في حلقة جديدة من برنامج “رجل ومسار” على قناة الشاهد، الذي يقدمه الأستاذ منير الجوري، تواصل الحوار مع فضيلة الأستاذ محمد عبادي حول مساره العلمي ومواقفه من الأوضاع السياسية التي عرفها المغرب في مرحلة ما بعد الاستقلال، كما تناولت الحلقة بعض محطات تنقله بين المدن، ودخوله مجال الخطابة والتدريس، ثم حديثه عن الزواج والدعوة وتوقيف الخطباء وما سمي بمشروع تسديد التبليغ.
في بداية الحوار، عاد مقدم البرنامج إلى مرحلة الانغلاق السياسي الذي عرفه المغرب مع إعلان حالة الاستثناء، وما فتحه ذلك من نزاع بين النظام السياسي والتيارات السياسية التي كان لها وزن وحضور شعبي، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن انقلابي سنتي 1971 و1972، ويسأل الأستاذ محمد عبادي عما إذا كانت تلك الانقلابات تعني أن النظام السياسي آنذاك كان معزولا عن الدعم الشعبي وعن الحماية العسكرية والأمنية. وفي جوابه، قال محمد عبادي إن المغاربة علقوا آمالا عريضة على الاستقلال، لكنهم أصيبوا بخيبة أمل، لأن الذين بذلوا النفس والنفيس في تحرير الوطن مورست عليهم التصفية الجسدية، بينما أسند الأمر إلى من كان مواليا لفرنسا. وأضاف أن هذا الوضع خلق شرخا بين الدولة وبين الشعب، وأن الدساتير الممنوحة التي توالت بعد ذلك لم تكن تهدف إلى تمكين الشعب من تدبير أموره بنفسه، بل إلى إسكاته وإلهائه. كما تحدث عن أحزاب الحركة الوطنية وما وقع بينها من انشقاقات، وقال إن هذا كله شجع بعض عناصر الجيش على الاعتقاد بإمكان تغيير الوضع عن طريق القوة، فكانت الانقلابات المعروفة وما ترتب عنها.
ثم انتقل الحديث إلى تعديلات سنة 1970 الدستورية، فذكر أن هذه التعديلات لم تستجب، بحسب قوله، لما كان الشعب يتطلع إليه من عدل وحرية وحقوق سياسية واقتصادية واجتماعية، لأن الدساتير كرست حيازة النظام على حظ الأسد من الصلاحيات في السياسة الداخلية والخارجية وفي الأمن وفي غيرها من المجالات.
وعندما سئل عن أثر هذه الأحداث على وعيه السياسي في تلك المرحلة، قال محمد عبادي إنه ينتمي إلى منطقة الريف التي همشت، ورمي بأبنائها إلى الخارج، ومورس عليها القمع والاضطهاد، ولذلك كان من الطبيعي أن تغلي دماؤهم من السخط على الوضع القائم. وأضاف أنه لم يكن يرى في الانقلابات وسيلة تضمن للشعب حقوقه، لأن من يقومون بها يفعلون ذلك بدافع الحقد وبدافع حب السلطة، واستحضر في هذا السياق أمثلة من سوريا وليبيا ومصر وغيرها من البلدان التي عرفت انقلابات ولم تصل إلى ما كان ينتظره الناس منها.
ثم سئل عما إذا كان لديه تصور حول المسار الذي ينبغي أن يسير فيه المغرب من أجل التغيير السياسي قبل لقائه بالإمام عبد السلام ياسين، فأجاب بأنه كان يملك نوعا من التصور بحكم تعامله مع الأحكام الشرعية، لكنه قال إن التحاقه بالجماعة هو الذي جعله يملك الرؤية التي حددت له السبيل والطريق والمشروع الذي يمكن أن يضمن التغيير الحقيقي لما فيه خير البلاد والعباد.
بعد ذلك، عاد الحوار إلى الفترة التي قضاها محمد عبادي في طنجة في بداية السبعينيات، حيث سأله مقدم البرنامج عن النقاشات والآراء التي كانت تسود بين طلبة العلم والعلماء الذين كان يتلقى عنهم، في ظل ما عرفه المغرب من اضطرابات سياسية وتغيير دستوري ومحاولات انقلاب. وفي جوابه، قال إن علماء طنجة وطلبة العلم كانوا بعيدين عن المجال السياسي، وإن الدولة كانت تتهم الآخرين بدمج السياسة بالدين، في حين أنها كانت تمارس ذلك بنفسها. وأضاف أن طلبة العلم كانوا مهمشين، ولم تكن تفتح لهم مجالات لمناقشة القضايا السياسية أو إبداء الرأي فيها أو محاولة التغيير من داخلها، ولذلك كان الجو الذي يعيشه في المدارس العلمية منحصرا في التحصيل العلمي، مع تلقي الأخبار وسماعها فقط من دون فعل أو حركة أو موقف داخل تلك المدارس.
