا بوصفها استثناءً، بل بوصفها شريكة في المصير.

المرأة في مواجهة الظلم: أسماء بنت أبي بكر والحجاج نموذجًا

ويبلغ الفعل الحضاري النسائي ذروة نضجه حين يتحول إلى موقف أخلاقي صريح في مواجهة الطغيان، كما يتجلى ذلك في موقف السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، أم عبد الله بن الزبير، مع الحجاج بن يوسف الثقفي.

اشتهرت أسماء رضي الله عنها بثباتها وشجاعتها في قول الحق أمام السلطان الجائر، وقد كانت يوم دخل عليها الحجاج امرأةً كبيرة في السن، فقدت بصرها، لكنها لم تفقد بصيرتها ولا كرامتها. فلما قتل الحجاج ابنها عبد الله بن الزبير وصلبه، دخل عليها متبجحًا، يريد كسرها نفسيًا، فقال لها: كيف رأيتِني صنعتُ بعدوّ الله؟ فقالت كلمتها الخالدة: “رأيتك أفسدتَ عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك”.

وفي رواية أخرى، لما خوّفها بسلطانه، قالت له بجرأة المؤمن الواثق: “أما إن رسول الله ﷺ أخبرنا أن في ثقيف كذّابًا ومبيرًا، فأما الكذّاب فرأيناه، وأما المبير 13 فأنت” 14. هذا الموقف لم يكن انفعال أمٍّ ثكلى فقط، بل فعلًا حضاريًا مقاومًا، يرسّخ مبدأ أن المرأة المسلمة ليست كائنًا صامتًا أمام الظلم، ولا تُطالَب بالانسحاب حين يتحول الصراع إلى صراع قيم، بل تكون شاهدة بالحق، ثابتة في الموقف، ولو فقدت ولدها وبصرها.

المرأة في البناء العلمي والحضاري

ولا يقتصر الفعل الحضاري على ميادين الصراع السياسي أو العسكري، بل يشمل البناء العلمي والمؤسسي طويل الأمد، كما يتجلى في نموذج فاطمة الفهرية رحمها الله، التي اشتهرت بتأسيس جامع وجامعة القرويين بمدينة فاس في القرن الثالث الهجري. وقد كان هذا الفعل تعبيرًا عن وعي حضاري عميق، إذ أدركت أن بناء الإنسان لا يتم إلا ببناء مؤسسات العلم، فأنفقت مالها في وقف علمي خدم الأمة خدمة عظيمة على مر القرون 15.

دلالة هذه النماذج في الرؤية المنهاجية

تؤكد هذه النماذج المتنوعة أن المرأة المسلمة، حين تُربّى على الإيمان، وتُدمَج في مشروع الأمة، وتُحرَّر من القعود المفروض باسم العرف أو المؤوَّل باسم الدين، تتحول إلى عنصر بناء، ومصدر ثبات، وقوة مواجهة. وحضور في صلب الفعل الحضاري، وهذا ما عبّر عنه الإمام حين شدّد على أن تغييب المرأة ليس مسألة فقهية فرعية، بل اختلال في بناء صرح الأمة، لأن العدل لا يقوم بنصف أمة، والشهادة لا تُؤدَّى بالصمت، والفعل الحضاري لا يُنجز بالقاعدين، فالنساء شقائق الرجال كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 16.


[1] لسان العرب، ابن منظور.
[2] فتح القدير، الشوكاني.
[3] التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور.
[4] الكشاف، الزمخشري.
[5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 367.
[6] تنوير المومنات، ج2، ص270.[iref].

لذلك إن هي تركت هذا الثغر، فقد تكون بذلك مشاركة في حالة القعود والتخاذل التي أصابت الأمة، فالقعود لم يقتصر على فئة المنافقين كما سبق، بل تحوّل في عصور الانحطاط إلى حالة حضارية عامة، حين فقدت الأمة مشروعها الجامع، وتديّنت بلا إحسان، وتحركت بلا تنظيم. فالاستضعاف الذي أقعد الأمة لم يكن استضعافًا ماديًا فقط، بل استضعاف نفوس أيضا، حيث رضي الناس بالهامش، واعتادوا الظلم، ولبس القعود لباس الحكمة والورع.

الفعل الحضاري بوصفه قيامًا بوظيفة الشهادة

في مقابل هذا القعود، يطرح القرآن مفهوم القيام بوصفه تحمّلًا جماعيًا للأمانة، لا مجرد حركة. يقول تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (آل عمران: 110)، والخيرية هنا مشروطة بالفعل المستمر، القائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن هذا المنطلق فإن الفعل الحضاري ليس اندفاعًا عاطفيًا، ولا إصلاحًا جزئيًا، بل ثمرة إيمان منظم وجماعة قائمة، وإن تغييب المرأة عن هذا الفعل هو أحد مظاهر القعود المقنّع.

المحور الثاني: مشروع القومة عند الإمام وموقع المرأة فيه

مفهوم القومة في الرؤية المنهاجية

القومة في فكر الإمام عبد السلام ياسين ليست ثورة غضب ولا انقلابًا سياسيًا، بل مسارًا تاريخيًا طويل النفس، ينتقل بالأمة من القعود إلى القيام، ومن الظلم إلى العدل، عبر التربية الإحسانية، والتنظيم الجماعي، والزحف السلمي الأخلاقي. “قومة محكمة، محكومة، مملوكة، موجهة وجهة الحق لا وجهة الغضب والانتقام، هذا يريد جهادا أكبر، سابقا ومواكبا ولاحقا، جهاد النفس وتربيتها” 17المنهاج النبوي، ص372.


[7] تنوير المومنات، ص262.
[8] تنوير المومنات، 269.
[9] تنوير المومنات، ص 267.
[10] تنوير المومنات، ج2، ص 258.
[11] سيرة بن هشام، ص257.
[12] أسد الغابة، ابن الأثير، ج7، ص 337.
[13] يعني الرجل الذي يسفك الدماء ويُهلك الناس بشكل ظالم ومستمر.
[14] البداية والنهاية، ابن كثير، ص 99.
[15] الاستقصا، الناصري، ج2، ص 89.
[16] من حديث أخرجه أبو داود(236).