المرأة وخيارات التنمية في المغرب

Cover Image for المرأة وخيارات التنمية في المغرب
نشر بتاريخ

مداخلة خلال ندوة: “المرأة والنموذج التنموي الجديد بين التنظير والتنزيل” (الأحد 6 مارس 2022)

مقدمة

أشكر – بداية – اللجنة التي سهرت على تنظيم  هذه المأدبة الفكرية، وعلى إتاحة الفرصة للمساهمة في إغناء الوعي، لأن بسط النقاش من خلال هذه الندوة – ومثيلاتها – غايته تلاقح الأفكار وتبادلها لإذكاء الوعي بقضية تعد من القضايا المهمة، ألا وهي قضية تنمية المرأة. ولا يسعني بهذه المناسبة إلا أن أتقدم بتحية عالية لكل النساء.

محاور المداخلة

سأقدم مداخلتي من خلال ثلاثة محاور:

– المحور الأول: تعريف التنمية وعلاقتها بالمرأة.

– المحور الثاني: أهم الاستراتيجيات والبرامج التنموية التي رصدت تنمية المرأة في المغرب.

– المحور الثالث: آثار هذه الخطط ومدى انعكاسها على وضعية المرأة.

المحور الأول: تعريف التنمية وعلاقتها بالمرأة

كثيرة هي التعاريف التي تعطى لمفهوم التنمية، غير أننا سنجملها في التعريف التالي: ” التنمية؛ عملية هادفة إلى إحداث تحولات هيكلية؛ اقتصادية واجتماعية، يتحقق بموجبها مستوى من الحياة الكريمة التي تقل في ظلها عدم المساواة، وتزول بالتدريج مشكلات البطالة والفقر والجهل والمرض، ويتوفر للمواطن قدر أكبر من فرص المشاركة وحق المساهمة في توجيه مسار وطنه ومستقبله”.

كما تنطوي التنمية في أبلغ صورها على إحداث نوع من التغيير في المجتمع الذي تتوجه إليه، وبالطبع فهذا التغيير من الممكن أن يكون ماديا يسعى إلى رفع المستوى الاقتصادي والتكنولوجي لذات المجتمع، وقد يكون معنويا يستهدف تغيير اتجاهات الناس وتقاليدهم وميولهم. فالأمر يتعلق إذن بعمليات هادفة محدودة في الزمان والمكان تراهن على التغيير الإيجابي وتغيير السياسات والممارسات والمواقف.

إن هذا الاختلاف الذي يبصم مفهوم التنمية هو الذي سيدفع إلى عملية إدماج عدة مفاهيم تلح على أن التنمية هي كل متداخل ومنسجم،  وأنها تكون ناجعة وفعالة عندما تتوجه في تعاطيها مع الأسئلة المجتمعية إلى كل الفعاليات المعبرة عن الإنسان والمجتمع، عبر مختلف النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية، حيث إن الاقتصار على البعد الاقتصادي في تعريف التنمية يظل قاصرا عن تقديم المعنى المحتمل للتنمية.

فالتطور المعرفي الذي شهده المفهوم سيقود نحو مزيد من التخصص الذي فرضته أسئلة التنمية على المستوى الواقعي، وهذا ما استوجب تفريع التنمية إلى واجهات عدة للاشتغال؛ كالتنمية الاقتصادية والثقافية والسياسية والفلاحية والقروية والتنمية الترابية.

المحور الثاني: أهم الاستراتيجيات والبرامج التنموية التي رصدت تنمية المرأة في المغرب

على المستوى العالمي؛ في البداية كان الاهتمام موجها لتنمية جميع فئات المجتمع (نساء ورجالا) في برامج التنمية على حد سواء، ولم يكن للنساء موقع اهتمام خاص إلا في برامج ذات علاقة بالصحة والتغذية كأم بالدرجة الأولى.

