مع حلول كل سنة هجرية جديدة، تتجدد في وجدان المسلمين معاني الهجرة النبوية الشريفة، ليس لأنها حدثا تاريخيا مضى وانقضى، بل لأنها مدرسة تربوية وإيمانية متجددة تحمل دلالات عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان، فالهجرة في الإسلام ليست مجرد انتقال جغرافي من أرض إلى أرض، وإنما هي حركة دائمة وسلوك إلى الله تعالى، وانتقال مستمر من الباطل إلى الحق، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن أسر الشهوات إلى رحاب العبودية الخالصة لله عز وجل.
الهجرة والنصرة: مفهومان مستمران في حياة الأمة
قد “يظن بعض الناس أن الهجرة والنصرة كانتا منزلتين خاصتين بجيل الصحابة رضي الله عنهم، ارتبطتا بمرحلة تأسيس الدولة الإسلامية الأولى ثم انتهى حكمهما بانتهاء تلك المرحلة”، كما يقول الإمام المجدد رحمه الله في المنهاج النبوي، غير أن التدبر في القرآن الكريم والسنة النبوية يكشف أن المعاني التي قامت عليها الهجرة والنصرة باقية ما بقي الإسلام، فحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية»، لم يكن المقصود انتهاء معاني الهجرة إلى الأبد، وإنما انتهاء الهجرة الخاصة من مكة إلى المدينة بعد أن أصبحت مكة دار إسلام، أما الهجرة بمعناها الإيماني والتربوي والجهادي، فهي باقية في حياة المؤمنين إلى قيام الساعة.
ويؤكد القرآن الكريم فضل السابقين الذين بذلوا أموالهم وأنفسهم قبل فتح مكة، قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً [الحديد: 10]. فقد استحقوا هذه المنزلة الرفيعة لأنهم نصروا الدين في أوقات الشدة والحصار والاستضعاف، عندما كان الإسلام محاربًا ومطاردًا، ومن هنا فإن قيمة الهجرة والنصرة تظهر بصورة أعظم كلما اشتدت المحن وعظمت التحديات التي تواجه الأمة.
من الجاهلية والفتنة إلى الإسلام
الهجرة في جوهرها برهان على صدق الإيمان، فهي ليست مجرد ترك مكان والإقامة في آخر، وإنما هي مفارقة دائمة لعادات الجاهلية وأخلاقها وقيمها المنحرفة، والانتقال إلى حياة يضبطها الشرع وتوجهها مقاصد الإسلام، لقد جسد الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى بأسمى صوره عندما تركوا أوطانهم وأموالهم وأهليهم استجابة لأمر الله ورسوله، لكن هذا النموذج التاريخي تحول إلى منهج دائم لكل مؤمن، إذ يبقى مطالبًا في كل يوم أن يهاجر بقلبه وسلوكه من المعصية إلى الطاعة، ومن الهوى إلى الهدى، ومن الأنانية إلى البذل والعطاء.
فالمؤمن يعيش هجرة مستمرة، يطرح عنه رعونات النفس وأثقال الشهوات، ويتجه بإرادته نحو مرضاة الله تعالى، مجاهدا نفسه قبل أن يجاهد غيرها.
من الشح إلى البذل والإنفاق
من أعظم مظاهر الهجرة إلى الله التحرر من شح النفس، فالإنسان مفطور على حب التملك والتعلق بما في يده ويد غيره، غير أن الإيمان الصادق يربي صاحبه على تجاوز هذه الغريزة حين تتعارض مع مرضاة الله، وقد جعل القرآن الكريم الفلاح الحقيقي مرتبطا بالانتصار على شح النفس، فقال سبحانه: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9].
ومن هنا كان الإنفاق في سبيل الله صورة عملية من صور الهجرة؛ لأن المنفق يهاجر من عبودية المال والأشياء إلى عبودية الله، ويتحرر من أسر التملك إلى فضاء البذل والعطاء، والبذل ليس مجرد إخراج المال، بل هو موقف نفسي وروحي يجعل الإنسان يرى ما عند الله خيرا وأبقى مما بين يديه، ولهذا فإن قيمة الإنفاق لا تقاس بحجم المال المبذول فقط، وإنما بما يصاحبه من إخلاص وتجرد وثقة بوعد الله تعالى.
من الأنانية الفردية إلى روح الجماعة
إن التربية الإسلامية الحقة لا تهدف إلى إنتاج فرد صالح منعزل عن قضايا أمته ومجتمعه، وإنما تسعى إلى بناء إنسان يجمع بين الإيمان والعمل، وبين تزكية النفس وخدمة الدين، فالتربية الإيمانية تمثل الأساس الذي تنطلق منه الأعمال الإصلاحية والدعوية والاجتماعية، وكلما ترسخت معاني الإيمان في القلب، انعكست على السلوك والمبادرات العملية في الواقع، ولهذا يقوم المنهاج النبوي على التدرج من بناء الإنسان إلى بناء المجتمع، ومن إصلاح النفس إلى إصلاح الواقع. فهو مشروع متكامل يسعى إلى تحقيق الأهداف الإسلامية في الحياة، وربطها بالمقاصد الإيمانية، ثم الارتقاء بها نحو الغايات الإحسانية التي تمثل أعلى مراتب السلوك إلى الله.
من الطقوسية إلى الفاعلية الحضارية
من الأخطاء التي وقعت فيها بعض التصورات التقليدية للإسلام النظر إليه باعتباره حالة فردية جامدة تنحصر في بعض الشعائر والعبادات، بينما الإسلام في حقيقته مشروع تغيير شامل للإنسان والحياة، فالقرآن الكريم يبين وجود تعارض دائم بين قيم الجاهلية وقيم الإسلام، وبين منطق الهوى ومنطق الوحي. ومن ثم فإن المسلم مدعو باستمرار إلى تجديد هجرته، وتجديد انحيازه إلى الحق، وتجديد مساهمته في نصرة الخير والعدل والإصلاح.
إن الهجرة ليست ذكرى تاريخية نستحضرها مرة كل عام، بل هي مسار حياة كامل، يبدأ بهجرة القلب إلى الله، ويتجسد في السلوك والعمل والبذل والعطاء، حتى يلقى العبد ربه وهو ثابت على طريق الإيمان، فذكرى الهجرة النبوية تذكرنا بأن الإسلام دين فاعلية وتجديد وتضحية، وأن الهجرة بمعانيها الإيمانية والتربوية لا تزال مطلوبة في كل عصر، فكل من هجر المعصية إلى الطاعة، والأنانية إلى البذل، والباطل إلى الحق، والغفلة إلى اليقظة، والخنوع إلى مجابهة الظلم، فقد نال نصيبا من ميراث المهاجرين، وكل من نصر دين ربه وقضايا أمته بقوله أو فعله أو ماله أو جهده، فقد شارك الأنصار فضلهم ومكانتهم، وهكذا تظل الهجرة مدرسة خالدة، تعلم المؤمن أن طريق الله يحتاج إلى إرادة صادقة، وبذل مستمر، وسعي دائم نحو الكمال الإيماني والإحساني.