المورد الأهنى في المولد الأسنى

Cover Image for المورد الأهنى في المولد الأسنى
نشر بتاريخ

(مولد النبي صلى الله عليه وسلم)

هذا المؤلف هو لعالمة دمشق الأولى السيدة عائشة الباعونية الدمشقية، وهي من أعلام النساء في عهد المماليك، ولدت عل الأرجح في الربع الثالث من القرن التاسع الهجري، بعد عام 860ه – 1455م.

وقد كتبت عالمتنا الجليلة “عائشة الباعونية” مجموعة من المؤلفات في مجالات متنوعة، تميزت بطابع التصوف والشعر، لكن للأسف لم يصل إلينا إلا القليل منها، خاصة وأننا نجد في سيرتها أنها فارقت السكن والوطن نحو القاهرة، فأُصيبت في الطريق في كل شيء كان معها ومن ضمنها مؤلفاتها ومنظوماتها.

وقد اكتسبت من أسرتها الكثير، فحفظت القرآن مثل جميع علماء أسرتها، وسلكت مسلكهم في التصوف، فكانت من كبار متصوفة عصرها. كما شغفت بالشعر والأدب فتألقت على شعراء تلك الفترة.

ومن بين مؤلفاتها:

– الإشارات الخفية في المنازل العلية: وهو عبارة عن أرجوزة صوفية اختصرت فيها كتاب “منازل السائرين” لشيخ الإسلام عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي الصوفي.

– ديوان عائشة الباعونية: ويسمى “فيض الفضل”، وهو الكتاب الوحيد الباقي من مؤلفاتها دون طباعة.

ويتألف ديوان عائشة من ستة قصائد نظمتها ما بين عامي 910 هـ – 1513م، 921 – 1515 م خلال إقامتها في القاهرة، وجميع قصائد هذا الديوان في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي تحمل هذه العناوين:

– بديع البديع في مدح الشفيع

– الفتح المبين في مدح الأمين

– فتوح الحق في مدح سيد الخلق

– القول الصحيح في تخميس بردة المديح…

إلى غير ذلك من العناوين.

يتحدث عنها “الغزي” في كتابه “الكواكب السائرة” بأنها من “نوادر الزمان فضلا وأدبا وشعرا وديانة وصيانة” 1.

ويصفها “محمد كرد علي” بأنها “المحدثة الصوفية الشاعرة المجيدة” 2.

وهي أول من كتب المولد النبوي من النساء، وقد خَطَّت بكلمها مجموعة كبيرة من القصائد، معظمها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.

أما كتابها “المورد الأهنى في المولد الأسنى” فيعد التجربة النسائية الأولى والوحيدة في هذا النوع من الكتابة الأدبية والعلمية. فلا نعرف قبل عائشة وبعدها أي عالمة من عالمات المسلمين دخلت مجال التأليف في المولد النبوي. ويرى مجموعة من العلماء أنه بفضل كتابها هذا، حازت لقب رائدة الكتابة في المولد النبوي بين النساء المسلمات.

غير أن قصيدتها الموسومة بـ”الفتح المبين في مدح الأمين” من أشهر قصائد البديع والمشهورة بالبديعيات، وبفضل هذه القصيدة حازت عائشة لقب شاعرة البديع الأولى في الإسلام، وقد بين إجادتها وتفوقها “الشيخ عبد الغني النابلسي” 3.

أما قصيدتها “الفتح المبين في مدح الأمين” فتتألف من مائة وثلاثين بيتا، قصرتها على مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.

تقول عائشة في مقدمة ديوانه: “أما بعد فإن المديح النبوي الشريف شعار أهل الصلاح وسيما أهل الفلاح وهو مما يتنافس فيه المتنافسون ويدأب فيه المخلصون، إذ هو من أعظم وسائل النجاح، وسبب مضاعفة الأرباح” 4.

لقد تفوقت عائشة على شعراء عصرها في مدح الحبيب صلى الله عليه وسلم، وديوانها الشعري شاهد على ذلك؛ فجميع قصائده في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنه قصيدتها الميمية “فتوح الحق في مدح سيد الخلق”.

ومن أبيات القصيدة:

في حُسن مطلع أقمار بذي سَلم

أصبحت في زمرة العشاق كالعلم

أقول والدمع جارِ جارح مُقلي

والجار جار بِعذْل فيه متهمي

إلى أن تقول:

عَرج على قاعة الوَعْساء منعطفا

على العقيق، على الجرعاء من إضَمِ

واقصد مصلى به باب السلام، وقف

لدى المقام وقبّل موطئ القدم

فلي فؤاد بذاك الحي مُرتهن

سلا السُلُوُّ وعانى وجدهُ بهم

نشدته الله، والأنوار مشرقة

تعلو المعالم من سكانها القُدُمِ

إلى أن تختم قصيدتها:

يا أكرم الرسل سُؤلي منك غير خف

وأنت أكرم مدعو إلى الكرم

حسبي بحبك أن المرء يُحشر مع

أحبابه فهنائي غير منحسم

مدحتُ مجدك والإخلاص مُلتزمي

فيه وحُسن امتداحي فيك مُختتمي

كما أن عائشة الباعونية كانت شديدة الإعجاب بقصيدة “البردة” للبوصيري، وقد عبرت عن هذا الإعجاب في مقدمة قصيدتها “القول الصحيح في تخميس بردة المديح” حيث تقول: “وكأن من أحسن ما أبرزه – تقصد البوصيري – في مدح هذا الحبيب الأعظم والنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم قصيدته الميمية ومنظومه السنية المشهورة في مجال التسمية بالبردة… وكأن مما امتن الله به علي وأحسن إلي أن أهلني لتخميسها في عنفوان الشباب… وسميته القول الصحيح في تخميس بردة المديح” 5.

واخترت من قصيدتها من البحر البسيط:

كتمتُ عشقي فأضحى غيرَ مكتتمِ

بمدمعٍ عندميِّ اللونِ منسجمِ

وقال صحبي ووجدي صار كالعَلَمِ:

أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ

مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

لعل هذه الومضات هي درر قليلة، لا تفي حق العالمة الجليلة “عائشة الباعونية”، خاصة أنها رائدة عالمات المسلمين ومن أشهر أعلام التصوف في عصرها، كتبت الكثير من المؤلفات النثرية والشعرية الصوفية، بل وإنها العالمة الوحيدة التي كتبت مولدا نبويا ولها نتاج شعري وأدبي خصب للبحث والدراسة.

____________________

المصادر والمراجع:

– عائشة الباعونية الدمشقية (أشهر أعلام دمشق آواخر عهد المماليك؛ دراسة ونصوص فارس أحمد العلاوي، الطبعة الأولى 1994).

– الفتح المبين في مدح الأمين (بديعية)، نظم: عائشة الباعونية الدمشقية (865 / 922 هـ) تحقيق فارس العلاوي.

– المورد الأهنى في المولد الأسنى (مولد النبي صلى الله عليه وسلم) تأليف: عائشة الباعونية الدمشقية (865/922هـ). تحقيق فارس أحمد العلاوي، لؤي عبد الحكيم غنام.


[1] الغزي: الكواكب السائرة، ج 1، ص 288.
[2] كرد علي محمد: خطط الشام، ج 4، مطبعة الترقي، دمشق 1927، ص 60.
[3] البديعيات قصائد طويلة كل بيت منها يمثل نوعا من أنواع البديع أو أكثر (الجناس، المطابقة، التوشيح، التورية…).
[4] الذهبي والخيمي: ديوان عائشة الباعونية، مجلة التراث العربي، العدد 4، 1981، ص 116.
[5] المرجع السابق.