وفي بداية 1970 كانت هناك مواقف وتساؤلات من طرف عدد من الباحثين الذين سلطوا الضوء على الدور المنتج للنساء، وأهمية مساهمتهن في الاقتصاد المنزلي الوطني، ونتيجة لهذا الاهتمام ومن خلال  التقييم لاحظوا أن ظروف النساء لم تتحسن خلال السنوات الماضية، وأن التقدم كان موجها للرجال فقط.

هذا التحليل أدى إلى مقاربة جديدة لمسألة النساء، هي إدماج المرأة في التنمية، حيث تم اعتماد هذه السياسة سنة 1975 بمؤتمر بمكسيكو من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة: عشرية المرأة 1976-1985 التي ركزت على “المساواة والتنمية والسلم”.

بعد هذه السنة توالت المؤتمرات والاتفاقيات المهتمة بتمكين المرأة وإدماجها في التنمية. وهذه المؤتمرات عرفت انضمام عدد من دول العالم، وكان المغرب من بين هذه الدول، حيث وقع وصادق على عدد من الاتفاقيات.

ومن أجل الوفاء بالالتزامات الدولية، ومسايرته للركب الدولي في مجال الرقي بالمرأة وبناء مجتمع متقدم، قام المغرب بمجموعة من التدابير الإصلاحية التشريعية القانونية، وبناء الآليات المؤسساتية، بالإضافة إلى الخطط والاستراتيجيات التي تسعى لتحقيق إدماج المرأة في التنمية.

فما هي أبرز هذه المشاريع الإصلاحية التنموية التي قام بها المغرب؟ وما هي انعكاساتها على وضعية المرأة؟

مشروعات وبرامج التمكين الاجتماعي

– مدونة الأسرة.

– مقتضيات الدستور 2011، الذي كرس المساواة بين النساء والرجال.

– صندوق التكافل العائلي الهادف إلى حماية النساء المطلقات وأبنائهن من العوز الناتج عن إعسار الزوج.

– المساواة في حق منح الجنسية للأزواج والأبناء بتعديل قانون الجنسية 2007.

– قانون مناهضة العنف.

– تعديل القانون الجنائي المتعلق بزواج الفتيات القاصرات ضحايا الاغتصاب..

– مشروع دعم جهود محو الأمية، خارطة طريق محو الأمية 2014-2020.

– مشروع الرعاية الصحية: تعميم نظام المساعدة الطبية راميد الذي انطلق مارس 2012، برامج الكشف المبكر عن سرطانات الثدي وعنق الرحم، وإدماج الكشف عن فيروس فقدان المناعة المكتسبة.

مشروعات وبرامج التمكين السياسي والإداري للنساء

– إحداث صندوق الدعم لتشجيع تمثيلية النساء لتمويل المشاريع المقدمة من طرف الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الناشطة في مجال تقوية قدرات النساء والحكامة المحلية والتنمية البشرية.

– تكريس ثلاث محاور استراتيجية بالنوع الاجتماعي، وهي: الحكامة المحلية التشاركية وتعزيز قدرات النساء المنتخبات والأطر.

– تدابير تشريعية وقانونية للعملية الانتخابية؛ مدونة الانتخابات، والقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، والقانون التنظيمي المتعلق بمجلس المستشارين، وقانون الأحزاب بمجموعة من الإجراءات الخاصة تهدف إلى الرفع من عدد النساء بما يتناسب والمعايير الدولية.

مشروعات وبرامج التمكين الاقتصادي للنساء

قام المغرب بإطلاق عدة أوراش اقتصادية واجتماعية، من غاياتها وأهدافها الأساسية تمكين النساء والرفع من مردوديتها، وفي مقدمتها:

– المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أعلن عنها الملك محمد السادس سنة 2005 وفق منهج تضامني يرمي إلى محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي القائم على الاستهداف.

– مخطط المغرب الأخضر؛ أولى أهمية خاصة للنساء القرويات، بولوجهن برامج ومشاريع التنمية الفلاحية، وذلك عبر تقوية قدرات النساء وتشجيع التنظيم النسوي، وتمويل المشاريع المدرة للدخل، وترويج المنتجات وتنمية الشراكة.

