في أقل من يومين، حاول عشرات الآلاف من المغاربة بلوغ مدينة سبتة المحتلة، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. مشاهد مؤلمة حملت في ثناياها رسالة وطنية ثقيلة الدلالات، جسدها رجال ونساء، وشباب وأطفال، بل وعائلات بأكملها، اختارت أن تراهن على البحر بما يحمله من هلاك محتمل، بعدما ضاقت بها اليابسة بما تحمله من انسداد في الأفق.
وحين يقدم هذا العدد الكبير من المواطنين على المجازفة بحياتهم في وقت واحد، ينتصب السؤال المشروع: لماذا أصبح العبور، بكل مخاطره، خيارا يبدو أقل قسوة من البقاء؟ فالهجرة الجماعية هي في حقيقتها تعبير عن أزمة ثقة في قدرة الواقع القائم على توفير الحد الأدنى من الأمل والكرامة والعيش الآمن.
ولئن كان المغاربة على موعد، بعد أقل من شهرين، مع انتخابات تقرأ نتائجها، عادة، بوصفها مقياسا لثقة المواطنين في السياسات العمومية والفاعلين السياسيين، فإن ما جرى على شواطئ الشمال يبدو كأنه سبق ذلك الموعد باستفتاء من نوع آخر؛ استفتاء لم ترفع فيه أوراق التصويت، بل ارتفعت فيه أمواج البحر لتختلط بآمال الانعتاق من واقع بئيس، فعشرات الآلاف اختاروا المجازفة بحياتهم بدل انتظار وعود جديدة يعلمون يقينا أنها مرهونة بموسم سرعان ما تخبو أضواؤه ليعودوا لتفاصيل حياتهم الكالحة، وهي رسالة لا ينبغي أن تمر دون قراءة عميقة.
لقد كشفت هذه الموجة أن دوافع الهجرة لم تعد تختزل في البحث عن فرصة عمل، وإنما امتدت إلى البحث عن الكرامة والاستقرار والشعور بوجود مستقبل، وأن الطبقة المسحوقة من سواد الشعب قد بلغت حد استنفاد قدرتها على الصبر، وأنها لن تفوت أي فرصة سانحة للهروب مهما كانت قاسية. فعندما تحمل أم طفلها إلى البحر، أو يخوض رجل متقدم في السن مغامرة قد تنتهي بالغرق، فإن الأمر يدل على تجاوز الحاجة الاقتصادية إلى شعور أوسع باليأس.
ولا يمكن فصل هذا الشعور عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي باتت تطال شرائح واسعة من المجتمع، بما فيها أجزاء من الطبقة المتوسطة التي كانت، لعقود، صمام أمان للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ففي مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار البطالة والهشاشة، يتواصل في الأوساط الأكاديمية والاقتصادية والنقاش العمومي الحديث عن اختلالات بنيوية، من بينها اقتصاد الريع، وتركيز الثروة والنفوذ الاقتصادي، وضعف تكافؤ الفرص… وهي قضايا نبه إليها باحثون وخبراء ومؤسسات وطنية في مناسبات متعددة، باعتبارها من العوامل التي تحد من دينامية الاقتصاد وتضعف الثقة في إمكان الارتقاء الاجتماعي عبر العمل والكفاءة، لكنها للأسف تقابل باللامبالاة، بل والتضييق والحصار والشيطنة في كثير من الأحيان.
وفي مقابل حدث بهذه الضخامة، بدا التعاطي الرسمي منصرفا، بالدرجة الأولى، إلى المقاربة الأمنية، كعادته الدائمة. ولا خلاف في أن حماية الأرواح وحفظ النظام العام من صميم مسؤوليات الدولة، غير أن الاقتصار على هذا البعد لا يجيب عن السؤال الذي طرحته هذه الموجة بقوة: لماذا أصبح هذا العدد الكبير من المواطنين مستعدا للمخاطرة بحياته؟
ومن المثير في الحدث أيضا، استمرار المظاهر الاحتفالية المرتبطة بعيد العرش، دون أن تكلف الأجهزة الرسمية عناء التواصل مع المغاربة، تنصت إليهم وتقدم ما يطمئنهم إلى الاستجابة لحاجياتهم.
إن أخطر ما في هذه الموجة ليس عدد من وصلوا إلى سبتة، ولا عدد من فقدوا حياتهم في البحر، وإنما ما كشفت عنه من مسافة آخذة في الاتساع بين شطر من المجتمع وبين الأمل في المستقبل. فالأوطان لا تبنى بالحواجز والقمع، ولا تحفظ أبناءها بمنعهم من الرحيل، وإنما بمنحهم أسبابا حقيقية للبقاء.