ثم انتقل الحوار إلى ما بعد انتهاء مقامه في طنجة، فسئل عن الوجهة التي أخذته إليها رحلة العلم بعد ذلك. فأجاب بأنه مكث في طنجة خمس سنوات يدرس العلم بالطريقة التقليدية، ويحضر دروس عدد من الشيوخ، ثم قدر الله له في السنة الخامسة أن يزور وجدة برفقة أحد الأصدقاء. وهناك التقى بداعية معروف اسمه محمد التطواني، وهو أخ الحاج خليل، وكانا من الوجوه البارزة في مجال الدعوة في وجدة وجرادة. وأضاف أن أهل جرادة طلبوا من محمد التطواني أن يبعث إليهم بخطيب للجمعة، فوقع الاختيار عليه، فالتحق بجرادة. وهناك بدأت مسألة الزواج، حين زاره أحد الأفاضل من طنجة، وكان ابناه يدرسان عنده في جرادة، وأخبره بأنه رأى رؤيا تتعلق بزواجه من أسرة يعرفها، ثم عرض أن يكون هو الواسطة، وتكفل بالترتيب والتهييء لهذا الزواج. غير أن الفترة الصيفية التي كان ينوي فيها إقامة العرس شهدت منعه من الخطابة، لينتقل بعد ذلك إلى أزمور مولاي بوشعيب. وعندما سأله مقدم البرنامج إن كان هذا المنع وقع في الوقت نفسه الذي كان يستعد فيه للعرس، أجاب بالإيجاب، موضحا أن عقد الزواج كان مكتوبا، لكن العرس لم يكن قد أقيم بعد.
وفي حديثه عن مرحلة أزمور، قال محمد عبادي إنه بقي هناك نحو سنتين في معهد تابع للأوقاف، وكانت المدرسة تدرس الطلبة القراءات السبع، بينما كان هو يدرسهم مبادئ الفقه ومبادئ اللغة العربية. وأضاف أنه تقدم هناك أيضا لإكمال الدراسة، فعاد إلى البكالوريا من جديد في الجديدة، وحصل عليها، ثم ذهب إلى آسفي حيث اجتاز امتحان الالتحاق بمركز التكوين، وقضى هناك سنتين، ثم عين بعد ذلك في سطات. وأضاف أنه في هذه الأثناء سجل أيضا في كلية القرويين فرع تطوان، كلية أصول الدين، من أجل متابعة الدراسة الجامعية. وبعد ذلك سأله مقدم البرنامج عن أثر الزواج في هذه المرحلة التي تميزت بكثرة الانتقالات بين الدراسة والتدريس والعودة إلى الجامعة، فأجاب بأن الزوجة كانت خير معين وخير سند، وأنهما كانا يعيشان الهدف نفسه والغاية نفسها والطموحات نفسها، ولذلك قال إن الزواج لم يكن عقبة في الطريق، بل كان عاملا مساعدا على الاستقرار وعلى تهيئة الجو المناسب للدعوة ولمزيد من العلم والتعلم.
وفي جزء آخر من الحلقة، انتقل مقدم البرنامج إلى سؤال محمد عبادي عن النصائح التي يمكن أن يوجهها للشباب المقبل على الزواج في ظل الأوضاع الاجتماعية وما تعرفه المحاكم وغيرها من قضايا مرتبطة بالحياة الزوجية. وفي جوابه، قال إن الإسلام أمر بالزواج المبكر، لأن الشهوة قد تكون عقبة في طريق الإنسان إن لم تشبع بطريقة موافقة لشرع الله. وأضاف أن مظاهر الخلاعة والمجون والتفسخ الخلقي هي نتيجة حرمان الشباب والشابات من الزواج، وأن الإسلام يريد للإنسان أن يعيش هادئا مطمئنا، ولذلك فرض الحجاب على النساء، وأمر بغض البصر، ووضع أحكاما تتعلق بعدم الاختلاط الفاحش وتجنب المصافحة والخلوة، حتى يعيش الإنسان هادئا ومطمئنا. كما دعا إلى أن يوفر المجتمع للشباب الظروف الملائمة للزواج، واستحضر في هذا الباب تخصيص عمر بن عبد العزيز نصيبا من الزكاة لتزويج غير المتزوجين، وقال إن هذا الأمر ينبغي أن يعود إلى الأمة، على مستوى الأوقاف، وفعل الخير وتهيئة الظروف لشبابها. وأضاف أنه إذا وقع الزواج، فلابد أن يكون لدى الشباب والشابات إلمام بما تقتضيه العلاقة الزوجية، وكيف يبنون بيتا قائما على التكارم والتعاون والتراحم، وعلى ضمان بيئة سليمة للأولاد حتى يتربوا في جو إيماني رباني.