– تخصيص جزء من الميزانية المخصصة للشراكة مع الجمعيات لدعم المبادرات التي تتميز بالإبداع والابتكار في مجال التمكين الاقتصادي للنساء، والتي تهم على الخصوص محوري الأنشطة الخاصة بالخدمات والصناعة التقليدية ذات القيمة المضافة.

– دعم النساء الأرامل في وضعية هشة الحاضنات لأطفالهن اليتامى (2015)؛ اتخاذ التدابير القانونية والإدارية المتعلقة بتخصيص دعم مالي عمومي لفائدة النساء الأرامل (1050 درهم) شريطة تمدرس الأطفال لغاية 21 سنة.

 – تمكين النساء السلاليات.

– إحداث صندوق التكافل العائلي، سنة 2012، يستهدف المرأة المطلقة المعوزة والأطفال المستحقين للنفقة.

– إنشاء صندوق دعم التماسك الاجتماعي، سنة 2012، لتعزيز التماسك الاجتماعي ومحاربة الفقر، الذي يمول النفقات المتعلقة بالمساهمة في نظام المساعدة الطبية، ودعم الأشخاص في وضعية إعاقة، والتمدرس، ومحاربة الهدر المدرسي.

– تفعيل مقتضيات عمل المرسوم المتعلق بتحديد شروط ومعايير الاستفادة من الدعم المباشر للنساء الأرامل في وضعية هشة الحاضنات لأطفالهن.

– الاستراتيجية القطاعية 2012-2016 التي تستهدف تحسين الولوج للعلاجات، وتنظيم الخدمات، وتعزيز صحة الأم والطفل، والفئات الاجتماعية الخاصة.

– الخطة الوطنية للمساواة “إكرام” IKRAM، التي كانت تتويجا لسياق وطني مميز في مجال النوع الاجتماعي، وتتوفر على ثمان مجالات للتدخل.

– الخطة الحكومية للمساواة “إكرام 2″، وتتكون من 7 محاور؛ جاءت نتيجة تقييم موسع للخطة الحكومية للمساواة الأولى “إكرام” على مدى 2017-2021.

المحور الثالث: آثار هذه الخطط ومدى انعكاسها على وضعية المرأة

بالرغم من العديد من المبادرات التنموية، حيث لا أحد يجادل في أهميتها وأهمية الأهداف التي سطرت من أجلها،ولا في الميزانية التي رصدت لها والتي استنزفت أموالا باهضة، ولا في الأطقم البشرية المتخصصة التي سهرت على إنجاز هذه المشاريع وتنفيذها في مراحلها الأولى، وكذلك أهمية المجتمع المدني من جمعيات وتعاونيات ومنظمات مهنية مختصة في المجال التي كانت شريكا أساسيا في تنفيذ هذه المشاريع.

يبقى السؤال المطروح هو سؤال الحصيلة، أو واقع المرأة، خل فعلا كان لهذه البرامج انعكاس على على وضعية المرأة؟ هل استطاعت أن تجيب عن مجموعة من الإكراهات التي تعيشها المرأة المغربية؟

انطلاقا من مؤشرات وتقارير دولية ومؤسسات محلية رسمية، والتي تعتمد على مجموعة من المعايير، أهمها وضعية المرأة في ذات البلد (فعندما رتبت الأمم المتحدة والبنك الدولي المغرب في آخر اللائحة فهذا يعني أن ترتيب المرأة يأتي أيضا في آخر اللائحة) نستنتج ما يلي:

المغربيات الأكثر إقصاء في المغرب

المؤشر الأكثر تجسيدا لهذا الإقصاء، هو معدل مشاركة النساء في سوق الشغل. إذ انخفض من 26,6 % سنة 2008 إلى 21,8 % سنة 2018 أقل من ثلث المعدل الخاص بالرجال (70,9%). ويسجل هذا المعدل مستويات أدنى في المناطق الحضرية، حيث بلغ 18,1 %. مما يفيد أن حوالي 82 % من نساء المدن البالغات سن العمل لا يشاركن في النشاط الاقتصادي، وبالتالي لا يتوفرن على دخل خاص بهن.

