1. المقدمة
تثير الصفقات السياسية في المعارك الكبرى مآلات ونتائج مستمرة حول مدى تأثيرها على التحرك الشعبي والإغاثي والفكري، فبعد توقيع الصفقة الأخيرة المتعلقة بغزة، يظن البعض أن المعركة قد انتهت، إلا أن الوقائع الميدانية وتحليلات الباحثين تشير إلى استمرار المعركة داخل غزة وخارجها، وإن اختلفت أشكالها عن المواجهة العسكرية المباشرة.
في هذا السياق، يطرح المقال السؤال الرئيس: هل بوادر تنزيل الصفقة تؤدي إلى توقف التحرك الشعبي والإغاثي والفكري والسياسي، أم أن هذه التحركات ستستمر وتتطور؟
2. من التضامن إلى العمل بخطة
أمام هذه العقلية الصهيونية المتشددة بقيادة متطرفة دينية حاكمة فإن مسار المعركة لم ينته ويمكن إسقاط الصفقة في أي لحظة بسبب الغباء السياسي الصهيوني الحاكم، لذلك تسعى القوى الحية المناصرة لغزة فهم المعركة ولها أبواب أخرى وواجهات يلزم الحضور فيها ومنها السياسية والفكرية دون الاستنكاف عن الحضور الشعبي المناصر أو الانصراف بسبب خطة ترامب ووقف النار..
الصفقة السياسية غالبًا ما تكون مرحلتها هشة أو مؤقتة في غياب أسس الصفقة الناجحة، ويجب أن يصاحبها متابعة دقيقة من القوى الشعبية والفكرية لضمان استمرار الدعم والمساندة، وهذا ما نرصده واقعا بتدرج وتصاعد.
فنجد مثلا أن نسبة كبيرة من الرأي العام الغربي أصبحت أكثر قدرة على الضغط على الحكومات بعد فهمها للمعركة وتاريخ الاحتلال من خلال حدث الطوفان ومعلومات موثقة عن انتهاكات حقوق الإنسان في غزة، بل تحولت العقول الأجنبية المناصرة لغزة سياسيا وميدانيا، من البعد التضامني من خلال التحرك الميداني الاحتجاجي والسياسي والقانوني والإغاثي في شكل مبادرات وعمل إنساني متضامن، إلى البعد الاستراتيجي والعمل وفق خطة حقوقية وسياسية وإغاثية وفكرية لضمان الاستقرار في غزة ومنع الإبادة الجماعية.
أي تقييم لفاعلية الصفقة ومدى التحرك الأجنبي واستمراره في النصرة، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين التخطيط الاستراتيجي للنصرة ودعم غزة والتحولات الفكرية لدى الشعوب الغربية والنخب، فالفصل بينهما قد يؤدي إلى فتور الدعم الشعبي بعد توقيع الصفقة. والتحول في الوعي الفكري له تأثير كبير في التحول العملي الاحتجاجي الحركي وفي طريقة التعامل مع غزة ومناجزة الصهيونية، دون حصر النصرة في مرحلة مؤقتة أو باب واحد من الدعم والنصرة… ذلك فالحراك الغربي يحاول التحرك في كل أبواب النصرة دون توقف والتركيز على النصرة الفكرية خصوصا كقوة وأساس.
3. بوابات النصرة بعد الصفقة
3.1 العمل الإغاثي
تُظهر الوقائع الميدانية أن التحرك الإغاثي الشعبي والقوى الدولية كان محدودًا خلال المعركة بسبب هذا الحصار والإبادة، إلا أن وقف إطلاق النار بشكله الهش يفتح المجال لتدخلات إغاثية أكثر تنظيمًا وتأثيرًا بل المؤسسات الدولية الناجحة هي التي تعمل وفق رؤية واستراتيجية في العمل الإغاثي، دون انحشار في مبادرات أو مرحلة زمنية لصفقة قد تظهر زيفا أن المعركة توقفت.
هذا الربط بين الواقع الميداني والتخطيط الاستراتيجي يوضح أن العمل الإغاثي ليس مجرد واجب إنساني، وإنما هو مفتاح لاستدامة الدعم الشعبي والفكري والسياسي.
للأسف في بعض الأحيان تتوقف التحركات الإغاثية بسبب الجهل بالنصرة الحقيقية، وغياب رؤية استراتيجية للمؤسسات العاملة، فيفتر عملها بمجرد الإعلان عن صفقة هشة.