ثم عاد الحوار إلى جانب من مساره الدعوي، حين سئل محمد عبادي عما إذا كان عمله في خطابة الجمعة قد استمر بعد التحاقه بالتعليم مدرسا، أم أنه انقطع منذ توقيفه في جرادة، فأجاب بأن خطبة الجمعة كانت مرتبطة عنده بالهم الدعوي، ولذلك مارس الخطابة في كل مكان ذهب إليه، في سطات ووجدة وآسفي، بل وحتى في طنجة. وأضاف أنه منع من الخطابة مرات متعددة، وذكر أن عددها بلغ إحدى عشرة مرة، وأنه ظل يعود إليها في كل مرة. وحين سأله مقدم البرنامج إن كان يرى أن الدعوة مهمة مخصوصة بمؤسسات معينة أم أنها تهم كل مسلم، أجاب بأن الدعوة إلى الله فرض على كل مسلم، لأن كل مسلم يعتبر خليفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله بعثه الله رحمة للعالمين، ولذلك ينبغي لكل مسلم أن يكون رحمة للعالمين، وأن يحمل الدعوة إلى الله. وأضاف أن الأنبياء كانوا في الأمم السابقة هم المكلفين بالدعوة، أما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الذين يخلفونه في هذا المجال هم جميع الأمة، واستشهد في ذلك بقول الله تعالى: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي، ثم قال إن بعض الناس ينتظرون حتى يستوعبوا الإسلام كله قبل أن يمارسوا الدعوة، واعتبر أن هذا غير لائق، مستحضرا حال الصحابة الذين كانوا يحضرون مجالس معدودة ثم ينطلقون إلى بلدانهم حاملين الدعوة. كما قال إن حصر الدعوة في مؤسسات الدولة يكبح جماحها، لأن تلك المؤسسات لا تسمح للدعاة بأن يلقنوا الناس الإسلام بشموليته، بل تفرض عليهم الحديث في الأحوال الشخصية والعبادات الفردية فقط، وتغلق باب الحديث فيما يهم المجتمع وفي النهي عن المنكر.
وفي سياق متصل، طرح مقدم البرنامج موضوع توقيف الخطباء من طرف الجهات الرسمية، وأشار إلى استمرار هذا الإجراء وإلى حالات قيل إنها ارتبطت بمواقف من غزة أو من التطبيع أو من الصهيونية. وسأل محمد عبادي عن الرأي الشرعي في توقيف خطيب لمثل هذه الأسباب. فأجاب بأن الوزارة لا يحق لها أن تضم هذه المسألة إلى اختصاصها، وعدها مسألة شرعية، وقال إن الخطيب إذا تجاوز حدود الشرع فينبغي أن يعقد له مجلس تأديبي من قبل العلماء، فينصحونه أولا ويوجهونه، فإذا تبين أنه يخرج فيما ينطق به ويلقيه للناس عن الدائرة الشرعية، عند ذلك يمنع من الوعظ والتدريس والخطابة. أما أن يتولى رجال الأمن أو السلطة المحلية أو وزارة الأوقاف توقيف الخطباء، فقد وصفه بأنه ظلم بيّن، واستشهد بقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا. وأضاف أن منع الخطباء من قول كلمة الحق يؤدي إلى تلقي الشعب دينه في وجهة معينة، وقال إن ذلك يمثل تطبيقا للعلمانية التي تفصل الدين عن الدولة وعن الحياة وعن المجتمع.
وفي آخر محاور الحلقة، سأل مقدم البرنامج عن مشروع “تسديد التبليغ” الذي تتبناه الوزارة، فأجاب محمد عبادي بأن عنوانه مغر إذا طبق بمعناه الصحيح، لأن تسديد التبليغ يعني أن يكون التبليغ موافقا للصواب، لكنه سأل بعد ذلك عما إذا كانت المجالس العلمية والخطب تمارس هذا المعنى فعلا، أم أنها تطلب من الخطباء تزكية سياسة الدولة وتربية الشعب عليها. ثم تحدث عن الشعار الذي تتبناه الدولة في المجال الديني، من حيث العقيدة الأشعرية ومذهب الإمام مالك وتصوف الإمام الجنيد، وقال إن النظر في الواقع يطرح، بحسب كلامه، أسئلة حول حضور تصوف الجنيد وأخلاقه وسيرته ومواقفه، وحول حضور مذهب الإمام مالك ومواقفه، كما طرح مسألة مدى معرفة عامة الناس بالعقيدة الأشعرية، فلا أحد باستثناء المتخصصين من يعرفونها. وأضاف أن المطلوب هو ربط الناس بالقرآن، وأن تكون العقيدة موافقة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع تربية الإيمان بالله عز وجل، فتترسخ فينا معاني العقيدة والتي من أساسها ومبادئها التعلق بالله وبالآخرة وبالبعث وبما تتضمنه العقيدة إجمالا.