وهذه المرحلة هي التي عرفت انطلاق البرامج التنموية، بما يفيد أنها لم تنعكس إيجابا على واقع المرأة المغربية.

المغربيات الأكثر هشاشة في المغرب

معدل البطالة في تزايد مستمر؛ إذ بلغ معدل البطالة على المستوى الوطني 14,1% لدى النساء، مقابل 8,4 % لدى الرجال سنة 2018.

ففي سنة 2018 لم يتجاوز عدد النساء من مجموع متقاعدي الصندوق الوطني للتضامن الاجتماعي سوى  17%، مقابل 83 %من الرجال.

كما أن متوسط معاشهن يبلغ 1909 دراهم، وفي حالة الطلاق تتوقف استفادة المرأة من التغطية الصحية للزوج، أما في حالة الترمل فإن استفادتها وأطفالها من الحماية الاجتماعية تكون مشروطة بوجود تحويل معاش التقاعد «معاش الخلف» (والذي يشكل نصف معاش تقاعد الزوج قيد حياته).

على مستوى الصحة: بالنسبة لوفيات الأمهات عند الولادة، فرغم تسجيل بعض الانخفاض إلا أن مستوى وفيات الأمهات ما يزال مرتفعا، حيث سجلت في المغرب 72.6 لكل 100000 ولادة حية.

المغرب يأتي في ترتيب متأخر بخصوص وفيات الأمهات خلال الولادة. وهذا راجع للإخفاقات التي يعرفها المجال الصحي؛ لا من حيث المرافق الصحية ولا من حيث الأطر والبنيات..  وهو ما يوحي بأن الهشاشة الصحية للنساء أمام المخاطر المتصلة بالحمل والولادة ما تظل مرتفعة.

إن مؤشرات صحة الأم في المغرب، ليست إلا معدلات نسبية تخفي وراءها فوارق كبيرة بين الوسطين من جهة، وبين الجهات من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة بين الأوساط السوسيواقتصادية. كما لا يمكن إخفاء ما تعانيه بنيات التوليد من مشاكل كبرى.

أمام هذه العراقيل التي تواجه المرأة وتحول دون اندماجها الحقيقي في عملية التنمية يحق لنا أن نتساءل حول جدوى الخطوات التي تتخذها الدولة في هذا الإطار، وهل هي كافية لتجاوز هذه الوضعية، أم إن الأمر يتطلب تضافر الكثير من الأطراف وبذل المزيد من الجهود على أكثر من صعيد؟

خلاصات المخططات التنموية (ردود على التعقيبات)

– هذه المخططات كان الهدف منها خلق الثروة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، كما كان الهدف من الاستراتيجيات القطاعية تطوير سلاسل القيمة، وتحسين القدرة التنافسية والإنتاجية في الأجزاء الرئيسية من الاقتصاد وزيادة الإيرادات.

– يلاحظ أن البرامج والأوراش الكبرى حققت النمو لكنها لم تحقق التنمية، حيث ظل معدل البطالة مرتفع جدا.

– لم يكن المغرب يملك بالفعل نموذجا تنمويا متكاملا وفق ما هو متعارف عليه، بل الأمر كان يتعلق بالأساس بخيارات تنموية كبرى تركز على النمو الاقتصادي؛

* نمو لم يستطع تحقيق التوازن المطلوب بين الاستثمار في المال والاستثمار في الإنسان.

* نمو ركز على الشق الاقتصادي وأهمل الشق الاجتماعي.

– النمط الاقتصادي يعتمد على الزبونية والمحسوبية واحتكار الثروة، بدل الاهتمام بالتكوين، والتكوين المستمر لبناء الكفاءات، والاتجاه نحو التصنيع الذي يساعد على تحقيق الموارد. وهو ما أبان عن عجز الدولة في تحقيق التنمية والتقدم والرفاه.

– إن مسألة إدماج المرأة في التنمية يسائل استراتيجية الدولة ويسائل صناع القرار؛ فالإجراءات المتفرقة وغير المندمجة لا يمكن أن تستجيب لوحدها لمتطلبات التنمية.