3.2 النصرة بالوعي والتحولات الفكرية في الغرب
الغرب وأسس الفكر الجديد
تمثل التحولات الفكرية في العقل الغربي بعد أحداث غزة 2023 بشكل غالب ومتدرج، محورًا مهما لفهم استمرارية التحركات الاحتجاجية. فنسبة من النخب الجامعية والفكرية الغربية انتقلت من التأثر بالرواية الصهيونية التقليدية إلى الانفتاح على الرواية الفلسطينية، نتيجة المشاهد الإنسانية الميدانية، والتوثيق الحقوقي، ووسائل الإعلام المستقلة وفعل الشعوب العربية والإسلامية في التواصل الاجتماعي، التي نقلت المعركة إلى الإعلام وساحات المحتويات الجادة الفاضحة لمثالب الكيان الصهيوني.
هذه النصرة الفكرية أو النصرة بالوعي فضلا عن النصرة الإغاثية، ترتكز على أسس تصنع هذه النصرة الثقافية العقلية التي تخشاها القوة الصهيونية في الغرب، لأنها أشد أبواب النصرة، وأقوى من باقي مشارب النصرة كالحقوقية والسياسية والاجتماعية والإغاثية. فالفكر هو محور تغيير الإنسان وتحفيزه للعمل في مشارب النصرة بكل أبعادها وأبوابها.. لذلك تحاول الصهيونية بعد الصفقة ترميم الفكرة الصهيونية ـ التي تقمصت الروح الغربية والعقل الغربي منذ قرون ـ من خلال تقويض أسس النصرة الفكرية التي تأسست بدافع حدث الطوفان. ونرصد هنا أسس هذه النصرة الفكرية التي هي في ولادتها الأولى:
- النخب الفكرية: هذا التحول الفكري مرتبط بوعي النخب الجامعية والإعلامية الغربية، حيث أصبح طرح الرواية الفلسطينية جزءًا من المناهج الأكاديمية والندوات، ما ساهم في بداية إعادة تشكيل الرأي العام تجاه الاحتلال الإسرائيلي ولو بشكل نسبي غالب متدرج.
- شبكات الضغط: التحولات الفكرية الغربية تعزز استمرارية التحركات الاحتجاجية، حتى في حال توقيع صفقة، لأن المؤسسات الأكاديمية والمنظمات الشعبية أصبحت شبكة ضغط مستمرة على السياسات الغربية تجاه الكيان الصهيوني.
لقد تسببت غزة وتحركات الشعوب الغربية ونخبها في صناعة شبكة ضغط على الأنظمة والسياسات، وهو مسار جماعي قد يتجاوز مستقبلا قوة اللوبي الصهيوني الضاغط في أروبا وأمريكا حيث تشكل هذه الشبكات أساس من الأسس الصانعة للنصرة الفكرية المناصرة لغزة فضلا عن أساس النخب الغربية.
- التحول الواعي بالعدو: هذه التحولات الفكرية تمثل تهديدًا طويل الأمد للسردية الإسرائيلية، إذ عززت العقل الغربي بفهم أن المشروع الصهيوني يمثل خطرًا على العالم والغرب، وأن استمرار التحركات الاحتجاجية هو جزء من مواجهة هذا التهديد.
هذه القراءة تكشف عن أساس ثالث يتأثل لصناعة النصرة الفكرية في العقل الغربي وهو أساس التحول الواعي بالعدو، فلم يعد العقل الغربي يعامل الصهيونية كخطر احتلال على غزة، بل هي خطر على الشعوب الغربية وتهديد للعالم، لذلك يجنح العقل الغربي مستقبلا بتدرج وبغالبية إلى الانتقال من حراك نصرة مرحلية ترتبط بغزة وتحميها، إلى نصرة أبدية وتحرك مستمر من أجل غزة وحماية أمن الغرب والعالم إلى زوال هذه الصهيونية، لا عند زوال الحرب وتوقفها فحسب. هذا هو التحول المفضي إلى الاستمرار الحركي الزمني ولو توقفت الحرب وتحررت غزة وفلسطين.
في خلاصة:
- الصفقة السياسية لا تعني توقف التحرك الشعبي والفكري والإغاثي.
- التحولات الفكرية في الغرب والنخب الأكاديمية تضمن استمرارية التحركات الاحتجاجية والنصرة الفكرية، وتعزز الضغط على الرواية الإسرائيلية في العالم.
- استمرار التحرك الشعبي والفكري والإغاثي بعد الصفقة أمر حتمي، لا يمكن اعتباره نهاية للمعركة.
- التخطيط الإغاثي الاستراتيجي يجب أن يكون طويل الأمد، متكاملًا بين العمل الإنساني والسياسي والفكري.
- التركيز على النصرة بالوعي والتحولات الفكرية الغربية أمر أساسي لضمان استمرار مواجهة اللوبي الصهيوني وشبكات الضغط العالمية الصهيونية.